الفصل الحادي والعشرون وسط ترحيب الجيران والمعارف وتساؤلات عن الصحة وكلمات ود تخرج من القلب لها وكأنها غابت شهور وليس عدد من الأيام، وهي تبادلهم الرد بابتسامة ممتنة، ورزانة اعتادت عليها، خطواتها تبطئها بقصد، وتتوقف عن السير عدة مرات حتى لا تغفل عن إجابة أحد، بصحبة شقيقتها المؤازرة لها دائمًا، رؤى. - حمد الله ع السلامة يا شهد، ربنا ما يجيب حاجة وحشة أبدًا - الله يخليكي يا ام كريم. - احنا كنا بنسأل عليكي دايما الست نرجس، وكان بودنا نيجي ونزورك بس منعرفش العنوان. - تسلم يا عم عادل، دا العشم فيكم والله. - لا بس انتي وحشتينا اوي والبت رؤي دي عايزة قرص في ودانها عشان مفيش مرة ريحتنا بكلمة. - انا يا ام حسين، الله يسامحك. - هيسامحني يا ختي، عندًا فيكي هيسامحني. قالتها المرأة وانطلقت الضحكات ليتبعها بعض المزاح والتفكه بالعبارات، ليشيع جوًا من المرح، ويزيد من تعطليهم، وفي الأعلى كانت أمنية تراقب من الشرفة والهاتف على أذنها تتحدث إليه: - بقولك وصلت يا عم، والجيران ولاد الكلب، عاملينها استقبال ملوكي، ولا اكنها ملكة بين راعاياها وهترش عليهم بالدنانير والدراهم........ ايه؟ عايزانى انا كمان استقبلها واكلمها؟....... ليه يا حبيبي؟ هو انت ناسي ان الخناقة كانت عشانك؟ وانا بدافع عندك........ ما تقولش حمارة يا ابراهيم......... هتفت بالأخيرة محتدة، وهي تدلف لداخل غرفة نومها وتترك الشرفة وتابعت بالرد - لأ يا ابراهيم، البت دي هتشوف نفسها عليها، أنا عارفاها مش هترضى ترد وهتكسفني........ تاني يا ابراهيم هتزعق فيا؟....... خلاص يا سيدي سكت وهسمعك...... اممم........ سياسة!......... حاضر هجرب واما اشوف هتعمل ايه انت كمان، في الاستراتيجية الجديدة الي بتقول عليها دي......... سلام . ❈❈-❈ - شهد انتي وصلتي؟ حمد الله على سلامتك يا بنتي. تفوهت بها نرجس فور ان وقعت عينيها عليها وهي تلج لداخل المنزل، وخلفها رؤى كانت تحمل حقيبتها وبعض الكتب المدرسية على يديها، والتي تكفلت هي بالرد مع صمت الأخرى: - لا موصلناش لسة يا ماما، استني لما نيجي وبعدها سلمي. عبست نرجس تهتف حانقة نحو ابنتها: - عنك ما جيتي، بنت قليلة الحيا بصحيح. كانت قد وصلت إلى شهد لتجذبها من ذراعيها وتقبلها على خديها بمداهنة تردد: - نورتي بيتك يا حبيبتي، نورتي بيتك يا أحلى شهد. ابتسامة باهتة اغتصبتها شهد بصعوبة لتوميء لها بهز رأسها حتى تتركها لتدخل غرفتها، قبل أن تفاجئها أمنية بقولها: - الف سلامة عليكي يا شهد. قالتها وقد ظهرت إليها من العدم، متصنعة الأدب والمسكنة، قطبت شهد تطالعها بريبة صامتة، لتتابع الأخرى: - انا كان نفسي اجيلك عند صاحبتك، بس خوفت لا تطرديني ولا متقبليش بزيارتي، ساعتها كان هيبقى شكلي وحش اوي في بيوت الناس. - وانا، وانا كمان يا شهد كان نفسي اجيلك، بس البت رؤى اختك مرضيتش . قالتها نرجس متلهفة لرد فعل شهد والتي طالعت وجهها وهذه البلاهة المرتسمة على ملامحها، وكأن ما تتكلم عنه هو بالهين، أن تجد الغريب هو من يهمه أمر صحتها ورعايتها، ولا تجد من أفنت حياتها من أجلهم بجوارها وكأنه شيء عادي. هل هي من تغيرت أم انها كانت معمية عن رؤية واضحة لهذه الوشوش، نقلت بأنظاراها نحو أمنية التي تتصنع دورًا لا تجيده، ليخرج صوتها: - كتر خيركم، فيكم الخير. استدارت نحو الذهاب إلى غرفتها ولكنها وما أن تحركت خطوتين حتى توقفت تتابع وقد أعطتهم ظهرها: - بدل الحجج والقصص دي كلها، كان يكفي اتصال او حتى رسالة ع الفون. دا اضعف الإيمان. - أه بس انتي مكنتيش هترودي. هتفت بها أمنية وكان رد شهد ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيها، بعد أن التفت إليها برأسها، لتختم بتنهيدة مطولة خرجت من عمق جرحها. لتكمل سيرها بعد ذلك حتى دلفت داخل غرفتها، لتباغتها دمعة خائنة سقطت على خدها مسحتها سريعًا، حتى لا تترك نفسها فريسة للحزن أو التحسر على ما ضحت به من أجل أشخاص لا يستحقون، لا بل يوجد فيهم من يستحق، شقيقتها رؤى، تتمنى من الله الا تتغير هي الأخرى وتصبح صورة منهن من جيب بنطالها أخرجت هاتفها لتعود إلى حياتها الطبيعية وتمارس عملها المنقطعة عنه منذ مدة: - الوو يا عبد الرحيم، إيه الأخبار؟ ❈❈-❈ في زيارة لشقيقها مروان، الوحيد المتبقي لها من أفراد عائلتها، وقد كان الفراق خيارها معهم، من أجل مصلحتها، بتحدي غبي منها، خسرتهم، ولم يبقى سوى هذا الفرد الوحيد، لتنزع عنها قشرة الجمود معه، وتفتح قلبها إليه، وقد فاض بها: - انا تعبت يا مروان، وعايزة اشوفلي حل معاه، اتخقنت وقرفت، ودا عامل زي العمل الأسود، مفيش منه مهرب، اخاف اكلمه ولا حتى افاتحه في موضوع الانفصال، ليقتلني ولا يعمل فيا حاجة وحشة، دا غير كمان ابني، مش بعيد يحرمني منه. كان يسمع منها صامتًا وهو يخرج لها عبوة عصير طازجة من البراد ليفتحها ويضعها أمامها، على سطح الطاولة الفاصلة بين الصالة والمطبخ المفتوح، ليتخذ وضعه ويجلس على المقعد المجاور ليرد اَخيرًا بنبرة هادئة: - ما هو دا طبعه من الأول، ودي عيشتك معاه من بداية ما اتجوزتيه، ايه اللي جد بقى لدا كله؟ - اللي جد هو الخيانة. هتفت بها بانفعال ثم تابعت بحرقة: - الخيانة صعبة أوي يا مروان، خصوصًا وانا عارفة اني ما ملكش الجرأة حتى اني افاتحه، عشان عارفة ومتأكدة، انه هيحاسبني على المعرفة، معرفة الشقة ومعرفة الست اللي خاني معاها، دا جبار وانا عارفاه. - ولما انت عارفاه لزومو ايه كل اللي انتي عملاه ده؟ دا كارم ودا طبعه، اللي اخت...... قطع بعد أن اجفلته بنظرتها المحذرة، تقول بعصبية: - اياك تكمل...... انا فيا اللي مكفيني، زفر بضيق ليردد مذعنُا لطلبها: - خلاص يا ستي مش هكمل، بس انا قصدي افكرك، بطبيعة البني أدم اللي انتي متجوزاه وكأنها لم تسمعه، وجدت نفسها تعود بذاكراتها للحفل، فقالت رغم تحذيرها لشيقيقها بعدم الفتح في هذا الموضوع: - انا بحسدها يا مروان. - تحسدي مين؟ سألها بعدم فهم، فتابعت تجيبه بصراحة نادرًا ما تصدر منها: - بحسد كاميليا..... لو شوفتها في حفلة الفندق، والأستاذ طارق بيحاوط عليها ويدعمها بشكل واضح للجميع، بدون خجل ولا كسوف، اكيد كنت هتقول انه قاصد يعمل كدة قدامنا، بس انا عارفة ومتأكدة ان ده إحساسه الطبيعي ناحيتها، ودا اللي وجعني اوي، اني مش لاقية ربع الإهتمام ده. ظل شقيقها صامتًا وهي تردف: - حتى كارم، وبرغم كل العنجهية اللي فيه، كان بيخطف كل شوية نظرة سريعة بطرف عينه ناحيتهم، انا فاهمامها، عشان فاهماه كويس، ودا اللي قهرني. بنفاذ صبر قال مروان لينهي حديثًا يعلم بعقم الجدال فيه: - رباب... اصحي وفوقي لنفسك، التفكير ده هيزيد من تعبك، وانتي اساسًا عارفة نهايتها، جوزك مُتسلط ومعندوش تهاون، عيشي حياتك يا حبيبتي واتدلعي، اشتري كل اللي يخطر في بالك واصرفي على كيفك، ناغشي المتابعين عندك، وخليهم يسمعوكي كلام حلو عن جمالك وسحرك، دي حياتك، وانا واثق ان ناس كتير تتمنى نصها. - عشان معاشوش الحقيقة ع الواقع، لو عاشو الواقع هيعرفوا ان كل دا فيك، وقشرة مزيفة. قالتها لتتكتف بذراعيها ناظرة للأمام بيقين تام وصلت إليه عن تجربة مريرة تعيشها وتتعايش معها مرغمة، لتدفع ثمن اختيارها الخاطيء، تداركت تتذكر فجأة لتسأله: - اه صحيح يا مروان، انتي ما قولتليش عملت ايه في موضوع المجهول اللي بيتصل بيا ده؟ عرفت صاحب النمرة ولا جيبت حسابه؟ - بحثت لقيت الحساب مقفول، والنمرة كمان، حاولت اتصل، لقيت الرقم غير متاح، بس ايه لزوم القلق يعني؟ دا أكيد عيل معجب وتافه . صاحت به بانفعال: - أو ممكن يكون مهووس، ولا انت مسمعتش عن الحوادث اللي بتحصل احيانا مع النجمات؟ اضمن منين انا انه ميكونش واحد منهم؟ تغضنت ملامحه بسأم لينهض من جوارها قائلا: - ياا رباب، متكبريش الموضوع بقى، انتي اخترتي طريق الشهرة ودا شيء عادي بيحصل مع النجوم، اشربي العصير وفكي كدة، بلاش التنشنة دي.... انا هسخن اكل عشان تاكلي معايا. راقبته بيأس مغمغمة داخلها: - انا كنت واثقة اني مفيش فايدة منك يا مروان، دا غير اني مقدرش اكلم كارم، وانا مضمنش رد فعله، دا مش بعيد يجيب اللوم عليه وانول عقابه، اللي انا عارفة كويس انه هيكون حازم وقاسي في نفس الوقت.... طب اعمل ايه بس؟ ❈❈-❈ بغرفة المعيشة وقد خلا المنزل عليهن، بعد مغادرة شهد ورؤى، وذهاب لينا إلى عملها، كانت الجلسة التي جمعت بين السيدتين، فقالت مجيدة بعد أن ارتشفت قليلًا من فنجان القهوة الذي كانت تمسكه بيدها: - ها يا ست أنيسة، إيه رأيك في اللي بقولهولك؟ واوعي تعملي نفسك مش واخدة بالك ، جيبي من الاخر اللي يرضى عنك عشان انتي عارفة اني فاهماكي زي ما انتي فهماني: تبسمت المرأة التي كانت جالسة على نفس الاَريكة معها تقول: - لأ طبعًا واخدة بالي، دي حاجة واضحة زي عين الشمس، البشمهندس حسن ربنا يخليهولك، طيب ومشاعره فاضحاه. - اه يا اختي انتي هتقولي. عقبت بها مجيدة متمتمة، لتتبادل مع أنيسة الضحكات قبل أن تستدرك الاَخيرة بتفكير لتقول: - انا لو عليا اجوزهاولوا الليلة ومن غير ما اخد شورتها كمان، دي زي بنتي وأغلى كمان، بس المشكلة فيها هي، شهد مسنكرة على قلبها وقافلة على موضوع المشاعر ده بضبة ومفتاح، جواها رفض للإرتباط، كتومة زيادة عن اللزوم، طب اقولك على حاجة، انا نفسي حاسة انها ميالة له، بس المهم هي تعرف كدة، وتحس وتدي نفسها فرصة. - الله عليكي. تفوهت بها مجيدة بإعجاب تتابع : - اهو انتي كدة قصرتي عليا نص المشوار، انا بقى عايزاكي تفكري معايا عشان نلاقي حل، الواد عايزها والبت أكيد كمان عايزاه، لكن بقى محتاجة اللي يفك السنكرة والقفلة دي، عايزة اللي يفوقها لنفسها. تمتمت أنيسة معها بتأثر: - أه والله عندك حق، حبيبتي بقت ناسية نفسها، ونسيت الفرح نفسه، وهي تستاهل العوض، تستاهل واحد زي البشمهندس. ردت مجيدة براحة تتسرب إلى قلبها : - الله ينور عليكي، يالا بقى فكري معايا نشوف طريقة نوفق بيها راسين في الحلال، انا شايفاها مرات ابني ومش هستريح ولا يهدالي بال غير لما اجوزهم لبعض، كان ممكن اخدها من قاصرها وادخل البيت من بابه زي ما بيقولوا في الأمثال، بس بقى مكدبش عليكي ، الست مرات ابوها دي مبستريحش معاها ، قلبي مش مطمن لها، خصوصًا بعد المشكلة الاَخيرة دي، ست غريبة، لا تعرفيها طيبة ولا هي غبية، مش فاهماها بصراحة. بسخرية تخلو من الابتسام عقبت أنيسة : - يعني انتي عايزة تعرفيها من يدوب مقابلة ولا اتنين، دا انا ذات نفسي بقالي عمر اهو بعرف شهد وكذا مرة اشوفها معاها، ومع ذلك عمري ما فهمتها. - ياختي عننا ما فهمناها، احنا المهم عندنا دلوقت البت، عندك استعداد تساعديني ادخلها عصابتي؟ قالتها مجيدة لتنطلق ضحكة مرحة من أنيسة قائلة: - معاكي يا ستي في كل اللي تقوليه. - حلو أوي تمتمت بها مجيدة لتتابع داخلها وهي تعود للارتشاف من فنجانها: - يالا بقى عشان أفضى كمان لجوز المجانين التانين، أكيد برضوا هلاقيلك دور معايا يا أنيسة. ❈❈-❈ - انت هنا وانا بدور عليك. هتفت بها ليلتف بجسده نحوها، ثم يظل يتابعها وهي تقترب منه بخطواتها إليه، وقد كان واقفًا أسفل شجرة السدر خلف الموقع الذي كان السبب في لقاءه بها، وقد استعادت حيوتها الاَن، وعادت إليه وإلى عملها، ابتسامة جميلة تعتلي قسماتها، متوردة وقد ساهم عدد الايام التي قضتهم في راحة مع طعام السيدة أنيسة ورعايتها لها، لإظهار النضارة التي كانت مخفية خلف الهيئة الرجالية والشقاء في متابعة العمال تحت حرارة الشمس، جميلة هي، وياليتها تعلم بذلك عن حق: - ايه يا عم بكلمك، ساكت ليه؟ قالتها وهي قد وصلت لتقف أمامه لاهثة، فخرج صوته بالرد: - كنت مستنيكي تقربي عشان اقولك، ايه الحلاوة دي؟ هل ما سمعته من غزل كان حقيقيًا؟ أم انها كانت تتوهم؟ لا تعلم، ولكنه أربكها لتتمتم بخجل وعينيها تتهرب منه: - حلاوة ايه بس يا بشمهندس؟ ربنا يجبر بخاطرك. ردد خلفها بقصد: - يارب، وادعيلي كمان انول اللي في بالي. قطبت في البداية باستغراب ولكنها استجابت لطلبه مرددة خلفه: - يارب يا سيدي تنول إلي في بالك، المهم بقى انا كنت سألت عليك عبد الرحيم، وقالي ان لسة عندك ملاحظات على المبنى، وعايزها تتنفذ قبل ما تستلم، ايه بقى؟ هي ايه الملاحظات دي اللي انت مصمم تقولهالي بنفسك. كانت مندمجة في استرسالها، غافلة عن شروده في النظر إليها بدون تركيز، وقد اشتاق إليها وإلى حديثها، حتى جديتها الصارمة في العمل، تعقد خطي الوسط بين حاجبيها المعبرة عن اندهاش لأمر ما أو حتى غضب ، اشراق وجهها حينما تردف بحماس عن موضوع يخصها، ياالله، هل يصلها ما يشعر به، أم تكون غفوة التي استيقظت منها حديثها، اثرت على قلبها وحاسة الإحساس أيضًا. - انت سرحان وانا بكلمك؟ قالتها باستدراك حينما طال صمته، سمع منها ليرد بابتسامة: - بقولك ايه، ما تسيبك من الشغل وقرفه، هي طارت يعني؟ - لما اسيبني من الشغل المطلوب، امال هنتكلم في ايه؟ قالتها لتجده يباغتها فجأة بأن ارتد سريعًا للخلف ، ليرفع ذراعه بعصا خشبية كان ممسكًا بها، وبضربة واحدة أوقع اعددًا مهولة من الثمر الطازج، لتجده افترش الأرض أسفلها وبدون ارداتها خرجت شهقتها بإجفال لتتبعها ضحكة مرحة مرددة: - يا نهار ابيض ايه ده؟ ايه اللي انت عملته ده؟ بزهو امتزج ببهجته المسيطرة الاَن على كل خلية بجسده، مع سماعه لضحكتها الشقية، بدون افتعال منها أو قصد ، قال وهو يدنو ليلتقط من على الأرض الثمار: - اقعدي يا برنسيسة وانا انقيلك زي المرة اللي فاتت. ضحكت لتجلس على الحجر الكبير كالمرة السابقة كما قال، لتردد: - برنسيسة كمان، يا اخويا ما انا قولتلك، ربنا بجبر بخاطرك. رد يجيبها: - وانا برضوا بقولك كمليها، وقولي ربنا يناولني اللي في بالي . - يا سيدي ربنا يناولك اللي في بالك. قالتها ضاحكة ليتمتم من قلبه: - يااارب ❈❈-❈ بعد أن انهت زيارتها لشقيقها فخرجت من المبنى إلى السيارة التي تقلها بالسائق والحارس الذي فتح لها الباب لكي تدلف سريعًا داخلها، وفور أن تحرك السائق يدير المحرك ليلتف بالسيارة حتى تفاجأت باهتزاز الهاتف بصوت رسالة واردة، فتحت لتفاجأ بصاحب الرقم المجهول يخبرها: - (( حلو اوي الطقم الجديد ده، لون التيشيرت الكموني وهو لازق على....... عليكي، فوق البنطلون اللي عامل وكأنه جلد تاني، الرحمة شوية بقى بمتابعينك، حرااام، حرام اللي بتعمليه فينا ده يا جميلة الجميلات )) قرأتها ليزحف الزعز بجسدها، لتلتف برأسها يمينًا ويسارًا وإلى الأمام وفي الخلف من خلال زجاج السيارة، متوسعة العينان بجزع، كي تبحث عن هذا الملعون، كيف يراقبها بهذا القرب، وهي لا تراه؟ لما يترصدها بهذا الشكل المزعج، هل هو إعجاب حقًا؟ لا ، أبدًا لم ترى أو تسمع عن معجب بهذه الصورة نحو إحدى الفنانات إلا إن كان مهوسًا. - يا نهار اسود. غمغمت بها بصوت وصل إلى سائقها؛ والذي انتبه على هيئتها من خلال مراَته الأمامية، ليخاطبها سائلًا بقلق: - في حاجة يا هانم؟ ولا تكوني عايزانا نلف ونرجع تاني؟ اضاف على قوله الحارس ايضًا: - اه صحيح مالك يا هانم؟ باضطراب مكشوف ومقلتيها لا تثبت على حال، خرج صوتها المرتعش: - ممش عارفة، بس انا جاني احساس ان في حد هيدخل فينا بعربيته، أكيد بيتهيألي، ولا إيه؟ قطب الرجل العجوز حاجبيه ليرد باستغراب: - لا يا هانم، مفيش حد زنق ولا قرب حتى بعرببته مننا. بصوت منفعل بحمائية اضاف على قوله الحارس: - ولا حد يقدر يا هانم، دا احنا نساويه بالأرض لو عملها. بأنفاس لاهثة من الرعب، تطلعت بالحارس الذي يخاطبها ليبث بقلبها الأمان، رغم عدم علمه بالسبب الحقيقي لخوفها، لتجيبه بامتنان لفعله؛ - شكرا يا حامد، الف شكر . ❈❈-❈ - عدي باشا، حمد الله ع السلامة يا كبير. هتف بها كارم، بعد ان اقتحم الغرفة على شريكه العائد من سفرة عمل خارج البلاد استمرت لأيام. انتفض الاخر واقفًا يتقبل العناق الرجولي بترحاب: - الله يسلمك يا عم كارم، عامل ايه انت بقى؟ رد كارم وهو يتركه ليجلس على المقعد المقابل لمكتب الاَخر: - انا كويس يا باشا، انت بقى قولي ايه اخبارك؟ احكيلي عن اليونان وستات اليونان، عملت ايه معاهم هناك؟ ختم بضحكة مجلجلة استجاب على اثرها الاَخر يبادله المزاح: - خلاص، انت دماغك مبقاش فيها غير النسوان والتفكير في النسوان، طب افتكر اني رايح في مهمة عمل، اسألني عملت ايه في العقود الجديدة مع العملاء. امتعض وجه الاَخر بقرف يقول: - وهو الشغل طار يعني؟ ما انا عارف بإنجازاتك في الشغل وبتوصلني الأخبار أول بأول، المهم يا شقي انجازاتك مع الجنس الناعم، دا الأهم . دوى عدي بضحكة رجولية حتى مالت رأسه للخلف يردد: - مفيش فايدة فيك انت يا كارم، مفيش فايدة، اخلاقك انحرفت اوي من ساعة ما سيبت جاسر الريان، يا راجل دا انت كنت ماشية زي الساعة معاه. - كنت ماشي يا زي الساعة، بس برضوا كنت بعمل اللي على مزاجي، انا عمري ما حد قدر يوقفني عن حاجة عايزها. وكأن كلماته جاءت على جرح الاَخر، تغضن وجهه وذهب عنه المرح ليقول بعبوس: - انا بقى الحاجة اللي عايزها مش قادر اوصلها، نفسي بجد الاقي الطريقة عشان اتكلم بثقة زيك كدة. قلب كارم مقلتيه بسأم، وقد فهم مقصد الاَخر، فقال مستنكرًا: - تاني يا عدي، تاني برضوا حكاية البنت دي، يا حبيب قلبي شيلها من دماغك، انا مش فاهمك صراحة، بتلف وتدور حاولين نفسك ليه؟ خش دوغري مع البت دي وخلص، واللي ما يجيش بالفلوس يجي بالضغط، ان شالله حتى تقطع عيشها من الفندق خالص، واهي تبقى عملت جميلة. - ارجوك يا كارم متقولش كدة، دي غلطتي ان بتكلم معاك يعني هتف بها عدي باستهجان وعدم تقبل لفكرة البعد من الأساس، فصاح الاخر: - أمال عايزني اقول ايه بس؟ انا بجيبلك من الاَخر، اقطع عرق وسيح دم، انت باشا كبير، وهي شرف ليها انك بصيت لها من الأساس، حطها دي قاعدة في مخك. صمت محدقًا به، يعيد برأسه الكلمات يستوعبها، وقد راقه فكرة الحصول على ما يبتغيه، ان لم يكن بالمال ، يكن بالضغط، ولكن تبقى الطريقة، الطريقة في تنفيذ ذلك، وقد مر وانتهى عهد الحلم والصبر . ❈❈-❈ - يا صبا ، يا صبا، ما تردي بقى يا زفتة انتي، انا هفضل احايل فيكي يعني لحد امتى؟ قالتها مودة وهي تتبعها من موقع إلى آخر داخل حديقة الفندق، وقت استراحة الموظفين، لتلتف أخيرًا لها بنظرة صامتة كعادة اتخذتها منذ أيام، من وقت انتهاء حفل عيد الميلاد البائس، وجلستها مع عدي عزام، فذكائها الحاد جعلها تستنتج تعمد تأخرهن عليها، ورغم الأيمان الغليظة التي حلفت بها مودة لتثبت عكس فكرتها، إلا أنها لم تتهاون معها، أما ميرنا فقد تركتها دون عتاب ودون لوم، واكتفت بتجاهلها وذلك لظنها الأكيد بها. - هتفضلي بصالي كدة كتير؟ طب وربنا حرام عليكي، عشان انا قربت ابوس على رجلك تسامحيني على ذنب معملتوش وانتي برضوا مفيش فايدة - يعني عايزني اعمل ايه؟ هتفت بها صبا بوجه صارم، لتتابع بحزم: - أحلفي زي ما انتي عايزه يا مودة، برضوا مش هعفيكي من الذنب، ما هو مش معقول يعني، حركة كب العصير المكشوفة ولا التأخير المقصود عشان تسيبوني لوحدي مع عدي عزام، وانتوا اساسًا جايبني مقصود في مطعمه، دا كله صدف! طب اعقلها ازاي؟ فهميني . مودة والتي تغضنت ملامحها باسف حتى أشفقت عليها، خرج صوتها ببحة حزينة: - انا بصراحة تعبت يا صبا من التبرير والحلفان اني معرف اي حاجة م اللي انتي بتقوليها دي، بس انتي مصممة تشيليني ذنب، وانا ربنا وحده اللي عالم بيا، دا انا فضلت محبوسة في الحمام ببلوزة من غير جيبة يجي اكتر من نص ساعة، بعد الدقايق والثواني في انتظار الجيبة، حاطة ايدي على قلبي لحد يفتح باب الحمام ويكشف ستري، وظنون في عقلي بتدور، ليكون دا مقلب معمول فيا، طبعا انتي كل الحاجات دي مفكرتيش فيها، عشان كل اللي هامك هو نفسك - انا برضوا يا مودة، كل همي هو نفسي! قالتها صبا باستهجان وقد رق قلبها إليها، يبدوا انها زادت بالقرص عليها، هي تعلم ببرائتها منذ البداية، ولكن لا تعفيها من الذنب لسذاجتها المفرطة مع واحدة مثل ميرنا، لقد تأكدت بفطنتها بسوء نية هذه المرأة ولذلك لن تترك صديقتها لها، وردها العنيف جاء من أجل ذلك. - بقولك ايه يا مودة، اسمعي مني كويس اللي هقوله، لو عايزة صداقتنا تستمر يا بنت الناس، ابعدي عن الست دي، أنا مش بفرض عليكي تسيبيها بتسلط مني، انا بتكلم عشان مصلحتك، الست دي مريبة وانا قلبي مش مستريح لها، لو انتي شايفة غير كدة، انتي حرة. بهتت مودة وتجمدت بملامح مخطوفة ازعجت صبا، لتردف بترجي وكأنها تدافع عن فرصة جيدة لها: - يا صبا هو انتي ليه معقداها كدة؟ يعني حتى لو كانت زي ما بتقولي عنها، هي برضوا عملت ايه؟ دي قعدتنا مع عدي عزام، يعني عندها معارف وممكن تفتح لنا أبواب منحلمش بيها..... - يخرب بيتك. هتفت بها صبا مقاطعة بحدة، وعصبية جعلت وجهها يصطبغ بحمرة احتقان وغيظ، لا تصدق غباء ما تردف به، هذه الفتاة أصبحت كعلة فوق ظهرها، مؤلمة بحمل همها الثقيل في حمايتها من نفسها، تود نزعها وتركها وشأنها، ولكن ضميرها يمنعها من ذلك. زفرت بعنف لتسحب شهيقًا مطولا، عله يساعد في تهدئتها قليلًا، ثم خرج صوتها بحزم لهجتها الجنوبية، وقد تلبستها روح أبو ليلة والدها: - بجولك ايه يا مودة، الله يرضى عنك يعني، ياريت يا بت الناس، تفكري كويس وتوزني الأمور، ما تخليش عجلك التخين ده، يشطح بخيالات تودي في داهية، وافتكري كويس يا حبيبتي، ان المعارف اللي زي دي والابواب اللي نفسك تتفتح جدامك دي، لازملها تمن يدفع، مفيش باب بيتفتح من غير تمن يا ست مودة، ياريت تفهمي الكلام ده كويس. قالتها وتحركت مغادرة على الفور، تاركتها تتطلع في أثرها بانشداه، متسائلة: - هل ما تقصده صبا صحيح؟ أم هو الاحتراس المبالغ فيه، نظرا لطبيعتها الصعيدية المتحفظة لدرجة القسوة. ❈❈-❈ بتجهم غريب عن طبيعتها، ولجت صبا عائدة لمقر عملها بالقسم الذي تعمل به مع شادي؛ والذي رفع رأسه عما كان يعمل به، يتبعها حتى جلست لتتسمر بجمود وعينيها توقفت في نقطة ما في الفراغ، لتشرد بها وكأنها تحمل هم ق\ضية في مجلس الأمن. - مالك يا صبا؟ سألها لتنتبه إليه وتناظره صامتة لحظات قبل أن تجيبه بتنهيدة، وهزة خفيفة برأسها: - لا مفيش حاجة، متشغلش نفسك انت. - مشغلش نفسي ازاي يعني؟ هو انت مش شايفة خلقتك مقلوبة ازاي؟ حد زعلك يا صبا؟ ولا ضايقك بكلمة؟ قولي. قالها غاضبًا بحمائية، جعلت ثغرها يفتر بابتسامة لفعله الدائم في رعايتها والدفاع عنها دائمًا، منذ أن استلمت وظيفتها بقسمه، وكأنها أصبحت من ضمن مسؤلياته، كرحمة شقيقته ووالدته، لذلك هي لم تعترض ولو مرة واحدة على تسلطه احيانا معها، وفرض رأيه، وتدخله المبالغ به في شئونها، مع علمها بصدق نيته، وقالت بملامح مرتخية قليلًا عما سبق: - محدش زعلني والحمد لله، انا بس.... مضايجة كدة يعني، من موقف حصل معايا مع واحدة عزيزة عليا، ويهمني أمرها. بفراسة وسرعة بديهة، فاجئها شادي برده: - مودة صح؟ همت لتنفي، ولكنه قطع عليها متابعًا: - ما تحاوليش تكدبي، انا اصلا عرفت الاجابة من قبل ما تقولي، ثم يعني بالعقل كدة، هي اقرب واحدة ليكي في الفندق، ولا يكون التانية! طالعته باستفهام مرددة: - تانية مين؟ - ميرنا مثلا. قالها بخبث لتعترض على الفور بغضب مرددة: - ميرنا دا إيه؟ دي لا صاحبتي ولا اعرفها اساسًا، دي مجرد واحدة زميلة ليا، معرفتي بيها مزيدتش عن صباح الخير يا جاري، انت في حالك وانا في حالي. - ازاي بقى؟ دا انتي حضرتي عيد ميلادها؟ جادلها بمكر حتى يصل لهدفه، فكان ردها بعنف مستنكرة: - هو يوم وكانت غلطة اساسًا، او بمعنى أصح، كانت ليلة وعدت على كدة، لكن عمرها ما هتبقى صاحبتي. قالتها وانتظرت منه رد ولكن ظل صامتُا، يربكها بتحديقه بها قبل ان يتكلم اخيرًا: - على فكرة يا صبا، انا كان ممكن امنعك عن الحفلة، خصوصًا بعد ما عرفت باسم المطعم اللي عزماكم فيه، دا سبع نجوم، يعني مش أي حد يدخله، انا سيبتك تروحي معاها وتقرري انتي بعد كدة من نفسك، واحدة زي دي، تجيب منين المبلغ الخيالي لفاتورة عزومة وعيد ميلاد في حتة زي؟ وانتي بتقولي يتيمة وملهاش حد كمان، دا ربنا عرفوه بالعقل. اطرقت رأسها بفعل اظهر تفهما لكلماته، فقال متابعًا: - انا مش هسألك يا صبا، ايه اللي مضايقك منها ومن مودة وخلاكي تقلبي عليهم كدة مباشرة بعد الحفلة، اللي الظاهر ان كان ليها دور جامد في انها تغيرك طول الأيام اللي فاتت. - ليه مش هتسألني؟ - عشان واثق فيكي. تلفظ بها كجملة عابرة، ثم عاد لعمله على الحاسوب، غافلًا عن وقع الكلمات عليها، وقد ظلت لمدة من الوقت تحدق به وكأنها تكتشفه من جديد، أن تجد الأنثى رجلا يقدرها شيء جميل، ولكن أن يعطيها ثقته الكاملة وبلا حدود، هذا أكبر من كل شيء، حتى لو كان ما يجمعهم لم يتعدى بعد الجيرة أو زمالة العمل. ❈❈-❈ - ودي ايه اللي جابها هنا؟ تمتمت بها ميرنا، بعد أن وجدت مودة اخير وقد بحثت عنها في كل الأماكن التي تتواجد بها، أو حتى المكلفة بالعمل داخلها، لتفاجأ بها الاَن هنا، جالسة على عتبة السلم الخلفي لمبنى العاملات بشرود، مريحة خدها على قبضتها المستندة بها على ركبتها، اقتربت لتشاكسها رغم اندهاشها من هذه الحالة التي تبدو عليها: - زرعتيها منجة وطلعت ملوخية. انتبهت إليها مودة لتعتدل بجلستها، غير مستجيبة للدعابة، مما زاد من اندهاش الأخرى: - ايه يا ست مودة، حتى الضحكة مقدراش تردي بيها، هو انتي زعلانة مني يا بت ولا إيه؟ بصوت متردد ردت مودة وهي تتهرب من النظر إليها: - لا طبعًا يا ميرنا، مين اللي قال الكلام ده؟ نصف شهقة خرجت منها وقد تبدلت ملامح المرح إلى اخرى عابسة مستنكرة تقول: - افعالك يا حبيبتي هي اللي قالت، واخدة جمب مني ليه يا مودة؟ اللي حصل يا عنيا عشان وشك يتغير كدة، وعينك تهرب من عيني؟ بكذب مكشوف حاولت مودة الإنكار: - مبقولك مفيش حاجة حصلت، انا بس مضايقة حبتين وقولت استفرد بنفسي. ختمت تتلاعب في جيبتها، تتجنب المواجهة معها، وضيقت ميرنا عينيها، لتطالعها بتفكير عميق، هذه ليست مودة التي تعرفها، مودة التي نتقرب منها، ويشرق وجهها بالانبهار على أقل فعل تفعله لها، وهذا معناه أن مودة أصبحت تتسرب من بين يديها، بضربة عنيفة بكفها على قاعدة الحائط المجاور لمودة، هتفت وراسها دنت واقتربت من رأس الأخرى: - هي صبا قالتلك ايه بالظبط عني؟ أجفلت مودة شاهقة بخضة لتردد باضطراب وفزع: - ايه في ايه يا ميرنا خضتيني؟ مالها صبا ؟ وايه اللي جاب سيرتها اساسًا؟ بملامح تنضح بالشراسة، رددت ميرنا خلفها بعدم تصديق: - ايه جاب سيرتها؟.... بتدافعي عنها يا مودة، وهي سايباكي زي الكلبة تراضي فيها بقالك ايام، عشان بس سيبتيها كام دقيقة مع عدي باشا في المطعم، وروحتي تصلحي جيبتك، كنتي مشيتي معاها بهدومك المبلولة يا بت، طبعا عشان تبقي زي العبيطة وانتي ماشية معاها، وهي البرنسيسة اللي بتخطف عيون الرجالة. كلماتها السامة التي خرجت من عمق حقدها، لتفقدها ميزة التحكم المعتادة منها في مثل هذه المواقف، كانت من الغباء لتجعل مودة تنتبه لها ولفعلها، لتتغضن ملامحها على الفور أمامها، باحتقان جعلها ترفع الحرج عنها في الرد بقوة وهي تنهض عن جلستها بحدة: - عندك حق، هي فعلا بتمشي زي البرنسيسة وانا بمشي جمبها زي الخدامة، بس برضوا بحبها، عشان هي بتحبني من قلبها وبتخاف عليا وعلى مصلحتي، بتشخت فيا وتزعقلي، بس عمرها ما جرحتني. قالتها وتحركت مغادرة بدون استئذان، لتتركها تتفتت من الغيظ، ونار بغليل تحرقها، لتدب على الأرض بقدميها، قبل أن تتناول هاتفها وتتصل بالرقم المعروف، تخاطبه بانفعال: - الوو.... أيوة باشا، معلش بقى اعذرني، عشان انا فاض بيا من الموضوع ده وتعبت.......... اقولك يا باشا موضوع ايه، البت مودة اللي انت عارفها، اه. خرج منها تأوه مفاجيء وهي تجلس على نفس الدرجة التي كانت جالسة عليها الأخرى، تزحزحت قليلًا لتجد السبب، وهو عبوة عطر فاخرة، من ماركة عالمية، لا يملكها سوى المحظوظين من الأغنياء، ورأتها هي قبل ذلك في الأجنحة الفاخرة بالفندق هنا، نثرت قليلًا منها في الهواء لتتنشق رائحتها بابتسامة منتشية جعلتها تنسي الطرف الاَخر على الهاتف، حتى هتف بها صائحًا بصوت عالي جعلها تعود إليه. - ايوة يا باشا انا معاك اهو............ اه انت عايزني اكمل اللي بقوله، لا خلاص يا باشا، متشلش هم بقى، أنا لقيت الحل! قالت الاخيرة بابتسامة متوسعة، وقد فكرت سريعا واتخذت القرار! ❈❈-❈ على مائدة السفرة التي أوشكت على الإنتهاء منها، هتفت مجيدة على ابنها بصوتها العالي وهي تتخذ مكانها على المقعد الخاص بها: - يالا بقى يا حضرة الظابط، خلص يا خويا، انا ما صدقت خلصت، لو برد الأكل مليش دعوة......... اخلص يا واد. خرج إليها أمين من غرفته يردد خلفها ساخرًا - اخلص يا واد، وبتزعقي فيها كمان بعلو صوتك عشان العمارة كلها تسمع، هو انتي ليه يا أمي مصممة تضيعي هيبتي وقيمتي قدام الناس؟ - عشان انت اساسًا ملكاش قيمة يا حبيبي، امشي يا واد هات طبق الخضرة من فوق الرخامة جوا. قالتها مجيدة غير مبالية بتجمد ابنها الذي كان يتصنع البوس، لتتابع بصيحة: - اخلص يا واد اتحرك، هو انت هتفضل واقف كدة اليوم كله. انتفض أمين مذعنًا لأمرها ليعدوا نحو المطبخ سريعًا يتمتم بصوت عالي: - ست جبارة حقيقي، ربنا ع المفتري. غمغمت خلفه بعدم اكتراث - ايوة يا اخويا مفترية، ما انتو صنف نمرود مينفعش معاكم غير كدة دوت ضحكة عالية من جهة أخرى، وقد كان ابنها الاَخر يدلف لداخل المنزل عائدًا من عمله يردد: - الله الله يا ست الكل، دا ايه الغل والتسلط دا كله، دا حتى عيالك غلابة. قال امين خلفه وهو يضغ مجموعة من اوراق الجرجير يتسلى بتناولها قبل أن يصل وينضم معها: - قولها يا حسن يا خويا، قولها، دا بدل ما تطبطب عليا وانا راجل بيطلع عيني م اللي بشوفه من المجرمين والسوابق، وتدوقني حنان الأم. بابتسامة صفراء تجعدت ملامحها بامتعاض تقارعه رغم انشغالها بتناول الطعام: - خلاص بطلنا يا حبيبي، عايز حنان روح عند ام حنان . قالتها وانطلقت الضحكات المرحة من الشقيقين بصوت عالي، حتى قبلها حسن فوق راسها قائلًا: - عليا النعمة انتي ست عسل، ربنا يخليكي لينا يارب. قالها وهم أن يتحرك ولكنها أوقفته بقولها: - استنى هنا رايح فين؟ - رايح اغير هدومي، عشان اجي اَكل معاكم انا كمان. - طب استنى انا عايزاك. - عايزانى في إيه؟ سألها باستغراب، مع شقيقه الذي انتبه هو الاَخر ليتوقف عن الطعام يتابعها وهي تقول: - الكلام ده ليكم انتو الاتنين، تعملوا حسابكم على مبلغ محترم، انا عاملة عزومة بكرة، وعايزة اعمل حسابي من دلوقتي. سألها أمين باستفهام: - عزومة ايه يا ماما ولمين؟ - عزومة لشهد بمناسبة ان ربنا عفى عنها وقامت بالسلامة، وهجيب معاها اختها رؤى. - ينصر دينك. خرجت من حسن على الفور مهللا، لتستطرد هي بنظرها نحو شقيقه: - ومعاها لينا ووالدتها. سمع منها امين ليهتف معترضًا: - ودي ان شاء الله هتعزميها بمناسبة إيه؟ لتهزيقها لابنك؟ ولا عشان بتخانق دبان وشها كل ما تشوفه؟ كتمت مجيدة ابتسامة متسلية لتزيد من غيظه بقولها: - وانت مالك يا بارد، واحدة عازمة صاحبتها وبنت صاحبتها، ايه دخلك؟ انت عليك تطلع الفلوس وبس. بكف يده ضرب على سطح المائدة باعتراض وهو ينهض عنها مغادرًا: - يبقى تنقي وقت مكنش انا فيه، عشان لو شوفتها هسيب البيت وامشي. - تمام، بس اياك تحط ايدك على أي صنف من الحلويات اللي هتجيبها والدتها: هتفت بها من خلف ظهره ليلتف إليها على الفور قائلًا متراجعًا عن حدته: - ليه؟ هي الست أنيسة قالتلك انها هتجيب حلويات معاها؟ بابتسامة منتصرة ردت مجيدة: - طبعًا يا حبيبي، دا اتفاق ما بينا، انا عليا الأكل وهي عليها الحلويات. .... الفصل الثاني والعشرون بوجه مشرق وهيئة تخطف النظر إليها كالعادة، ظهرت اخيرًا، تدلف من مدخل الفندق مع هذه الفتاة صاحبتها، بالابتسامة الرزينة تبادلها الحديث في أمر ما كانت مندمجة فيه، حتى تفرقتا كل واحدة نحو قسمها، لتتخذ طريقها نحوه، في اتجاه الغرفة التي تعمل بها، هل هذا اشيتاق ام هو شيء أمر منه، لا يصدق انه يشعر بهذا الألم، لقد سافر واجبر نفسه على مصاحبة أجمل النساء في البلدة التي مكث فيها لعدة أيام، ومع ذلك لم تخرج من تفكيره ولو لدقيقة، حتى وجد نفسه يعود على الفور، ليقضي ليلة الأمس ساهرًا حتى الصباح وقد جفى النوم جفونه، ليجلس منذ السادسة هنا في انتظارها، ليُملي انظاره منها ومن جمالها الجاذب، بشخصية تختلف عن جميع النساء التي قابلها أو سمع عنها، عنيدة كالصخر، بشجاعة تنقص العديد من الرجال، لا يدري من أين ظهرت له؟ أما صبا والتي تفاجأت برؤيته، إكتنفها شعور غريب بالقلق فور أن وقعت عينيها عليه، وقد مرت ايام عديدة لغيابه منذ رفضها للعمل سكرتيرة في إحدى شركاته، فقد اختفى بعدها، ولم تراه، ولا تعلم ان كان سافر او التهى في باقي أعماله العديدة كما تسمع، ولكنها كانت تشعر بالراحة في غيابه، أما الاَن وقد عاد ليتخذ مقعده في نفس الركن القريب من طريقها، يحدق بها بهذا الشكل السافر، لا تتأمل خيرًا في القادم على الإطلاق، أبدًا. ❈❈-❈ لقد وجدها، وجدها اَخيرًا، في غرفة طفله، بعد بحثه عنها في غرفتها والأماكن التي تتواجد بها، جالسة على فراش الصغير تصفف له شعر رأسه الكستنائي الجميل، والمربية تقف بالقرب تتابعهم، تحمحم ليلفت النظر إليه من الثلاثة، قبل أن يشير إلى المرأة لتخرج، وجلس هو بجوارهم ، داعب شعر الطفل يقبله اولا ثم وجه الحديث إليها: - صحيت من النوم ملقتكيش يعني. بشبه ابتسامة رمقته سريعا لتجيبه، وفرشاة الشعر ما زالت تمررها على راس الطفل: - عادي يعني، صحيت بدري، قولت اجي البس عموري واعمله تسريحة تجنن عشان لما حد يسأله عنها في الحضانة، يقولهم مامي هي اللي عملتها، ولا ايه رايك يا قلب مامي؟ اومأ الطفل لها بابتسامة، لتميل عليه وتقبله من وجنتيه المكنتزين أمام زوجها الذي كان يطالعها رافعًا حاجبيه، وانتظر حتى انتهت وانصرف الولد ذاهبًا لحضانته، ليقول متهكمًا: - عمار باينه انبسط قوي من التسريحة، أكيد النهاردة هيبقى يوم مميز في تاريخه. سمعت لتضيق عينيها بغيظ قائلة: - مفيش داعي للتريقة على فكرة. ضحك يزيد عليها ببروده قائلًا: - أنا مبتريقش، انا بس مستغرب هرمونات الأمومة اللي هبت في يوم وليلة كدة. هتفت بحمائية وانفعال، فقد بالغ في استفزازها بقوله: - هرمونات! إنا مامة عمار حقيقي يا كارم، حتى لو مش لاقية الوقت الكافي اني اق\ضيه معاه، فدا برضوا ميدكيش الحق أنك تستهزأ. اصدر صوت طقطقة بفمه، ليداعبها بطرف سبابته ويخاطبها بهدوء: - ليه بس التنشنة والزعل، إهدي يا بيبي، دا انا بهزر معاكي. لف ذراعيه حول خصرها من الخلف يقربها إليه متابعًا: - يعني دا الحق عليا عشان قومت من نومي مشتاقلك، وفضلت ادور عليكي في الفيلا كلها واسأل الخدم لحد ما عرفت انك هنا. مرر بشفتيه على جيدها المكشوف من فتحة بلوزتها الواسعة، وعلى رقبتها أيضًا يقبلها، حتى همس بجوار أذنها بإغواء: - ايه يا قلبي؟ هو انا موحشتكيش؟ ولا انتي مش ملاحظة ان احنا بعاد عن بعضنا بقالنا ايام؟ حاولت فك تشنجها لتغتصب استجابة معه، وذهنها تدور به الأفكار بحيرة فتتسائل، كيف له أن يكون بهذه الحرارة معها، ويخونها مع امرأة أخرى؟ كيف لها أن تصدق كلمات العشق التي يلقيها على مسامعها، وذهنها مع المرأة التي خانها معها؟ ومن أين لها الإندهاش أو الحيرة؟ وهي لم تكن الاولى له، بل هو معتاد على ذلك من قبل حتى معرفته بها بزمن، تذكرت كلمات شقيقها ليتحفز عقلها في الاستفادة بأكبر قدر منه في الجانب الوحيد المتبقي لها، وهو المال أنتزعت نفسها عنه فجأة ليناظرها باستغراب، فخرج صوتها بارتباك: - اا بصراحة افتكرت دلوقتي ميعاد عيد ميلادي اللي قرب، نفسي تبقى هديتك ليا اكبر من كل السنين اللي فاتت، انا عايزة مصر كلها تحسدني عليها. ضيق عينيه باستفهام متسائلًا بعصبية: - يعني عايزة ايه؟ جيبي م الاخر: - عايزة يخت زي بتاع الممثلة اياها، ويتعمل فيديو وانتي بتقدمهولي وانزله على حسابي والمتابعين يشيروه في كل حتة. تبسم يوزن بعقله طلبها الجنوني، وقد راقه العرض، يضحك عليها به وبنفس الوقت تكن دعاية هائلة له، حتى ينتشر اسمه كرجل أعمال ناشيء يقدم هكذا هدايا لزوجته، فيصبح الحديث عنه علكة في الأفواه، صغيرته الجشعة، من أين تأتي بهذه الأفكار؟ اومأ بضحكة متوسعة يجيبها: - وهعزم في الحفلة اجمد رجال الأعمال في مصر كمان، ايه رأيك؟ هللت بمرح لتلف ذراعيها حول رقبته تبادله بلهفة مصطنعة جموح قبلاته البرية، لتشعل جنونه بها، فيزيد بضمها، ويده تزداد جرأة عليها، حتى إذا وصل إلى نقطة الا عودة، ابتعدت فجأة، ليطالعها لاهثًا بأعين توحشت بالرغبة، فقالت بدلال وقد قررت تعظيم استفادتها منه: - حاجة تاني كمان، بس ياريت وحياتي عندك متكسفنيش. لم يثنيها تجهم وجهه واشتعال عينيه، وقد بدا أنه على حافة الأنقلاب للوجه الاَخر، فزادت على نعومتها بأن أراحت كفها على صدره، لتتمتم بالرجاء، وضعف الأنثى التي تصل إلى مبتغاها بحنكتها: - عايزة ابني النهاردة يبقى معايا يا كارم، ارجوك يا قلبي ، تخلي مشوار مامتك ليوم تاني، انا زهقانة من كل حاجة، وعايزة العب مع الولد شوية، ممكن. ❈❈-❈ بداخل غرفتها وهي تتناول شيئًا من خزانة الملابس لترتديه من أجل المقابلة الثقيلة على قلبها، لكنها مضطرة لها، واليد الأخرى تمسك بالهاتف على أذنها تتحدث به: - يا ست مجيدة، الأمر دا كان واجب عليا أنا مش عليكي....... تشكري يا ستي، والله ما انا عارفة اودي جمايلك عليا انتي والست أنيسة فين؟........ حاضر حاضر مش هقول كدة.... عيوني هجيبها معايا، ماشي...... انهت المكالمة لتزرر أكمام القميص الذي ارتدته سريعًا ثم لمت شعر رأسها كذيل حصان، لتسحب شهيقًا مطولًا، ثم أخرجته، قبل أن تتحرك مستعينة بالله، في ضبط أعصابها: - يارب عيني وقويني، خرجت منها قبل التحرك متجهة نحو الصالة؛ المنعقد بها الجلسة العائلية بقيادة عابد الورداني والذي ما أن رأها نهض عن كرسيه يتلقفها مهللًا: - بسم الله ماشاء الله عليكي يا ست البنات، حمد الله على سلامتك يا بنتي. اقتربت تصافحه بابتسامة مرحبة: - الله يسلمك يا عمي، تشكر ع السؤال. رد عابد وهو قابضًا على كفها، واليد الأخرى يتحدث بها بانفعال: - سؤال ايه بس يا بنتي دلوقتي؟ انا كان نفسي اجيلك ع المكان اللي كنتي فيه واعمل الواجب بحق، واسألي اختك كام مرة انبه عليها وهي تقولي مينفعش الزيارة، ما كنتي قعدتي بين أهلك وناسك أحسن. بابتسامة جانبية ساخرة خطفت نظرة بطرف عينيها نحو باقي الحاضرين، قبل أن تجيبه بمغزى: - معلش يا عمي، ما هو لما الأرض تضيق علينا، لازم الواحد يدور ع المكان اللي يستريح فيه، حتى لو كان المكان ده مش بيته، مكدبش عليك، اصل اللي اتضحلي دلوقتي، هو ان الغريب أحن اوي من اللي بنفتكرهم قرايب وفي بيت واحد واكلين معاهم عيش وملح، منورين. قالت الأخيرة بقصد واضح وصل لأمنية ووالدتها التي بلعت ريقها باضطراب، وكأن دلوًا من الماء البارد سقط عليها، لا تصدق هذا القصف المباشر من شهد أمام زوج أختها، ووالد خطيب ابنتها، لتتبادل النظر بحرج مع شقيقتها سميرة والدة ابراهيم والذي كان جالسًا في جانب وحده يراقب بتجهم مضيقًا عينيه. عابد والذي فهم عليها ليلقي بنظرة غاضبة نحوهن ونحو ولده ليقول بضيق: - معلش يا بنتي، خلي قلبك أبيض وسامحي، دي مصارين البطن بتتخانق. - دي لما يكونو من بطن وحدة يا عم عابد، اقعد اقعد. قالتها لتجلس بثقة أمامهم، وقد وضح مقصدها جليًا ليزيد من توتر الأجواء، فخرج صوت سميرة بابتسامة زائفة تخفي احتقانها بالداخل: - حمد الله ع السلامة يا شهد، الف بركة انك قومتي على رجليكي. - الله يسلمك. قالتها شهد مقتضبة بابتسامة صفراء لتلتف برأسها نحو الرجل دون أن تعيرها أدني اهتمام: - وانت عامل ايه بقى يا حج عابد؟ وايه أخبار صحتك. - سيبك مني ومن أخبار صحتي، انا جايلك النهاردة وكلي عشم تقبلي وساطتي، ابراهيم جاي برجليه لحد عندك عشان تتصالحوا، دا احنا حبايب ونسايب، ولا إيه؟ سمعت منه لتنقل بنظرها نحو الاَخير تخاطبه: - اهلا يا ابراهيم. - اهلا بيكي. قالها ليتابع بلهجة حادة: - أنا جايلك النهاردة عشان دي الأصول، ابويا قالي تعالى معايا يا ابراهيم نصالح شهد، قولت وماله يابا، دا انا راجل ومن الواجب عليا اني اكون رؤوف مع اهل خطيبتي اللي بحبها، وكل اللي يجي من ناحيتها، خصوصًا بعد ما عرفت انك تعبتي، اتخانقنا مع بعض، مين الغلطان بقى خلاص مش مهم ، أنا راجل قلبي أبيض بشبه ابتسامة ساخرة، تطلعت شهد نحو شقيقتها التي افتر فاهاها ببلاهة لحديثه، ثم التفت إليه قائلة: - كتر خيرك، ما انت بتفهم أوي في الأصول . استشاط غضبًا لتقريعها الغير مباشر، لتشتد ملامح وجهه، وعينيه تطلق شررًا نحوها، فتدخل عابد يقول ملطفًا: - ما انا قولتلك يا شهد، انا جايلك واسطة ما بينكم يا بنتي، دول شوية نكد، وبيحصل كتير ما بين القرايب. صدر صوت أمنية بغباء مدافعة: - ابراهيم معملش حاجة، مش كفاية انه جاي بنفسه يصالحها........ - أسكتي أمنية. هتف بها عابد مقاطعًا لها، ليحدجها بنظرة جعلت الخوف يشل أطرافها، التفت نحو إبراهيم تبتغي الدعم، ولكنه تجاهلها عن عمد، لتغلق فمها مضطرة بأعين دامعة شاعرة بالقهر، وتابع عابد بعدم اكتراث: - ها يا شهد هتقبلي واسطتي؟ بابتسامة اعتلت ملامحها ردت بثقة تجامل الرجل لتزيد من غيظ الاَخرين: - العفو يا عم عابد ، دا انا قابلة بالخطوبة نفسها عشان خاطرك، يبقى برضوا اكسفك في حاجة زي دي هلل عابد بامتنان: - حلاوتك وحلاوة لسانك اللي بينقط شهد يا شهد، انا بقول م الأول بت بميت راجل، الله يباركلك يا بنتي ويحرسك من كل شر، ويرحم ابوكي زين الرجال، يا خير ما خلف. ❈❈-❈ أثناء عمله الميداني داخل الفندق، تصادف بها تسير بأحد الأروقة وقد عرفها من ظهرها، بخطواته السريعة وصل إليها على الفور يسألها: - انتي جاية منين يا صبا؟ أجفلت لتكتم شهقتها قائلة بضحكة مكتومة: - إنت كنت فين؟ وطلعت إمتى؟ تبسم باتساع لفعلها العفوي يقول: - انا في كل حتى ممكن تلاقيني في الفندق، عملي متشعب ما انتي عارفة، المهم انتي كنتي فين؟ تحركت لتتابع سيرها وهو تحرك معاها، قبل أن تجيبه: - أصلي كنت في المطبخ عند الشيف منصور. - وروحتي المطبخ ليه بقى يا صبا عشان تقابلي الشيف منصور؟ سألها بحدة انتبهت إليها، ولكنها تغاضت لترد بلهجة هادئة، ولكن بحرج: - بصراحة روحت اخد منه وصفة لأكلة نفسي اعملها، وخليته يجولي الطريجة، عشان كل مرة بتبوظ مني. أثارت فضوله ليسألها باهتمام: - أكلة ايه دي؟ مش انتي بتقولي ملكيش في المطبخ؟ بدلال فطري بطبيعتها الناعمة والخاصة في كل شيء، ردت تزيد من عذابه في القرب منها: - ما انا بجيت ادخل دلوكت واحاول، بس بصراحة دايما بفشل، جولت لما اكلم الشيف يمكن يفيدني بشوية نصايح مع الوصفة اللي طلبتها منه. - وفادك؟ سألها فردت: - فادني طبعًا دا انا خدت ورجة وجلم، وفضلت اكتب كل كلمة من وراه وعبيت في النوتة كذا صفحة، وهو جالي تعالي كل يوم وانا هرد عليكي حتى لو شغال. - متروحيش تاني قالها بحدة وبدون تفكير ، لتجادله معترضة: - وليه بجى مروحش؟ فاجئته برفضها، وسؤالها المباغت له، فبماذا يرد؟ أيبرر بأسباب يخترعها من عقله؟ أم ايخبرها بالحقيقة، والنار التي تحرقه لمجرد ذكر إعجابها برجل غيره حتى لو كان بقامة وعمر الشيف منصور، فقال بمهادنة" - يا صبا افهمي، الشيف منصور راجل جميل وزوق مع الناس كلها، وعمره ما يكسف حد، بس دا مش معناه اننا نستغل كرمه ونلهيه عن شغله، ثم تعالي هنا، هو المطبخ دا كان فاضي ولا كان مليان بمئات العمال والطباخين المساعدين. خرجت الأخيرة بانفعال لم يستطع السيطرة عليه، فتلعثمت هي ترد بخجل: - هو فعلا كان مشغول جدا، بس عجبني اهتمامه رغم كدة، بس خلاص بقى مش مهم، هبجى اكلمه ع الوتس . - انتي خدتي كمان نمرته؟ هتف بها بعصبية جعلت صوته يعلو في قلب الرواق المؤدي لغرفة عمله، وردت هي: - أيوة طبعًا وفيها ايه؟ دا نمرته مشهورة ومعروفة اساسًا، بس هو جالي، انا هرد على أي سؤال تبعتيه، ومش هتجاهل زي ما بعمل مع معظم المتابعين. - ألشيف منصور قالك كدة؟ قالها وقد توقف فجأة عن السير، وتوقفت هي أيضًا لتجيبه ببرائة، غافلة عن النيران التي كانت تسري بجسده، كحمم سائلة تحرقه: - ايوة طبعا وفيها ايه؟ دا راجل محترم وكويس جدًا. قالتها لتطالع الجمود الذي تلبسه، وقد تسمر أمامها دون حراك، انفاس صدره تعلو وتهبط بتسارع مقلق، في محاولة قاسية لضبط النفس، يحجم نفسه حتى لا يحتد أو ينفعل عليها في الرواق وأمام المارة، وكيف له أن يفعل؟ وسحر عينيها يفقده صوابه واتزانه: - مالك؟ ساكت ليه؟ سألته حينما طال انتظاره، ليعود إلى رشده يخاطبها بحزم: - أمشي يا صبا أمشي، أمشي عشان وقفتنا هنا اساسًا متنفعش. سمعت منه لتذعن لقوله بتفهم، كي تتحرك وتسبقه، فغمغم هو من خلفها: - ماشي يا شيف منصور، حسابك عليا . ❈❈-❈ في غرفة المعيشة وبعد انتهائهم من وجبة العشاء، على مائدة مجيدة التي كانت عامرة بكل ما لذ وطاب، ليأتي الدور الاَن على الحلو، بعدة اصناف صنعتها أنيسة مع طبق الفاكهة، وحديث بمودة صادقة لا يخلو من المزاح والعودة بالذكريات. - اهو انا بقى، مضحكتش كدة يا ست مجيدة بقالي زمن . - يا حبيبتي ربنا ما يفرق جمعتنا عن بعض، انا وانتي يا أنيسة كان لازم نلتقي مع بعض من زمان، بصراحة بقى قلبي حبك من أول ما شوفتك . - وانا كمان ربنا يديم المودة . قالتها أنيسة لتتدخل لينا بسؤالها الفضولي: طب انا من اول ما دخلت عندكم، وعيني وقعت ع بلكونة الصالة، وانا هتجنن واسألك، عن مشتل الزهور اللي ماليها، دا شكلهم يجنن. ضحكت مجيدة بمرح لتنهض فجأة قائلة لها: - تعالي معايا وانا اعرفك على جميع أنواعهم، دول ولادي اللي براعيهم بعنيا. تلقفت لينا الدعوة الكريمة بكل سرور لتنهض، فتدخلت رؤى بفعل طفولي: - طب وانا، ما انا كمان عايز اشوف الورد وانقي واحدة منه. جلجلت مجيدة ضاحكة، لتشير لها بيدها : - تعالي انتي كمان معانا، واحلى وردة لأحلى رؤى ذهبت رؤى لتلحق بهن، فلم يتبقى سوى حسن وشهد وأنيسة التي أمسكت بجهاز التحكم لتُقلب على قنوات الشاشة الكبيرة حتى وجدت أحد الافلام وادعت المشاهدة بتركيز: - ألله، الفيلم ده حلو اوي. استغل حسن ليقترب بجلسته نحو شهد ليأخذ فرصته اخيرًا في الإنفراد بها: - انا مبسوط اوي يا شهد انك قبلتي العزومة، لا يمكن تتصوري فرحتي بقعدتك كدة ع الكنبة جمبي وفي بيتنا دي تسوى عندي إيه. ابتسمت بخجل وقد أجفلها بقوله، وصدق ما يردف يبدو جليًا على ملامح وجهه الوسيم، فحاولت الرد بلهجة عادية، لتتجنب الإنزلاق معه في حديث بدأ يتخذ منحنى اَخر: - العفو يا بشمهندس، الكلام ده كان واجب عليا، لكن الست الوالدة بطيبة قلبها سبقت، بس ملحوقة، المرة الجاية عندي ان شاء الله وصله تجنبها الواضح لمقصده، فتبسم بضعف يتناول طبق الحلو يقول بإحباط بدأ ظاهرًا في نبرة الصوت: - وأنا في أي وقت هلبي الدعوة يا شهد، حتى لو العزومة حصلت بعد الشغل ما بينا ينتهي. - ربنا يبارك فيك. قالتها بحرج وابتسامة باهتة لتتناول طبقها هي الأخرى، تلهي نفسها بالتناول منه، قبل أن تنتبه على نداء مجيدة التي تركت الفتيات في الشرفة: - ممكن يا شهد، تيجي معايا عشان عايزاكي في كلمتين. ❈❈-❈ بعد أن انتهى دوام عملها، وبدلت ملابس العمل للعادية الأخرى فكانت في طريقها لمغادرة القسم الذي تعمل به، حتى تعود إلى منزلها، برفقة صديقتها وجارتها صبا. - إزيك يا مودة. قالتها ميرنا تفاجأها، وقد اعترضت طريقها توقفها، بأن تصدرت بجسدها أمامها، تمنعها عن مواصلة السير حدقت بها مودة بتوتر واستغراب لأمرها، قبل أن تجيبها بعد مدة من الوقت: - حمد لله يا ستي، كويسة، انتي بقى ايه أخبارك؟ - انا زعلانة على زعلك يا ستي، وحاسة نفسي حمارة اني لبخت معاكي في لحظة غضب وطلعت عن شعوري . استرسلت بهم مرة واحدة، لتجفل مودة التي كانت تنوي على صدها وقطع الصلة معها، وقد اقتنعت بكلمات صبا بعد شجارهم الاَخير، فقالت بحرج: - متقوليش كدة، عادي يعني، الخناق ده بيحصل دايما مع الزملا والأصحاب. - وانا بقى معتبراني زملا ولا أصحاب؟ تلعثمت تردد بأعين تهرب من المواجهة، أمام امرأة حددت طريقها، واتحذت منهجها الخاص بها، فلا تفعل حساب اصول أو اعراف أو حرام أو حلال، بل وتتحدث بثقة عكس من ضاعت بها الثقة لضعف شخصيتها، وترددها في اتخاذ القرارات الحاسمة: - اا أكيد صاحبتي يا ميرنا، دا انا أكلة في بيتك عيش وملح، وانا بنت أصول وافهم اوي في الحاجات دي. مالت برأسها لتقابل عينيها بخاصتيها، وتقبض على نظرتها الهاربة لتأسرها، فقالت بلهجة معاتبة يشوبها اللوم: - بس انا عمري ما اعتبرتك صاحبتي، بالعكس يا مودة، انا من اول ما اتعرفت عليكي وعرفت بظروفك اللي هي مقاربة لظروفي في حاجات كتير، اعتبرتك اختي، عمرك شوفتي اخت عايزة الضرر لاختها، حتى لو حصل سوء تفاهم أو خناق او حتى قطعوا هدوم بعض، برضوا بيرجعوا ويصفو وينسوا، انتي بقى ليه شايلة مني وعايزة تبعدي؟ شايفاني ست وحشة على كلام الست صبا اللي قررت من دماغها ونصبت نفسها حاكم عليا ، عشان ترميني بتهم باطلة، طب انتي شوفتي عليا حاجة بعينك ؟ ابتلعت ريقها باضطراب، فهذه المرأة تحاصرها بحنكة وخبرة تنقصها بسنوات ضوئية حتى تلحق بها، لتنفي بهز رأسها بتونر: - لأ بصراحة ما شوفتش حاجة. تبسمت بانتعاش وهي تفرد نفسها، لتخفف الحصار عنها، وقالت ملطفة بعض الشيء وهي تتلاعب بخصلات شعرها الحريري الغزير: - انا يمكن اكون شقية، ودي حاجة متعبنيش على فكرة، مش احسن ما ابقى خام، وساعتها أي حد ممكن يضحك عليا بكلمتين ويستغلني، ساعتها مين هيعوضني خسارتي بقى؟ وانا واحدة وحدانيه ومليش ضهر اتسند عليه، لا ليا أب يدلعني ويصرف عليا، ولا جار يشيل ويغطي عليا في الشغل. مقصدها الاَخير كان جليًا بقوة لتفهمه مودة ، فتطرق رأسها بحزن، وقد لامست كلمات الأخرى الجزء الموجع لها دائمًا، وهو الوحدة وغياب الأهل، وقلة الحظ أيضًا، فخرج صوتها بضعف: - ما خلاص يا ميرنا، هو انتي لازم تفكريني بوكستي. اخفت الأخيرة ابتهاجها، لترسم الجدية وقد وصلت لنقطة جيدة معها، فقالت بانفعال تدعيه: - افهمي بقى، هو انا لو قصدي اقلب عليكي المواجع، هقولك ان انا زيك؟ فكي كدة يا بت وبطلي، انا جاية اساسًا عشان اصالحك، رغم عتبي عليكي برضوا. ابتسمت مودة بضعف ودون رد، فتابعت بتحفيزها، يالا بقى خلينا في المهم، قبضتي مرتبك ولا لسة؟ هذه المرة اشرق وجهها بابتسامة حقيقية بفرح وحماس تجيبها: - ايوة قبضت، المرتب حلو اوي، وهقدر اجيب منه حاجات كتير. - الف مبروك يا ستي وتتهني بيهم قالتها ميرنا بابتسامة واسعة، لتردف: - لو لسة باقية ع الاتفاق، انا مستعدة من بكرة او النهاردة حتى، اتسوق معاكي واجيبلك كل اللي يليق عليكي ويخليكي قمر ❈❈-❈ توقف بسيارته، ليترجل منها عائدًا من عمله، بهيبة اكتسبها بحكم وظيفته وحسن أخلاقه قبلها، يسير برزانة، متخذًا طريقه نحو مدخل البناية التي يقطن بها مع عائلته وقد تأخر اليوم بدون قصد منه، وذلك لاجتماعه الهام مع رئيسه، لفت نظره فجأة بعض وجوه المارة وبعض الشباب الواقفين حتى حارس البناية، رؤسهم للأعلى في اتجاه شرفتهم، غلت الدماء برأسه، برؤيته للسبب المؤدي لذلك، وهذه المجنونة الشقراء، تتشمم حزمة من الورود بيدها، بانتشاء جعلها غير منتبهة لهذه الثورة بالأسفل، ومشهدها يبدو كلوحة فنية، ابدع في صنعها فنان مخضرم، زفر حانقًا ليتحمحم، فخرج صوته بزمجرة شرسة أجفلت الحارس ليخفض رأسه، ملوحُا له باحترام، فظل هو على نظرته الخطرة يحدج الرجل بها حتى تخطاه ليدلف داخل المبنى ويختفي داخل المصعد، فيلتقط الرجل أنفاسه اخيرًا، متمتمُا بالحمد انها مرت على خير. ❈❈-❈ فتح بمفتاحه ليلج داخل المنزل، وبخطواته الواسعة اتخذ طريقه نحو الشرفة، وبغضبه يقتحمها، لتشهق رؤى التي كانت جالسة على عقبيها تتأمل أحد الزهور النادرة، وقد فاجئها الظل الطويل لتجفل منتفضة حتى انكسر واحد اخر خلفها مع ارتدادها للخلف أسفل أقدام لينا، لتهتف بزعر: - يا نهار أبيض دا القصرية انكسرت. خرج صوت رؤى بارتعاش وقد اصابها الجزع لتسببها عن غير قصد في تحطم هذا الشيء الثمين: - أنا أسفة والله مكنتش اقصد. زفر أمين يجلس على عقبية ليلملم المكسور، وينقذ النبتة بزهورها مرددًا: - متتأسفيش يا رؤى، الغلط كان مني أنا . - غلط ايه؟ هتف بها حسن وقد أتى على صوت التهشيم بصحبة أنيسة التي ضمتها على الفور إليها، فتولت لينا الإجابة بانفعالها المعتاد: - الباشا طب علينا زي العفريت من غير احم ولا دستور ، خض البنت فوقعت القصرية وراها. - انتي تستكي خالص، عشان انتي السبب في كل اللي حصل. صدرت منه بعصبية وهو يضع النبتة بطينها داخل احد الاصايص الفارغة، فصاحت به معترضة: - وانا السبب ليه بقى ان شاء الله؟ - عشان وقفتك في البلكونة، لميتي علينا الشارع كله، بيتفرجوا ع الأجنبية الحلوة التي بتشم الورد ومستكنيصة بريحته، في بيت الظابط وآخوه المهندس. قالها سريعًا فلم ينتبه لما سقط منه في الوسط دون أن ينتبه بأنه غازلها دون أن يدري، اخفت أنيسة ابتسامتها، وخرج صوت لينا بارتباك رغم عنادها المعتاد: - انا مخدتش بالي م اللي انت بتقوله، بس حتى لو كان يعني، دا ميدكش الحق انك تخضنا كدة. تحرك فمه، بنية أن يرد، ولكن حسن كان الأسبق: - خلاص يا جماعة حصل خير، انسو كل حاجة،، يالا بقى نكمل قعدتنا ، تعالي انتي متخفيش. تفوه بالأخيرة نحو رؤى، ليقبلها بحنو أعلى رأسها مخففًا عنها، قبل ان تذهب مع أنيسة، وتلحق بهم لينا؛ التى رمقته بغيظ كعادتها، وهو لم يقصر في مبادلتها الفعل. حتى خلت الشرفة على الشقيقان ليحدجه حسن بقرف قائلًا: - روح شطف نفسك من الطين اللي بهدل هدومك، وتعالى حصلنا. اومأ برأسه ينفض كفيه سائلًا: - والدتك فين يعني مشوفتهاش، لا هي ولا شهد. - والدتي مختلية مع شهد في أؤضتها، خلص انت بس . قالها حسن واستدار ليغادر، ولكن الأخر أوقفه، بأن امسكه من يده ليسأله بفضول: - هي الست أنيسة جابت ايه النهاردة م الحلويات اللي بتعملها؟ نظر حسن ليده وطرف الكم الذي لوثه الاَخر بالطين ليصيح به ناهرًا بحنق: - يخرب بيتك . ❈❈-❈ وفي غرفتها، وقد كانت مختلية بها في حديث مشبع بالذكريات الجميلة، حتى أنهم لم ينتبهوا لكل ما حدث في الخارج. وقد كانت جالسة على طرف الفراش بجوارها، تضع الصندوق الخشبي بحجرها، وتخرج منه الأشياء الثمينة والتي لا تقدر بثمن في عرفها. - شايفة يا شهد، اهي دي بقى صورتنا في يوم الفرح، ودا المنديل بتاع كتب الكتاب. ضحكت شهد وهي تتأمل المنديل الأبيض بتطريزه القديم لتردد باندهاش: - يا نهار أبيض، دا ازاي فضل معاكي لحد دلوقتي؟ - المحافظة عليه يا حبيبتي، وعلى كل حاجة بحبها، دا أنا أي حاجة من ريحة الغالي، احفظها في عيوني مش بس في الصندوق. قالتها مجيدة باعتزاز جعل شهد تطالعها بتأثر، قبل أن تتنبه جيدا على الصورة القديمة، لتتمتم: - دا جوزك الله يرحمه فيه شبه كتير من حسن دلوقتي، وانتي كنتي امورة أوي وانتي صغيرة. - اه يا حبيبتي، كنت سفيفة ورفيعة، قبل ما الزمن يتدحدر بيا واخلف جوز الحلاليف ولادي ضحكت شهد من قلبها، والسبب خفة دم مجيدة، المرأة المتواضعة، والتي تتحدث بعفوية دون تفكير أو جهد في المزاح، ترفع الحواجز، بتباسطها دون تكلف، وكأن ما يجمعها معها هو العديد من السنوات، وليس شهور قليلة، فردت متغزلة : - بس انتي لساكي زي القمر برضوا، طب يارب انا لما اوصل سنك، أبقى في حلاوتك كدة. - هتبقي أحلى كمان، دا انتي قمر اساسًا يا شهودة. قالتها مجيدة وهي تخرج الصورة الأخرى، وقد كانت عائلية، تجمعها بزوجها وابنيها الاثنان، تطلعت بها شهد بتركيز، فهذه أول مرة ترى فيها صورة حسن وهو صغير، دغدغة جميلة شعرت بها، لينتابها فضول شديد لمعرفة المزيد عنه في هذه الفترة، هل كان شقيًا كبقية الأطفال؟ أم عاقلًا كشخصيته الاَن؟ ولكنه كان بريئًا بشدة، هذا ما تخبرها به هذه الملامح الدقيقة الوسيمة. استدركت أنها قد أطالت بتأملها، ومجيدة لم تُنبهها أو تقاطعها، بل كانت تحدق بها صامتة، فخرج صوتها بارتباك: - انتي ست جميلة وو عيلتك كمان جميلة زيك....... أكيد جوزك كان محظوظ بيكي. لم ترد بل ظلت تطالعها بصمت عدة لحظات، لتزيد من توترها، قبل أن تقول: - انتي عارفة يا شهد انا ليه ندهتك واستفردت بيكي بعيد عن الكل هنا في اؤضتي، عشان افرجك كمان ع الصور وصندوق الذكريات بتاعي؟ اهتزت رأسها بعدم فهم، فتابعت مجيدة: - أنا بعزك أوي يا شهد، ومن أول ما شوفتك وانا حاسة ان في صلة بتجمع ما بينا. - وانا كمان والله، ربنا يديم ما بينا المودة. قالتها شهد وقد وصل إليها المغزى العادي للحديث، غير هذا الذي تقصده مجيدة على الإطلاق، والتي جاء ردها بابتسامة قبل أن تباغتها بالقول: - ممكن اسألك سؤال يا شهد، بس امانة عليكي تجاوبيني بصراحة ومن غير تفكير ولا حسابات من دماغك، اصل بقى مكدبش عليكي، الأمر دا يهمني أوي. بريبة وتوجس اومأت شهد رأسها باستسلام لإلحاح المرأة قائلة: - حاضر يا ست مجيدة هجاوبك بصراحة. استغلت الاَخيرة موافقتها لتباغتها بالسؤال على الفور: - انتي بتحسي بأي مشاعر كدة ناحية حسن ولا لأ؟ أجفلت لترتد برأسها للخلف وشفتيها تتحرك باضطراب، لا تدري بما تجيبها، فهذا السؤال لم يكن في حسبانها على الإطلاق، لتتمتم مستهبلة تدعي عدم الفهم: - مشاعر يعني ايه؟ ممش فاهمة. - لأ انتي فاهمة يا شهد، وبلاش استعباط عشان انا محلفاكي أمانة. تعرقت مع ازدياد الحرج، وقد تمكنت مجيدة من حشرها في زاوية ضيقة لتقر وتخرج مكنونات بداخلها تخشي الاعتراف بها حتى لنفسها. - جرا ايه يا شهد؟ لدرجادي السؤال صعب، ولا هي محتاجة تفكير من الأساس، دي حاجات تتحس كدة لوحدها، معقولة انتي محستيش بيها؟ قالتها مجيدة مواصلة الضغط، لتزيد عليها وهي التي كانت تخرج الكلمات بصعوبة من فرط ارتباكها، وهذا ما تلعب عليه الأخرى: - مش حكاية اني محساش ولا فاهمة، بس هو يعني.... - بس هو إيه؟ انتي حاسة ان حسن بيحبك ولا لأ؟ بإقرار واستسلام اومأت شهد برأسها تتمتم: - يعني.... بقيت كتير بحس بكدة أو ممكن يكون إعجاب عادي. - حلو اوي، طب انتي بقى، بتفرحي لما بيوصلك شعوره ده، ولا بتجزي وبتقرفي؟ - لا اقرف دا إيه يا ست مجيدة؟ حسن راجل محترم واخلاقه غاية في الروعة رغم عصبيته احيانا وتزمته معايا في الشغل، لكنه قمة في الأخلاق، يعني إحساس القرف دا ابعد ما يكون في قلبي من ناحيته. سمعت مجيدة لتهلل بمرح، وقد أوقعتها في الفخ: - الله أكبر، يعني بتحبيه. ذهلت وافتر فاهها بانشداه لتردد بعد ذلك تبتغي النفي . - يا ست مجيدة حب ايه بس؟ انا معرفش اللي تقصديه ولا بتتكلمي عنه ده، عن ايه بالظبط؟ - هو برضوا قالي كدة! قالتها مجيدة بضعف وقد تبدلت ملامحها للعبوس والإنكسار، لتثير الفضول لدى شهد كي تسألها بعدم فهم: - هو مين اللي قالك؟ وقالك ايه بالظبط؟ مطرقة رأسها بحزن وهي تحتضن الصندوق القديم في حجرها، لترفع عينيها إليها بنظرة مترقرقة بالدموع تقول بعتاب: - حسن هو اللي قالي، لما صرح لي بمشاعره وأنا قعدت اتنطط من الفرح، عشان افاتحك عن رغبته في الإرتباط ببكي، قالي متحاوليش يا ماما وتحرجي نفسك، انا نفسي مش لاقي فرصة معاها، واخاف عليكي من كسرة الخاطر. - بعد الشر عليكي من كسر الخاطر، هو ليه بيقول كدة بس؟ هتفت بها شهد مستهجنة بغضب، هذا القول الذي أدخل الحزن بقلب المرأة والتي تابعت: - هو بيقول كدة عشان هيموت عليكي وبيحبك، وانتي ولا حاسة بيه. بانفعال شديد استنكرت شهد رغم فرحتها بهذا الاعتراف من حسن على لسان والدته: - على فكرة بقى، هو مزودها اوي، ومش من حقه يزعلك كدة ويخليكي تشيلي مني، هو اتكلم ولا فاتحني اساسًا عشان يفتي من مخه ويقول اني رافضة. التقطت مجيدة الهفوة التي كانت في انتظارها منذ بداية الحديث، لتهلل قائلة: - يا حبيبة قلبي يا شهودة، يعني انتي مش رافضة الارتباط بيه، وهو اللي طلع حمار، وربنا انا كان قلبي حاسس، يا قلبي انتي... ختمت بالاخيرة وهي تجذبها من ساعديها إليها لتُقبلها من وجنتيها، تدعي التغافل عن الصدمة التي ارتسمت على ملامحها، حتى انعقد لسانها في الرد عليها، لتكمل عليها بأن نهضت فجأة لتفتح باب الغرفة تهتف وتنادي بصوت عالي : - يا حسن يا أنيسة، يا ولاد تعالوا هنا، عندي خبر ليكو يجنن، شهد وافقت ع الجواز من حسن، تعالى يا بشمهندس وشوف خطيبتك. - خطيبتك. تمتمت بها، وقبل أن تستوعب حتى لتفكر، وجدت أنيسة أول المقتحمين للغرفة، مرددة لمجيدة: - يعني شهد وافقت بجد؟ طب وربنا انا كنت واثقة منها دي يا مجيدة، يا الف نهار ابيض، يا الف نهار مبروك. قالتها لتعانق المرأة تبارك وتهنئ، قبل أن تتركها متجهة إلى شهد المذبهلة،، لترفعها إليها وتعانقها بحضن أمومي تغمرها بالقبلات: - الف مبروك يا حبيبتى، الف مبروك يا بنتي الغالية، حسن طيب وانتي تستاهليه، وهو يستاهلك. - انتي بتتكلمي بجد يا ماما؟ صدرت من حسن الذي ولج هو الاخر، بفرحة تتراقص بعينيه، لتطالعه شهد ترفرف باهدابها وكأنها في عالم موازي، لتتلقى كلماته وقد اقترب منها، وتناول كفها بين يديه، يعبر امتنانه بموافقتها: - انا مش عارف اشكرك ازاي يا شهد، انا حاسس قلبي هيوقف من الفرحة عشان وافقتي، ربنا يخليكي ليا يارب. ختم بقبلة على ظهر كفها، طالعت أثرها بصمت، لتبدوا كمن تلقت ضربة على رأسها تترنح بعدم اتزان او استيعاب، وتتوالى عليها المباركات والتهنئة من الباقين، رؤى ولينا وأمين، بلا استغراب أو تساؤل، وكأنهم هم أيضًا كانوا على علم. - الف مبروك يا أبلة شهد، ربنا يتمملك بخير أنا فرحانة أوي . - مبروك يا أجمل شهد، يا صاحبة العمر يا غالية. - مبروك يا شهد، حسن اخويا اَه، بس انتي هتبقى أغلى منه، دي تاخديها قاعدة من دلوقتى. - أنا هعمل كل جهدي عشان تبقي أسعد واحدة يا شهد، ربنا ما يحرمني منك. وفي جانب وحدها وبعد أن وصلت لغرضها، فكانت تتابع بابتسامة رضا صامتة، لتنضم أنيسة بجوراها تهمس قائلة: - والله وبرافوا عليكي يا مجيدة، عرفتي تلفي البت إزاي يا ولية؟ ابتسمت بثقة، تجيبها: - مكانش ينفع معاها غير كدة، بعدين هحكيليك بالتفاصيل، المهم دلوقتي، انا عايزة السرعة، ياما نفسي اتلم على مأذون الليلة، عشان اخلص بقى. .... الفصل الثالث والعشرون بفعل لم تفعله الا نادرًا أتت اليوم بصحبة سائقها والحارس الخاص بها، لتنتظر بداخل السيارة، خروج طفلها من حضانته، كي تستأثر به كالأمس، في خطة أعدتها لعدم السماح لأحد بإنقاص حقها فيه، حتى لو اضطرت لتحدي والدة زوجها التي تكرهها ولا تطيق رؤيتها، وتعمل دائمًا على الإبتعاد عنها، لقد قررت تعويض ما أهدر منها طول السنوات الماضية، لفعل زوجها المسيطر والمتحكم بكل أمورها، ولكنها كبرت الاَن ولم تعد تلك الصغيرة التي يطوعها كيف يشاء، وعت لتُمسك بزمام الأمر، فترواده بحنكة النساء ومكرهن، حتى تحصل منه على كل ما تريده، الا يكفي ابتلاع الخيانة! دوى صوت الهاتف لتفاجأ بهوية المتصلة، التي ترفعت وتواضعت لتحادثها، قطبت باستغراب تناظر الرقم وكأنها تتأكد من الأسم جيدًا، ولتفكر سريعًا قبل أن تجيب برقة مدروسة: - الووو....... أهلا يا طنت. - الووو يا ست رباب، ممكن افهم بقى، انتي مانعة حفيدي عني ليه؟ - أنااا يا طنت؟ مين قال كدة بس؟ دا كلها يوم واحد اللي غابوا عن الزيارة، والنهاردة عنده مشوار مهم للمدرب في النادي. - اقدر انا ع المشوار دا يا ست رباب، ابعني الولد وانا اوديه..... - ويقعد بقية اليوم عندك زي كل مرة، اسفة يا طنت، أنا فضيت نفسي مخصوص عشانه النهاردة، يوم تاني بقى. - يعني ايه حفيدي مش هيجي النهاردة كمان؟... - الوو يا طنت، معلش مش سمعاكي كويس، الطريق زحمة ازي...... الوو يا طنت، الووو. انهت المكالمة لتخرج زفيرًا بضيق، فهي تعلم ان المرأة لن تسكت على فعلها، وحتما ستخبر زوجها، وعليها تجهز نفسها لذلك. انتبهت على خروج ابنها من باب المدرسة، لتنتفض مترجلة من السيارة ، ثم تتلقاه بالاحضان بعد أن رفعته عن الأرض أمام زملائه، وتلفت أنظار الجميع إليها كالعادة. بداخل السيارة وبعد أن تحركت بهم، على الفور تلقت رسالة من الرقم المجهول. - (( حلو اوي الفستان القصير على جسمك، وجماله بان أكتر لما رفعته الكتوت، وانشد لفوق ركبتك، ايه الحلاوة دي)) - يا أبن ال...... تفوهت بها بغيظ تعدى الغضب وفاق الحد، لتهتف نحو سائقها: - وقف العرببة دي بسرعة يا عم كريم، بسرعة ارجوك . على الأمر توقف الرجل ليناظرها بتساؤل تجاهلته لتلتف نحو حارسها : - انزل من العرببة يا حامد، انا عايزة اعرف مين اللي بيراقبني؟ حاسة فيه حد بيراقبني؟ انتفض الحارس على الأمر، يخرج س\لاحه على وضع التحفز مرددًا: - يراقبك، يراقبك ازاي يا هانم وانا موجود؟ قالها وترجل يبحث في الإنحاء، ويتجه بخطواته نحو الطريق باحثًا، يمينًا ويسارُا، حتى ابتعد وهي تنتظر بزعر وصل للطفل ليسألها ببرائة: - في حاجة يا مامي؟ - لا يا قلب مامي. قالتها لتقبله على جبهته، وتضم رأسهِ إليها بعد ذلك، فتلتمس الدفء بغمرته، واجهت بعين المراَة وجه السائق، الذي كان يتابعها فتكلم برفق رغم حيرته من فعلها: - متقلقيش يا هانم من حاجة، الدنيا أمان، وانتي قاعدة في عربيتك، ومعاكي رجلين يحموكي لو في خطر، دا لو فيه يعني. وصلها امتعاضها الغير معلن، وكأنه يراها تفتعل ذلك عن قصد. دلف فجأة السائق بعنف جعل السيارة تهتز ليخاطبها بلهاث: - انا دورت في كل حتة يا هانم، وملقتش أي مخلوق يهدد امن حضرتك والبيه الصغير، المنطقة هادية اساسًا، تحبي انزل ادور تاني؟ لوت شفتيها بحنق تأمرهما بإماءة صغيرة بذقنها وقد بلغ اليأس منها مبلغه: - لا خلاص بقى، امشي على طول يا عم كريم. ❈-❈-❈ في المخزن الخلفي لدكان العطارة الذي يملكه عابد الورداني، وقد أتت إليه خلسة كالسابق، ولكن هذه المرة كانت للعتاب، بعد ليلة كئيبة وصعبة مرت عليها في البكاء وشعور القهر المتعاظم داخلها، حتى أنهكت وفاض بها، للدرجة التي جعلتها تتلقف كالغريقة اتصاله في الرد عليها اخيرًا اليوم، تطالبه متلهفة بشدة للقاءه، ليستغل ما كان يظنه فرصة للاستفراد بها في المخزن هنا وقد وافقت دون تردد، ليعبث ويفعل ما يحلو له معها، قبل أن يفاجأ برؤية وجهها المقلوب، ثم انفجارها بمجرد أن انغلق الباب عليهما، لتعبر عما يجيش بصدرها بالدموع الحارقة: - مكنتش اعرف اني قيمتي قليلة أوي عندك كدة يا ابراهيم؟ اكتر من مية رسالة وغيرهم في الاتصال عليك من امبارح، ولا مرة تكلف نفسك وترد، غير بعد ما جالك مزاجك؟ طب يمكن في ضيقة ومحتاجالك ، أو تعبانة وعايزاك تجيني وتخفف عليا، اعمل ايه عشان تحس بيا وتعملي قيمة زي بقية المخطوبين؟ رافعًا طرف شفته باستنكار خطا يقترب منها ليطالع هذا الانفعال المفاجأ منها الشهقات المتتالية، بسيل الدمعات التي لا تتوقف، حتى خرج صوته بذهول: - انتي هبلة ولا عبيطة يا بت؟ بقى كل المناحة دي عشان مرديتش ارد عليكي؟ وهي دي اول مرة تحصل يا ختي؟ ما انا بتقل عليكي بكيفي وبرد برضوا بكيفي، مبيمشيش معايا كهن النسوان، بلا مخطوبين بلا نيلة. جفاءه المعتاد، وأن يحتد بتعالي؛ لم يكن جديدًا عليها، لتتقبل غضبه مضطرة، أو تنكمش بخوف منه فتتغاضي كالعادة، إلا اليوم، فهي لم ولن تحتمل على الإطلاق، سمعت منه لتسقط على عدد من الاجولة المرتصة فوق بعضها، لتردد بانهيار: - انا كنت عارفة من الاول، وقولتلك، انت عمرك ما حسيت بيا ولا نصفتني حتى، زي ما حصل امبارح، لما ابوك زعقلي قدام الكل وكسفني، انت مكلفتش نفسك حتى تجبر بخاطري. اهتزت رأسه بعدم تحمل لا يستوعب ما تلتقطه أذنيه منها، ليضرب كفه بالاَخر وقد نفذ صبره لهذا العته، نادمًا على اختلائه بها ومقابلتها من الأساس: - الله يخرب بيتك على بيت معرفتك السودة، يعني انتي كل عمايلك دي على قصة ابويا وكلمتينه امبارح، طب والله عنده حق، وياريته كان اداكي كفين بالمرة يا أمنية. - كمااان. صرخت بها لتقف على أقدامها وتواجه عنفه بنهنهة عالية لبكائها المستمر، تردد باستعطاف، علّ قلبه يرق ويؤازرها في محنتها: - دا بدل ما تقولي ايه اللي تاعبك يا حبيبتي؟ ايه اللي موصلك للحالة دي؟ دا انا مليش غيرك يا ابراهيم، لا عيلة ولا خوات بيحبوني، ولا انت ناسي كلامك ليا؟ اكتست ملامحه بالسأم والضيق، ولكنه كان متريثًا هذه المرة في رده، ليعرف السر الحقيقي خلف هذه المحزنة. - لا يا ختي طبعًا مش ناسي، بس ايه لزوم الكلام ده دلوقتي؟ هو انتي اتخانقتي مع حد فيهم؟ ولا يكونش واحدة منهم ضايقتك يا بت؟ جاء السؤال الذي كانت في انتظاره منذ الأمس، لتجد من يسمع شكوتها بحرية، فهو الوحيد القادر على فهم ما تقصده، لأنه يخصه أيضًا! - قول مين مضايقنيش؟ دا انا بتحسر من امبارح وقلبي بيتقطع من جوا، لأن بالأكيد جوازتنا مش هتم السنادي يا ابراهيم، ومش بعيد نقعد اكتر كمان، على ما اخلص جهازي، مدام الكبيرة دورها جه، يبقى تتنيل على عينها أمنية وتستني بقى، ما اهو انا حظي كدة...... - كبيرة مين يا بت الهبلة؟ هدر بها قوية عنيفة، ليُصمت فمها الذي يثرثر بغباء، يكاد يصيبه بالصمم، والكلمة التي أسقطتها في الوسط، يشك في صحة سماعها، لتؤكد له بغليل نفسها السيئة: - بقولك الكبيرة، المحروسة راحت امبارح عزومة العشا عند الست مجيدة رجعت لنا مخطوبة من ابنها البشمهندس، والبيت مقلوب من امبارح، البت رؤى بت الجزمة، كل ما تشوفني بتقعد تزغرط وتغني، عشان تغيظني...... اَه صدر منها تأوهًا بوجع، وقد باغتها بأن اطبق بكفيه الكبيران على ساعديها الغليظان، ليتمتم متسائلَا بهدير خطر، وقد أظلم وجهه؛ واشتد بخطوط طولية، لتبرق عينيه بالشر بشكل فاجئها وأخافها بنفس الوقت: - انتي بتقولي مين يا بت؟ المحروسة اختك، ربة الصون والعفاف، مع الواد المهندس اللي رايح جاي معاه. استطرد يهدر بصوت خرج من أعماق الجحيم وهو يهزهز جسدها بعنف: - يعني كانت بتقرطسنا، وعاملة فيها البت المحترمة، وهي ماشية مع الرجالة وبتجيبهم البيت، يبقى انا بقى كان عندي حق لما اتخانقت معاها ع المسخرة وقلة الأدب، كان عندي حق لما خوفت عليكم وعلى سمعتكم. - خلااااص يا ابراهيم حرام عليك، دراعاتي الاتنين هينكسرو في إيديك صرختها كانت بقوة لتعيده لصوابه، فيشعر بنفسه، ويرفع كفيه عن ذراعيها، لتردد مرة أخرى بشهقات البكاء، وألم جسدي حقيقي، فقد كان على شفا اقتلاعهم بهزهزته العنيفة دون وعي، او كسرهم بالضفط الرهيب منه، هذا ما كانت تشعر به، لتدلك بكفيها عليهما وهي تبتعد بارتياع، فهيئته كانت غير طبيعية على الإطلاق، حتى خرج صوتها باهتزاز: - هو انا بشتكيلك عشان تواسيني، ولا عشان تيجي عليا انت كمان وتخسرني صحتي، وتبقى كملت عليا بالمرة. - امشي. تفوه بها سريعة لدرجة لم تصدقها في البداية، قبل أن يفاجئها بصيحة قوية: - بقولك امشي، امشي يا أمنية، غوري من وشي . انتفضت في الاخيرة لتتسارع خطواتها المرتدة نحو الباب حتى فتحته، وخرجت راكضة، بدون حتى أن تأخذ حذرها ككل مرة، فكان المهم هو أن تهرب من أمامه، تاركته يزفر بصوت عالي، وانفاس ساخنة تخرج م حريق شب بداخله، بنيران كالبركان تطلق حممًا قادرة على إحراق الأخضر واليابس ❈-❈-❈ في غرفتها وعلى فراشها المكوم بإهمال أسفل قدميها، فقد كانت جالسة ضامة ركبتيها إلى صدرها بشرود، لا تدري بما ورطت نفسها؟ أو بالأصح ما وجدت نفسها تقع فيه ببرائة أو بلاهة بغفلة منها، ولكنها كانت كالمغيبة وكل شيء حدث سريعًا بشكل لا يصدق، مفاتحة مجيدة لها، ثم تهليل بموافقة لا تتذكر كيف نطقت بها؟ ثم المباركات والتهنئة القلبية من اقرب القلوب إليها، بأنها خطبت، خطبت لحسن، معقول؟ لقد رأت بعينيها حجم السعادة التي بدت عليه، ليلثم بشفتيه جلد كفها، ويعبر لها ممتنًا عن موافقتها به. فتظل هي لفترة طويلة من الوقت مزبهلة تناظرهم بذهول، حتى استفاقت لنفسها بعض الشيء، لتهم بمغادرة المنزل، عاقدة النية على الهروب، فكانت الكبيرة حينما فاجئها باتصال عمها، صديق أباها الراحل، وعرابها في رحلة الشقاء للحفاظ على ارث والدها، ابو ليلة الذي هلل بالفرح، معربًا عن سعادته بالأمر، ومشددًا في نفس الوقت على ان يتم الأمر بصورة رسمية، بجلسة تتم بمنزل العروس في حضوره، بصفته الوكيل لها في كل صغيرة وكبيرة في الاتفاق. - يا إلهي. رفعت رأسها فجأة لتطن الفكرة مرة أخرى: - هل هي بالفعل أصبحت عروس؟ طرقة خفيفية على باب غرفتها، جاءت كوقت مستقطع ترحم به عقلها المتعب ولو قليلًا: - ادخلي يا رؤى، واقفة عندك ليه؟ طرقة أخيرة ختمت بها شقيقتها، لتخطو إليها بوجهها الصبوح، وقد ارتسمت على قسماته الفرحة بقوة، فتكلمت بغنج المراهقات المفتعل في مثل هذه المواقف: - عاملة ايه يا عروستنا ؟ لسة برضو متوترة؟ بصراحة الله يكون في عونك، دا العريس قمر، قمر يا ناس. افتر فاه شهد تهم لترد بغشم كالعادة، ثم ما لبثت أن تتراجع، بزفرة محبطة وقد تذكرت وضعها. - رؤى، عشان خاطري وحياة غلاوتي عندك، بلاش وخفي عليا شوية.. - اخف عليكي في ايه يا قلبي؟ انتي لازم تفرحي يا شهد، انتي تستاهلي الفرحة. قالتها بعفوية وهي لم تستوعب بعد مقدار ما يدور برأس شقيقتها الكبرى، من تشتت وحيرة لأمر طرأ فجأة دون أن استعداد او تمهيد، فكيف توصل لها فكرتها؟ فجاء سؤالها بفظاظة: - طب انتي داخلة ليه دلوقتي؟ أنا مش قولت عايزة اختلي بنفسي واريح دماغي. قوست رؤى شفتيها، تتصنع البؤس، رغم ابتسامة ما زالت تفضحها في قولها: - الله يسامحك عشان انتي احرجتيني فعلًا على فكرة بشبح ابتسامة استجابت شهد لمناكفة شقيقتها، وردت تزيد عليها: - ما انتي اللي بتجيبي الاحراج لنفسك، انا مش ذنبي. - كد برضوا يا شهد. هتفت بها متخصرة بفعل طفولي، لتتابع بغيظ: - ع العموم يا ست هانم انا كنت داخلة اقولك ان عم ابو ليلة قاعد منتظرك برا، وقالي روح...... قاطعتها بلهفة تسألها، وكأنها قد دبت بها روح جديدة: - انتي بتتكلمي جد؟ - لا بهزر. قالتها بموعية واستدارت لتذهب وفور أن امسكت بمقبض الباب شاكستها مرة أخرى: - هقوله نايمة ومش عايزة تشوفك. ختمت بأن أخرجت لها لسانها، لتنتفض شهد عن الفراش ناهضة تردد لها بتوعد: - هي مين دي اللي مش عايزة تشوفه يا بنت ال؟ ماشي رؤى. ❈-❈-❈ خرجت إليه وقد كان جالسًا بوسط الصالة، يتسامر مع رؤى بمزاحه المعتاد عن قصر قامتها، والسخرية من وزنها الذي يقارب عود خلة الاسنان كما يقول، وهي تضحك وتقارعه بالحديث المرح، ليضحك لها بصوته الرجولي الرخيم، قبل أن ينتبه إليها، فانتفض واقفًا بوجه مشرق، بضياء الفرح لشيء عظيم يهلل: - يا أهلا يا اهلا، بست البنات اللي كبرت وبجت عروسة تملى العين وتسر الخاطر. قوست شفتيها لتستقبله بابتسامة ضعيفة قائلة بعتب: - على طول كدة، طب استني اقعد الأول حتى عشان نعرف نتخانق. قهقه بصوت جهوري وهو يجلس على الكرسي المقابل لها، يردد خلفها بدهشة امتزجت بمشاكسة: - وه، نتخانج كمان؟ ليه يا بوي؟ دا احنا النهاردة يوم فرح يا بت طالعته بحنق، لتطرد زفيرًا معبئًا من صدرها، في مقدمة لما نوت عليه، لتنفجر به، مخرجة مخاوفها وهواجسها وحيرتها وتشتتها بالشجار معه: - ايوة نتخانق، عشان انت امبارح، اديت موافقة وقررت مع الناس في التليفون من غير ما تاخد رأيي، دا كان ناقص بس تحدد معاهم ميعاد الفرح. - اخد رأيك ليه؟ مش انتي اديتي موافقة للجماعة؟ - وهو انا لحقت اقول ولا اعيد؟ دي الست كروتتني وسحبت مني كلام انا مش عارفة قولته ازاي؟ صاحت بها تجفله في بداية الأمر، قبل أن يستوعب جيدا، ثم ما لبث أن ينطلق ضاحكًا هذه المرة بشكل اقوى من السابق، حتى أدمعت عينيه، ليزيد من غيظها، مرددًا: - يعني الست مجيدة كروتتك، زي ما عملت معايا ولفتني انا الراجل الكبارة، طب والله براوة عليها الست دي. همت لتصب به جام قهرها، ولكن نرجس كانت قد أتت إليه بصنية القهوة، لتضايفه قائلة بزوق متعمد. - الشاي يا حج ابو ليلة، هو انتوا بتتخانقوا ولا ايه؟ دا حتى النهاردة مينفعش خناق. بحياء ليس بغريب عن رجل يعرف بالأصول ويعطيها حقها، رد أبو ليلة مطرقًا برأسهِ، وعينيه في الأرض: - ربنا ما يجيب عرايك ولا خناج، ويعديها على خير ان شاء الله. وقفت نرجس تنتظر تفسيرًا أوضح، ولكن النظرة القاتمة من شهد جعلتها تتحرك على الفور ، لتستئذن مغادرة بحرج، رغم الفضول الذي يقتلها، ثم التفت شهد إليه بتحفز، فسبقها بقوله: - من غير كلام ولا رط كتير، انتي شايفة المهندس راجل زين ويستاهلك ولا عفش ومينفعكيش؟ باستنكار جلي وضح من تبدل ملامحها، لتهتف بانفعال: - يا ابوليلة انا معنديش نقد ع الراجل، انا اعتراضي ع الموضوع نفسه، مكنش في دماغي خالص حكاية الجواز، فجأة الاقيني مخطوبة والنهاردة قراية فاتحتي، طب ازاي؟..... - عشان النصيب. قالها ليقطع استرسال هذيانها، ليتابع بلهجة لينة حنونة: - خفي على نفسك يا بت اخوي، دي جراية فاتحة مش كتب كتاب، وعلى راجل زين يتحط ع الجرح يطيب، وامه اطيب منه، واخوه جيمه وسيمة، عيلة تفخري بيها وتساهليها...... صمت برهة أمام استجداء النظرات من عينيها، وهذا الخوف الذي اكتسى ملامحها، ليستطرد بمزيد من اللطف: - عيشي فرحتك النهاردة يا بتي، وريحي مخك شوية من التفكير، يا بت افرحي، دي خالتك زبيدة وصبا، ما جاعدين على حيلهم من امبارح، كان هاين عليهم بجوكي من الصبح، انا بس اللي منعتهم عشان يجوا العشبة بالمرة. ❈-❈-❈ بعدوٍ أقرب للركض، كانت مودة تقطع الرواق في طريقها للذهاب، يساعدها جسدها النحيف وطولها المتوسط، في السرعة التي كانت تبدوا كالطيران بخفتها، حتى خرجت من الفندق لتعتلي سيارة الأجرة التي كانت مصطفة في انتظارها، وتنضم مع الأخرى، قائلة بلهاث: - اتأخرت عليكي؟ تبسمت ميرنا لتعتدل بجلستها اولا، ثم تصدر أمرها للسائق حتى يتحرك قبل أن تجيبها: - لا يا غالية متأخرتيش ولا حاجة، انا بس مستغربة النهتان دا كله، هو انتي كنتي بتجري؟ أومأت مودة بهز رأسها وصدرها يصعد وبهبط بتسارع، حتى تمكنت من التقاط أنفاسها جيدًا لترد: - مش جري، بس انا كنت سريعة قوي في خروجي، بعد ما اتأخرت في الوردية، وبصراحة كنت عايزة اللحق قبل أتوبيس الموظفين ما يوصل. - قصدك قبل البرنسيسة ما تشوفك؟ قالتها ميرنا بحدة، تحدجها بغليل أربكها لترد بمماطلة لم تنطلي عليها: - قصدك صبا يعني؟ ليه هو انتي فاكراني جبانة، ولا هي ست الأبلة اللي مسكالي العصاية، انا بس عشان مش عايزة ازعاج منها ولا صداع. - يا شيخة، اممم قالتها بتهكم صريح لم تغفل عنه مودة ولكنها تغاضت، تتدعي التجاهل، لتسألها عن الأهم الاَن: - مقولتليش بقى، هتاخديني على فين كدة؟ إبتسامة سريعة اعتلت ثغر الأخرى لتميل برأسها تقول بثقة: - على أكبر مول في البلد كلها، يعني كل المحلات هناك، عشان نشتري كل اللي احنا عاوزينه، نخرج من محل ندخل التاني، دا غير الفرجة ع العروض اللي هناك، دا انا ههوسك. بحماس كبير، كطفلة توشك على الخروج في رحلة مع أباها، هللت تصفق بكفيها مرددة: - هاااي، ايوة بقى يا أحلى ميرنا، ما يحرمني منك، - ولا منك انتي كمان يا قلبي قالتها بابتسامة تظهر على السطح المودة والطيبة، وداخلها تخفي ظلامًا من الغموض، لا يعرف اخره إلا هي ❈-❈-❈ في طريق ذهابه للمغادرة بعد انتهاء نوبة العمل، وقعت عينيه عليها، وهي تقطع طريقها من الجهة الأخرى، بوجه تبدل عن ملامحها العادية، فقد كانت عابسة، شاردة في أمر ما، جعلها لا تنتبه إليه إلا بعد مدة ليست قليلة من الوقت، رغم وقوفه في انتظارها اتجاه أنظارها بالضبط. بادرها بالسؤال فور أن اقتربت منه: - انتي جاية منين يا صبا؟ وفين صاحبتك اللي بتمشي معاها. تنهدت بثقل تجيبه بحيرة وقلق تغلغل داخلها دون سبب واضح له: - صاحبتي مشيت وسابتني، انا روحت اسأل عنها في قسمها، قالولي انها مخلصة شغلها من نص ساعة، اتصلت بيها قالتلي انها في موعد ضروري، طب هو إيه؟ قالت انها هتعملي مفاجأة. - مفاجأة! تلفظ بها متعجبًا، ليردف وهو يستكمل طريقه معها: - طب وانتي ايه اللي مضايقك؟ مش يمكن تكون مفاجأة سعيدة. - أتمنى. قالتها لتصمت لحظات قبل أن تستطرد بما يقلقها: - اللي محيرني انها عرفت تخبي عليا المرة دي، مكدبش عليك، بس مودة دي أخيب واحدة تعرف تخبي او تكتم سر، مكشوفة دايما قدامي. ظل صامتًا بأعين مشبعة بالإعجاب يطالعها، صبا المميزة والرائعة دايمًا، لا تتوقف عن ابهاره، الأ يكفيها تضخم قلبه بعشق ميؤس منه؟ وقربُ منها يهلكه، بعذابًا لا يجد له حل؟ توقف بها أمام السيارة الصغيرة التي امتلكها بكده وعرقه، ود أن يعزم عليها لترافقه حتى يوصلها للمنزل، أن تشاركه الهواء داخلها، فطريقهم واحد، فخرج صوته بتردد: - صبا لو حاسة نفسك هتضايقي من الرجوع وحدك في اتوبيس الشغل، انا ممكن اوصلك. نفت برأسه، تفاجئه الرد: - لا ما انا مش هركب الأتوبيس المرة دي، اصل طريجي مختلف، ابويا وامي سبجوني على خطوبة شهد، بنت المرحوم صاحب ابويا وانا اتصلت بأوبر وهحصلهم. اومأ رأسه بتفهم قبل أن يستدرك وتتغير ملامحه بشراسة قائلًا: - يعني هتركبي تاكسي مع سواق لوحدك؟ - أيوة طبعًا، وفيها ايه دي يعني؟ قالتها بعفوية قبل أن يفاجئها بعصبيتة: - مفيش ركوب مع حد غريب لوحدك، اركبي انا هوصلك المكان اللي انتي عايزاه. - ايوة بس انا طريجي غير طريجك. - هغير طريقي وهوصلك المكان اللي انتي عايزاه، اخلصي يا صبا قالها حازمة مسيطرة لدرجة جعلتها تتحرك على الفور مذعنة لأمره، بدون تردد لتستقل المقعد المجاور له في الأمام، فجلس هو أيضًا يتخذ مقعده خلف عجلة القيادة، ولم يشعر بالوضع سوى بعد أن وصلته رائحتها المسكية، لينتبه اخيرا لتهوره، وقد طغى حضورها على الأجواء من حوله، انها بجواره وداخل سيارته، حسناءه الفاتنة، التي لطالما ابتعد عن محيطها بإرادته، انها بالقرب الاَن، أيضًا بإرادته، بزفرة متعبه تحمحم يخاطبها بعد أن ابتلع ريقه، وأنظاره موجهه للأمام، يدعي الانشغال بالقيادة: - اربطي حزام الأمان عليكي كويس يا صبا. سمعت لتنفذ ما طلب منها بطاعة صامته، ثم التفت رأسها للطريق من نافذة السيارة بشرود اثار فضوله، ليرمقها بنظرة جانبية سريعة، قبل أن يعود لقيادته بتأنيب ضميره اليقظ دائمًا، ليتمتم داخله بالإستغفار، يناجي العون من الله. ❈-❈-❈ كالأعصار ولج المنزل، ليصيح على والده الجالس على مائدة الطعام يتناول وجبة غذائه: - قاعد في بيتك وبتاكل كمان، طبعا ما انت نايم على ودانك يا حج، ومش داري باللي بيحصل. توقفت اللقيمة بحلق عابد، ليكف عن المضغ، متسائلًا بحنق: - نعم يا روح امك، داخل زي زعابيب امشير وبتهلفط بكلام مش مفهوم، أنت شارب ولا شامم يالا؟ - لا انا شارب ولا انا شامم، انا بس صعبان عليا الهيبة والمرجلة لما يداس عليها، وتتعامل زي الغربا. قالها وتقدم بخطواته ليميل برأسه نحو والده، يردف بغليل وحقد، يريد بث الفتنة بقلب الرجل: - المحروسة اللي بتشكر فيها وفي تربيتها، قرطستك وراحت اتخطبت في بيوت الناس، من غير ما تعملك اعتبار ولا خاطر، وكأنها ملهاش أهل . ضاق الرجل وفاض به ليهدر به ساخطًا بنفاذ صبر: - ما تفسر يا بن الهبلة وبطل اللغازك، انا معنديش مرارة . وقبل أن يهم ابراهيم بالرد، سبقت والدته، تتدخل بفحيح: - ابنك يقصد شهد يا حج، اصلها فاجأت الكل امبارح عشية بخبر خطوبتها على المهندس، من غير شورة ولا قوله من حد، ولا اكن ليها اهل، دي مهانش عليها حتى تدي خبر لاختي اللي ربتها زي امها وعاملالها خدامة تخدمها، بلغتها بالخبر كأنها واحدة غريبة ولا تسوى. انتعش إبراهيم، وقد وجد من تؤازره، ليزيد على الرجل: - لا وعلى كدة مكفهاش كمان، عاملة النهاردة قراية فاتحة، وجايبة الراجل الصعيدي، اللي اسمه ابو ليلة، عشان يبقى وكيلها، طب كانت افتكرت وقدرتك، ع الأقل تعمل حساب للجيرة ولا النسب حتى، دا انت كل ما تشوفها تنفخ فيها وتكبرها، وهي سوسة وقلبها اسود. بوجوم ظاهر تطلع الرجل إلى الاثنان صامتًا عدة لحظات، قبل أن يوجه السؤال لزوجته: - وعلى كدة عاملة ليلة ع الواسع ولا حاجة ع الضيق؟ رفعت كفيها للأعلى مرددة بادعاء عدم الفهم: - الله أعلم يا حج، دا انا عرفت الحكاية دي بالصدفة واختي بتكلمني في التليفون، أصلها كانت مقهورة يا حبة عيني، وانت عارفاها غلبانة، ما تقدر تعترض ولا تدي رأي حتى معاها، دي بت شديدة وكلمتها من دماغها. بقبضة كفه المضمومة طرق ابراهيم على سطح المائدة أمام الرجل يطالبه مشددًا: - إنت لازم يبقالك كلمة في الموضوع دا يا عم الحج، ولا تكبرك في الوحشة عشان مصلحتها، وتيجي عند الفرح، ولا تعبرك. ❈-❈-❈ أمام مراَتها وقد استسلمت اخيرًا لواقعها، لتمسك الفرشاة وتجرب وضع المساحيق على البشرة التي اهملتها فترة طويلة حتى نست أنها أنثى، ليأتي هذا اليوم الذي تجبر على التزين فيه من اجل هذه المناسبة، بحيلة اقنعت بها نفسها، أن الأمر مجرد خطبة، فترة تمهيدية حتى تستوعب الأمر، وفرصة للتجربة، إذا نجح الأمر كان بها، وان فشل......... زفرت بتحريك رأسها حتى تجليها من هواجس ومخاوف كانت في غنا عنها، لولا هذا الموقف. - اووووف. صدرت منها بقوة وهي تترك من يدها كل شيء، لتنهض من مقعدها بيأس، وسارت حتى تختها ، لتسفط جالسة على طرفه بتعب، وضعت كفيها على رأسها المنهك بأفكاره، لا تعلم كم مر من الوقت، حتى سمعت بطرق على باب غرفتها، لتطل لها صبا بوجهها المشرق قائلة بلهجتها الصعيدية: - سالخير يا عروستنا، عاملة ايه يا به؟ استطاعت بفعلها التي ترسم ابتسامة سعيدة بمجيئها وقولها الطريف، لتتلقاها بحضن الشقيقة لشقيقتها: - وحشتيني يا بت ابو ليلة، هتخليني اندم عشان اقنعت ابوكي يوافق على شغلك. رددت صبا تتابع مشاكستها: - باه باه باه، ليه بس يا بت عمي؟ وايه ذنب الشغل؟.... اه تفوهت بها، وقد بوغتت بلكزة خفيفة على خلف كتفها، بقبضة شهد، تقرص عليها بعتب الأحباب مرددة - عشان هو اللي خدك مني، بعد ما كنا اعز أصحاب واخوات. رمقتها صبا بتفحص وكأنها تستكشف ما بها لتقول بتقرير وتأكيد: - والله ومازلنا، بس انتي اللي جالبة عليا النهاردة، ومتوتره بزيادة، بس برضك انا عذراكي. ابتلعت شهد ريقها ليخرج صوتها سائلة بتوجس: - ابو ليلة حكالك صح؟ أنا عارفاه ما بيتبلش في بقه فوله. اطلقت صبا ضحكة رنانة لتنهض فجأة، وهي تخلع عنها حقيبة يدها وحجاب الرأس قائلة: - لو سمعك ابو ليلة كان اداكي فوج دماغك عليها دي، بس معلش هو برضوا مبيردش ع العيال الصغيرين، خصوصا لما يكونو عرايس حلوين ومتوترين. قالت الأخيرة لترفعها عن مقعدها، غير عابئة بذهولها، حتى عادت بها لتجلسها أمام المرآة، تستطرد: - وبرضك نسامح احنا كمان على حج الراجل الكبارة، لاجل عيون المقاول شهد. دنت برأسها لتسال انعكاس وجهها، بعد أن أمسكت الفرشاة: - تحبي اخلي المكياج خفيف ولا تجيل ويزغلل عين العريس؟ ضحكت شهد تجيبها وقد تسرب شعور جميل بالارتياح لدعمها والتخفيف عنها: - لا يا عسل خفيف. - انا بجول كدة برضوا، حكم العريس مش ناقص زغللة قالتها صبا بشقاوة جعلت شهد تضحك بصوت مرح، لتعود بلكزها مرددة: - يا بت بطلي بقى، بقيتي مصيبة يا بنت ابو ليلة. ❈-❈-❈ بداخل المجمع التجاري الضخم، وقد كانت تتسوق به، وكأنها وجدت جنتها، تنتقي ما حرمت منه طوال سنوات عمرها، حتى وهي تعمل منذ نعومة اظافرها، في المحال كبائعة، فقد كان ما تتحصل عليه، بالكاد يكفي طعامها، والأشياء الأساسيه بالحياة. ولكن الاَن، ورغم أن مبلغ المرتب كان كبيرًا بالنسبة لها، الا أنه على الحسبة الأصليه لم يكن ليكفي سوى القليل مما انتقته من اشياء قيمة وغالية، لكن ميرنا كانت المنقذة لها دائمًا، مرة بدعمها بالنقود الناقصة، ومرة بمعرفتها بأصحاب المحلات، فقد كانت كالزبونة المميزة لمعظمهم، لتضيف مزيدًا من الابهار في عقل الأخرى، تمكنت مودة من ابتياع حذائين، وبعض أدوات المكياج وبعض قطع الملابس، فلم يتبقى سوى فستان احلامها والذي اشارت عليه من خلف الزجاج لتسحبها الأخرى على الفور تقتحم المحل بجلبة أجفلتها: - ادخلي يا بت ونقي على كيفك، مدام ناهد عندها أحلى الماركات. بدهشة وعدم تصديق تطلعت مودة نحو المرأة الجالسة خلف المكتب الزجاجي، والتي تبدوا من هيئتها الراقية، انها من أصحاب الذوات التي تسمع عنهم او تراهم على شاشة التلفاز، من مرتادي الاجنحة الفاخرة بالفندق، تقف بابتسامة بعرض وجهها لتستقبلهن بحفاوة بالغة لم تتخيلها: - يا أهلا يا ميرنا، اتفضلي انتي والقمر اللي معاكي، المحل محلكم . اقتربت الأخيرة بزهو لتتحدث مع المرأة باسترسال، وكأنها على معرفة قديمة بالمرأة: - تعيشي يا ست الكل يا قمراية، افتكرتي على طول كدة وعرفتني، دا انا خوفت لتكوني نسيتني - طبعًا، وحد برضوا يقدر ينساكي؟ اتفضلي حبيبتي. قالتها المرأة ثم انتقلت بكلامها المعسول إلى مودة: - وانتي جميلة، اي فستان بقى عاجبك؟ بلهفة قوية التفت مودة تشير بذراعها نحو ما تقصد: - هو ده. تدخلت ميرنا بينهن بقولها: - ايوة بس يا مدام، بس عشان نتفق كدة من أولها، احنا طماعنين في كرمك، تعاملينا غير بقية الناس. تبسم ثغر المرأة في خطابها للإثنتان: - هي تلبس الفستان وتشوفه حلو ولا وحش عليها، وأكيد ان شاءالله نتفق، ودا عشان خاطرك يا ميرنا ❈-❈-❈ بعد قليل خرجت لهم تلتف بالفستان يمينًا ويسارًا بفرحة، وقد راقها من جميع النواحي لتسألهن: - ها إيه رأيكم بقى؟ حلو . - حلو اوي ولايق على جسمك المنمنم، مبينك قطقوطة كدة. ضحكت مودة وقد أسعدها قول المرأة، وجاء رأي ميرنا متوافقًا أيضًا معها: - المدام عندها حق يا مودة ومكدبتش، الفستان فعلا جميل وهينطق عليكي. بسعادة غامرة جعلتها تهتز بحركتها المعتادة في هذه الأوقات، مشبكة كفيها خلف ظهرها كطفلة مبتهجة، قبل أن تستدرك لتسألهن: - اا طب احنا كدة عايزين نتفق ع السعر، ولا انتي ايه رأيك يا ميرنا. قالتها وهي تغمز لها بطرف عينيها، لتفهم مقصدها، فردت الأخرى ضاحكة: - من غير ما تغمزي انا فاهمة، وألمدام كمان فاهمة، انا اتفقت معاها على سعر كويس، يناسب المتبقي من الفلوس معاكي، هيصي ياللا يا ستي. - ايوة بقى. تفوهت بها مودة لتهلل بفرح، ثم توجه كلمات الشكر والامتنان للمرأة التي وافقت بالعرض، وميرنا التي ساعدتها اليوم بجهدها ووقتها لتبتاع ما تشاء، لتغير من هيئتها، في خطوة جدية لتبديل واقعها البائس. حينما خرجت من بروفة الفستان، تحمله بيدها، لتعطيه المرأة حتى تنهي الحساب، كانت ميرنا هي الأخرى، انتقت واحدًا اعجبها، رفعته أمامها تسالها: - ها يا مودة، ايه رأيك في الفستان، يليق عليا ولا اغيره؟ بحيرة نظرت له ولعدد اخر، من المعروضبن خلفها، قبل ان تجيبها: - مش عارفة بصراحة، بس انا شايفاه من النوع اللي انتي بتحبي تلبسيه، الفساتين الطويلة والضيقة، دا الاستيل اللي بيليق عليكي، عشان جسمك الرشيق زي المليكان وافقتها المرأة القول، تضيف عليها بإعجاب: - فعلا يا مودة، دا كان رأيي انا كمان قبل ما تخرجي، شطورة وعندك زوق. عقبت ميرنا بمداهنة طريفة منها: - يا ولد، ما انتي بتفهمي اهو في الموضة، امال عاملة نفسك ليه غشيمة، ومخلياني من الصبح انقيلك؟ دا انتي بلوة مسيحة. بمسحة من التفاخر مستها، ردت مودة بخجل من الاثنتان: - يعني يا ستي على قدي، انا اصلا بفهم لغيري بس، لكن ليا لأ، ما انا عندي عين بتشوف برضوا. - تسلم عيونك. قالتها ميرنا وهي تتناول الفستان متجهة نحو البروفة قائلة: - طب انا هدخل اجربه عليا واشوفه لايق ولا لأ، استنوني اخرج، وتقولو رأيكم . اختفت بداخل غرفة البروفة وانتظرت مودة مع المرأة، التي كانت تجهز لها الفاتورة، قبل أن تجفل على نداء ميرنا من الداخل: - مدام ناهد، ممكن دقيقة عشان خاطري حاسة الفستان انحشر فيا، وخايفة ليتقطع وانا بقلعه، اصله طلع ضيق قوي. - حاضر ثواني. هتفت بها لترد عليها قبل ان توجه خطابها لمودة: - ممكن يا حبيبتي تخلي بالك هنا على ما ادخل اشوفها جوا، او ترجع البنت اللي بتشتغل معايا بطلب القهوة اللي بعتها عليه من الكافيه. أومأت مودة بطاعة تنتظرها وجلست على المقعد المجاور للمكتب المرأة، تهزهز قدميها وتتجول بعينها في الإنحاء حولها، تشاهد المعروض من الملابس الحديثة، وتصميم المحل الفاخر، ثم هذا المكتب الغريب بتصميمه، ومقعد الهانم الذي كانت تجلس عليه، ثم...... وقعت عينيها فجأة على الأرض لتفاجأ بهذا الشيء الذي يلتمع بقوة، دنت تتناوله لتعرف ما هو، لتصعق بهذا الجمال المبهر، خاتم ذو فص كبير، لا تعلم ان كان من الألماس او الألماظ الحر، أو حتى أن يكون تقليد، كالذي ابتاعته في يوم ما، ولكنه كان رائعًا، بشكل جعلها تطالعه وتقلب فيه بذهول لمدة من الوقت لا تعلمها، قبل أن تجفل على صوت المرأة وقد بدا أنها على وشك الخروج من الغرفة، لترتبك سريعًا باضطراب، لا تدري بماذا تتصرف وكيف تخبرها؟ لتجد الحل قبل ان تظهر المرأة، وقد تصرفت يدها بما تعودت عليه، بأن وضعته في جيب سترتها ❈-❈-❈ في المساء وقد اجتمعت الأسرتين، بحضور مسعود ابو ليلة وزوجته وابنته، بصفته ولي العروس ليستقبل العريس ووالدته وشقيقه، ونساء العائلة من شقيقاتها، وأنيسة التي وصلت متأخرًا مع ابنتها، بعد انتهاء دوام عملها في الشركة مع طارق، لتنضم مع صبا في تزين العروس، لتصبح اَيه من جمال حقيقي خلقت به، ولكن بالاهمال كان مدفونًا، ليظهر اليوم بصورة اجفلت جميع الحضور، حتى ممن يسكن معها في البيت، فما بالك بقلب محب، يكاد قلبه ان يتوقف من فرط فرحه بها، يطالعها بعدم تصديق وقد أصبحت اليوم خطيبته، لتكون قريبًا عروسه . شهد العسل، وهو فارسها، المهندس حسن. .... الفصل الرابع والعشرون خجل! يا إلهي، هذه كلمة قليلة للغاية لتعبر عما تشعر به الاَن، ام هو استغراب في غير محله؟ أن توضع في هذا الموقف، بدون ترتيب أو تمهيد مسبق. أم هو فرح قد اتى مباغتًا لها؟ بعد أن هيئت نفسها للاستغناء عن متع الحياة في كل شيء، والمضي قدمًا في طريقها في عمل دئوب للحفاظ على إرث والدها، والحفاظ على شقيقاتها، من اطماع النفوس السيئة من الغرباء والأقرباء أيضًا، متخذة هيئة الرجال في الملابس، وأفعالهم، حتى لا يظنها أحد أنها ضعيفة لاستغلالها، طامسة أنوثتها ورقتها القديمة خلف واجهة لقوة تدعيها وخشونة تحرص عليها، كحرصها على عائلتها وأسرتها، إذن أين ذهب كل ذلك؟ لماذا هذه الهشاشة التي تشعر بها أمامه، كعصفور مبتل، امام نظراته الثاقبة التي تخترقها، ضعف لذيذ ومراهقة تتفاعل مع كل همسة منه، لقد كانت منذ مدة قريبة تتشاجر معه، وتناطحه الرأي بالرأي، اما الاَن ورغم حنقها بما تورطت به على غير ارادتها، الا أنها لا تنكر هذه السعادة التي تجتاحها، دفء نظرته المحبة لها، أذابت بقلبها الجليد، لقد أعاد إليها أنوثتها. بجلسة أسرية بامتياز، وحالة من المرح والمزاح الذي لا يتوقف، وكأن الجميع يعرفون بعضهم البعض منذ زمن طويل، مجيدة تتصرف بأريحية مع مسعود الذي فهم عليها من أول وهلة، فكان تعامله معها بتسامح وقد أعجبه فعلها، وزبيدة وابنتها كاسرة ثانية بعد أنيسة ولينا التي كانت كالبدر لتجبر هذا العنيد على اختطاف النظرة نحوها كل دقيقة. - حج ابو ليلة، البنت بنتي والولد هو كمان ابني. - يعني اطلع منها. قالها بمشاكسة اثارت الضحكات لتهتف نحو زبيدة بعتاب معترضة: - شوفي يا ختي الراجل عايز يمسك عليا كلام مقلتوش. ضحكت المرأة في الرد لها: - بيناغشك يا ست مجيدة اصل شهد بنته هي كمان، ولا البشمهندس مجالكيش. ردًا عليها تدخل حسن: - لا طبعا قولتلها، دا عم ابو ليلة ده من قبل ما اشوفه وانا اسمع عنه، سمعته الممتازة في كار المعمار زي الطبل. - ربنا يبارك فيك يا ولدي، وانت كمان، لولا سيرتك الطيبة، انا ما كنت وافجت كدة طوالي ابدًا، والله ولو كنت واد مين حتى، ما كنت هديك جواب، ولا أريحك غير بعد ما افصفص وادجج في تاريخك وتاريخ عيلتك من وراك كمان، ايوة امال ايه؟ دا أنا هديك جوهرتي الغالية، ولا يكون عندك اعتراض؟ - أنااا صدرت منه وانتقلت عينيه نحو شهد، يجُهر بعشقه لها، بالفعل قبل القول: - لو هي عندك جوهرة، ف أنا عندي الدنيا كلها، يعني حتى لو طلعت عيني، كنت هتحمل عشان خاطرها. - أيوة بقى يا بشمهندس، هندس ومزجنا معاك. بشقاوة وجرأة هتفت بها لينا لتزيد من خجل العروس التي تخضب وجهها بالحمرة رغم وجود المساحيق عليه، ليرتفع كفها على أعلى عينيها، بفعل غريزي انساها شخص المقاول داخلها، فعقبت أنيسة بمكر، ترافقًا مع ضحكات الجميع - كسفتي البنت يا مصيبة. تدخلت مجيدة بمغزى تقصده: - معلش يا ست أنيسة، ما هي دورها جاي برضوا. - يااااه، يدينا ويديكي طولة العمر يا طنت. قالتها لينا بتفكه لتُثير التعليقات المستهجنة من المرأتين، وبعدم اكتراث منهما كانت تضحك وتناكف والدتها، غير عابئة بالنظرات المصوبة نحوها منه، وقد كان جالسًا بهيبته يتحدث بالطلب رغم فرحه بشقيقه، احترامًا لأهل المنزل الذي يدخله لأول مرة، قبل أن ينتبه فجأة مع الجميع على زغروطة غير متقنة على الإطلاق، أطلقتها رؤى بكوميدية.اثارت الضحك بصخب، فقد كانت خارجة من المطبخ تحمل فوق يديها صنية كبيرة من المشروبات الباردة لتضايف بها الحضور، وخلفها والدتها ابتسمت هي أيضًا تسايرهم، قبل أن تنضم بجوار ابنتها أمنية في جنب خاص، لا يعجبها ما يحدث وهذه الفرحة الطاغية، لأشخاص احتلوا مسكنها لينصبوا الفرح على حساب فرحتها هي. - اعدلي وشك يا خيبة، متبقيش زي البومة كدة قدام الناس. همست بها نرجس، وهي تلكزها بكوع ذراعها على خصرها المترهل، فكان ردها هو نظرة حارقة، لترد بالكز على أسنانها: - أنا برضوا اللي بومة، ولا هي اللي ظالمة وقلبها اسود من الغيرة مني، اضحك ازاي ياما؟ وهي هتاخد كل حاجة حلوة بجوازة عنب، بشمهندس زي القمر وعيلة نضيفة طايرين بيها طير، وانا الغلبانة اللي رضيت بقليلي مع ابن خالتي، حتى مش هلاقي اللي يجهزني، بعد ما تغور وتسيبني. جزعت نرجس وانسحبت الدماء من وجهها، ف ابنتها الغبية على وشك فضحها، ابتلعت لتهمس بالضغط على شفتيها بغيظ اختلط برجاءها: - امسكي نفسك يا بت الهبلة هتفضحينا، أجلي كل حاجة بعدين، وشي بقى في الأرض منك. اعتدلت أمنية بجلستها لتردف بغليلها: - ماشي ياما هسكت واعمل نفسي بضحك كمان. صمتت برهة لتهمهم داخلها - كدة كدة الليلة مش هتكمل اساسًا، ابراهيم وعدني. ❈❈-❈ - مدام رباب يا مدام رباب. اجفلت على النداء من خلفها وقد كانت عائدة من الخارج بعد لقاء بأحد القنوات التي استضافتها لشهرتها، بصفة بلوجر وكشخصية مؤثرة لفئة كبيرة من الشباب، التفت إلى صاحب الصوت باستغراب تسأله: - ايوة يا حامد، بتندهلي ليه؟ تقدم الشاب الثلاثني بهيئته الرياضية كحارس تلقى افضل الدروس ليصبح فرد أمن مهم تستعين بها الشركات المختصة بتوظيف أمثاله، دنى برأسه نحوها يقول بصوت خفيض: - انا أسف لو ازعجتك، بس اديكي شايفة اهو، رغم اني الحارس بتاعك، لكن مبقدرش اكلمك بحرف حتى، وعم كريم واقف زي اللقمة في الزور معانا - ايه! تفوهت بها بعدم فهم، لتضيق عينيها بارتياب لأمره، فهم من نظرتها إليه توجسها منه، فقال يقطع عليها حبل افكارها المتهورة: - انا عايزة اقولك على حاجة بخصوص مخاوفك إن يكون في حد بيراقبك. ظهر على وجهها الاهتمام، ولكن ما زال احساس الشك يروادها، فجاء رده المباغت لها: - انا شوفت واحد اظن انه هو اللي بيضايقك ويطاردك. - ايه؟ بتقول إيه؟ هتفت بها ولم تدري أن صوتها صدر عاليًا هذه المرة حتى لفت نظر اقرب حراس الفيلا، فرد هامسًا: - وطي صوتك يا هانم، ولو انتي عايزة تفهمي القصة، ياريت بس حتة مختصرة شوية. أومأت رأسها بتحفز، وتحركت أمامه ليتبعها حتى توقفا بجانب المنزل بالحديقة، لتبادره بالسؤال: - ممكن بقى تفهمني، انت قصدك ايه؟. مرر حامد بكفه الكبيرة على جانبي وجهه وعينيه تراقب في جميع الأنحاء حوله، ليرد بصوت حذر: - شوفي يا هانم، عشان ابقى واضح معاكي، انا حاسس ان السواق بتاعك يعرف البني أدم ده. - عم كريم، ازاي يعني مش معقول؟ تفوهت بها بعد تصديق ليُضيف مؤكدًا لها: - انا بقولك ع الشك اللي في قلبي، ودا مجاش من فراغ، انا عايز بس افكرك بمشوار الصبح لما روحنا نجيب المحروس الصغير، وانتي وقفتي فجأة وخلتيني انزل بس\لاحي ادور. - ورجعت قولت اني ملقتش حد. ردت بحدة مع تذكرها لعودته دون نتيجة، ليزيد من احباطها، مع نظرات الامتعاض من السائق العجوز، فجاء رده بدافعية: - مظبوط يا هانم، انا قولت كدة وكدبت، رغم اني شوفت الولد بعيني، وهو بيجري قدامي ويختفى، عارفة ليه؟ طردت من صدرها زفير محملا بالغضب، بعد سماعها لهذه المعلومات الخطيرة من الرجل المفترض به حمايتها، لترد بنفاذ صبر: - اخلص يا حامد، خلص وجيب من الاَخر، أنا على اخري. اقترب برأسه منها مقربًا وجهه، قبل أن ينزل عينيه عنها ليردف بأسف زاد من دهشتها: - أنا شوفت الولد ده كذا مرة قبل كدة مع عم كريم. صعقت بذهول جعلها تتجمد محلها، أن تكتشف الخطر بهذا القرب منها، وتكون الخيانة من اقرب الأشخاص إليها، كان أكبر من قدرتها على التحمل، طاقة عنيفة هزتها، تماسكت بصعوبة حتى لا تترنح أمامه أو تقع، ولكن عقلها ما زال يعمل لتسأله بتدارك: - وانا اتأكد ازاي من كلامك ده. جاء رد الرجل بثقة واقناع: - انا هحاول بكل جهدي عشان اكشفهولك، واكشف الولد ده كمان قدامك. ❈❈-❈ بعد مشاورات ودية، تخلو من الشروط واللألتزامات وهذه الأشياء المعتاد التحدث عنها في هذه المناسبات الخاصة، وذلك لتساهل مسعود رغم حرصه على تعزيز العروس الغالية، وذلك بفضل مجيدة التي تقدم بمحبة خالصة كل ما في وسعها من اجل إنجاح الأمر، مبتعدة عن التعقيد والتزمت في المطلوب من العروس نحوهم، والتي أثبتت هي الأخرى حسن نيتها بموافقتها على السكن في منزل العائلة، رغم تخيرها في هذا الأمر، لتزيد من فرحهم، ويتم قراءة الفاتحة بينهم عن قناعة، حتى إذا أمم الجميع بانتهائها، اطلقت أنيسة زغروطة حقيقية معتبرة اهتزت لها اركان الشقة، لتصل الى سكان المبنى من الجيران، والمارة على الأرض في المنطقة. - لولولولولويييي. هللت مجيدة بابتهاج غمر صدرها، لفعل المرأة التي اسعدتها بذلك: - الله عليكي يا ست أنيسة يا قمر، أيوة كدة فرحي قلبي. أنيسة بزهو اختلط بفرحة كانت تنتظرها منذ زمن بعيد: - هو انتي لسة شوفتي حاجة، دا كمان لما تيجي الفرحة الكبيرة، مش هتعرفي تلميني من الإزعاج اللي هعمله، وعد عليا، ما هوقف ابدًا دا انا نادراها. - يا روح قلبي انتي، طب يالا بقى الله يرضى عنك يارب سمعيني وطربيني بواحدة تانية، دا انا حاسة قلبي بيهفهف معاها والله. قالتها مجيدة لتنطلق الأخرى مصدرة واحدة اكبر من سابقتها. - لولولولولولولويييي. تدخلت زبيدة بين المرأتين وقد استشعرت رغبة العريس في الانفراد بعروسه، وحرجه من البوح بذلك أمام زوجها: - طب ويعني هو الفرح زغاريط وبس؟ اينعم هي حاجة ع الضيق، بس يعني مفيش مانع لما نشغل سماعة صغيرة حتى، دا احنا اهل بينا وبين وبعض، مش أغراب يعني عشان نستنى دبل ولا شبكة ولا ايه رأيك يا ست نرجس؟ باغتتها بالسؤال لتزبهل بعدم تركيز لبرهة من الوقت، قبل أن تتدارك، لتنهض منتفضة، ملبية طلب المرأة : - اه صحيح، دا احنا عندنا واحد في أؤضة أمنية، هروح اجيبه. قالتها وركضت هاربة من اعين ابنتها التي كانت تطلق شررًا حارقًا، وقد اعتبرته عدونًا سافرًا على أشيائها، همت لتذهب من خلفها تمنعها، ولكن زبيدة اليقظة من خلفها انتبهت لتوقفها قبل أن تتمكن من الخروج من الغرفة، استني عندك يا أمنية، خدي يا حبيبتي الصنية وديها المطبخ. لم تعطيها فرصة للاعتراض، وقد أعطتها ظهرها تهتف بالحضور، - يالا بينا يا جماعة، خلونا نهيص في الصالة ونسيب العرسان مع بعض شوية. سمعت مجيدة بحماس لتنهض ساحبه معه أنيسة والفتيات أيضًا، وتبعهم مسعود على مضض، ليجلس مع امين في ركن وحدهما في الصالة، وتلتف النساء والفتيات حول رؤى يصفقن لها بأيدهن بحرية، وهي ترقص بفرحها بينهن في الوسط، على الأغاني الشعبية السائدة واختلت غرفة المعيشة على الخطيبين، ليكن اول فعل منه نحوها، هو تناول كف يدها ليقبل ظهرها، بعد أن جلس على الكرسي المقابل لها، قائلًا: - شكرًا تعقد ما بين حاجبيها باندهاش مرددة خلفه بتساؤل: - شكرًا! - أيوة شكرًا. قالها ليعاود مسك يدها مستطردًا: - إنك قبلتي بيا، شكرا...... انك بقيتي خطيبتي، شكرًا........ إنك عطفتي على قلبي من جحيم الفكر ونار الشوق لرؤياكي، بعد ما بقيتي النفس اللي بتنفسه، الف شكر. رقة الكلمات باستشعار الصدق الذي تتحدث به الأعين، يصل الروح بالروح، القلب بالقلب، فيذيب الثلوج وينبت ازهار من الحب والعشق بين اثنين كانو غريبين، ليصبحو الاَن حبيبين. لم تعرف بما تجيبه، لم يسعفها عقلها بجملة مفيدة، وقد أسرها بنظراته الصادقة وسحر ما يردف به، عاجزة عن الرد بما يستحقه، مشدوهة بهذا العشق الذي لطالما كذبت نفسها وادعت زورًا انه وهم في خيالها. - ساكتة ليه؟ سألها بتسلية لا تخلو من الرقة التي يغدق عليها بها، وكانت إجابتها مترافقة بهزة خفيفة بكتفيها، قائلة: - مش عارفة، مش عارفة ارد، هو انت لدرجادي بتحبني يا حسن؟ تنهيدة طويلة بصوت مسموع خرجت من صدره بتأثر، ليستند بمرفقه على ذراع الكرسي المجاور له، ليميل برأسه على قبضة يده قائلًا لها: - من غير ما احكي ولا ارغي يا شهد، انا عايزك بس تبصي في عيوني وانتي تعرفي اجابة سؤالك هل هي في حلم؟ أم أن واقعها البائس قد تبدل من وقت ظهوره؟ هذا ما كانت تشعر به وبقوة معه، أسبلت اهدابها عنه بخفر، وافعاله تجبرها على الخجل بدلال تناسته منذ زمن، تحمحمت وأنظارها تتهرب منه، فخرج قولها الممازح باهتزاز: - شغل عيوني بقى وتسبلي واسبلك، هو احنا فينا بقى من الكلام ده يا بشمهندس؟. أطلق ضحكة مدوية اجفلتها، ورأسه يميل إلى الخلف لمدة من الوقت زادت من حرجها، وسعادتها أيضًا، وقد اطربت اسماعها لهذه الرنة الرجولية الخالصة بها، ليردف بابتهاجه: - يعني مش عايزاني أسبلك يا شهد، طب اسبل لمين بس يا ربي؟ أسبل لمين؟ استطاع بخفة ظله أن يضحكها، لينزع عنها تشنجها رويدًا رويدًا، وقد بدأت الاَن تستوعب وضعها الجديد معه. ❈❈-❈ دفعت الباب الخشبي المتهالك، بعد أن فتحته بمفتاحها، لتلج داخل المنزل، عائدة من الخارج، حاملة بيدها العديد من الأكياس بالأشياء التي ابتاعتها، بعد أن اهدرت معظم الراتب الذي تحصلت عليه من عملها، ولم يتبقى سوى القليل، ليكفيها بالكاد كمصروف لها حتى اَخر الشهر، بلهاث امتزج بحماسها القت التحية على جدتها الجالسة على الاريكة الخشبية الوحيدة، ركبيتيها ملتصقة بصدرها، وقدميها على الخشب المثقل رغم قدمه، تشاهد باندماج مسلسلها المفصل في التلفاز الصغير على المنضدة الخشبية القريبة منها ومن الاَريكة: - مساء الخير يا ستي عاملة ايه؟ لم تجيبها كالعادة وظلت على وضعها وهذا التركيز الشديد مع أبطال المسلسل وكأنها داخل عالمهم أو معهم على الأصح. بعدم اكتراث، أكملت مودة السير نحو غرفتها، فهذا الفعل من جدتها ليس بالجديد عليها، بل اليوم تستحسنه، حتى لا ترى ما جاءت به، ولكن وقبل أن تصل لغرفتها، حدث ما كانت تخشاه وانتبهت توقفها بالنداء عليها: - ايه اللي معاكي دا يا مودة؟ إنتفاضة سريعة صدرت منها وجسدها يلتف اَليًا نحو جدتها، تمالكت لتجيب بصوت جعلته عادي: - يعني هيكون ايه بس يا ستي؟ دا طقم جديد جيبته للشغل. استقامت المرأة بجسدها النحيف كحفيدتها لتنزل بأقدامها على الأرض، تخطو نحوها وتقول بريبة، ونظرات الشك تظلل عينيها: - الكياس دي كلها على طقم واحد؟ حاطة في الباقي ايه يا بت؟ كانت في الأخيرة قد وصلت إليها، لتمتد يدها نحو أحدهم تريد جذبه من مودة، والتي وعت لترتد سريعًا بما تحمله للخلف بعيدًا عن الأخرى، تجيبها بلجلجة: - ااا ما انا جايبة معاهم جزمة كمان وكام طقم داخلي وعلبتين كريم عشان الحبوب. - كل ده جايباه؟ قالتها المرأة رافعه كفيها أمامها بتهويل وعدم تصديق، لتردف متابعة ببحة مفاجئة اصابت صوتها، وعينيها تتنقل على الأكياس بصدمة: - يا بت الهبلة يا عبيطة، كل دي فلوس رمتيها في الأرض وعلى حاجات تافهة؟ طب جيبتي تمنهم منيين؟ اوعي تكوني سرقتيني يا مودة. ابتلعت الاَخيرة ريقها وخطواتها ما زالت ترتد للخلف؟ لتجيب بدفاعية؟ وصوت يشوبه الارتباك: - والله ما سرقتك يا ستي؟ دي فلوسي أنا اللي قبضتها من شغلي الجديد..... توقفت فجأة وعينيها انتقلت على جسد المرأة لتقارعها باستدراك: - وانا هسرقك ازاي صح يا ستي؟ وانتي لافة الفلوس حوالين على وسطك؟ بتنامي وتقعدي بيها، دا انتي بتستحمي بيها. بحركة غريزية؟ نزلت المرأة بيدها على خصرها؟ تتحس لفة النقود من فوق قماش جلبابها المهترئ، وبعد أن اطمأنت بوجودهم، رفعت رأسها إليها، متجاهلة ذكرهم في الرد عليها: - ويعني لما تقبضي يا بت الكلب؟ تصرفي فلوسك كلها ع اللبس والمسخرة؟ طب ومصاريف البيت والأكل والشرب، ولا انا هفضل طول عمري اضيع فلوسي عليكي. باستنكار قارب السخرية رغم بؤس ما تردف به: - هوني على نفسك يا ستي، وفري فلوسك اللي مغرقاني بيها دي، انا عاملة حسابي ومخلية اللي يكمل معانا الشهر، طب افرحك أكتر. اضافت بصوت مقلدة طريقتها بالهمس خشية ان يسمعها احد الجيران كما تخبرها دائمًا: - انا جايبة فرختيين بحالهم. - فرختين! - والله يا ستي فرختين وحطيتهم في فيرزير التلاجة كمان. كلماتها أتت بأثر السحر على المرأة؟ وقد تبدلت ملامح الغضب لأخرى بالشغف لأمر الفرختين، جرى ريقها، شاعرة بقرص في معدتها التي جاعت فجأة لتمرر بلسانها على شفتيها، تقول بتوبيخ يتعارض تمامًا مع هيئتها: - يعني بخيابتك ضيعتي الفلوس على الهدوم والفرختين، دا بدل ما تحوشي ولا تحطيهم في جمعية عشان تجهزي نفسك. بشبه ابتسامة لا تمت للبهجة بصلة، طالعت مودة بصمت هذه اللهفة الشديدة على وجه جدتها؛ لخبر الطعام الذي تحرم نفسها وتحرمها منه؟ ببخلها الشديدة وكنز القرش، ليوم لن يأتي ابدًا، ثم ما لبثت أن تفاجئها بقولها: - طب انا جعانة اوي، وقاعدة مستنياكي من الصبح، اعملي أي حاجة ناكلها، ولااا، ولا حتى سوي حتة منهم دول نقسمها على بعض؟ على الأقل نستفاد بمرقتهم . قالتها والتفت لتعود لمسلسلها وأريكتها، تتجنب النظر إليها بحرج، بإشفاق رغم كل ما تعانيه منها، أومأت مودة بهز رأسها مذعنة لها بطاعة: - حاضر يا ستي، ادخل بس وادخل الحاجة اللي في إيدي ع الأوضة وراجعلك حالًا احضر عشا، عن اذنك. ❈❈-❈ وسط حشد النساء القلائل، وفي ظل اندماجها مع رقص رؤى ودلعها مع لينا والفاتنة الأخرى ابنة الرجل الصعيدي ولي شهد وكبيرها في الاتفاقات التي تمت منذ قليل مع قراءة الفاتحة، انتبهت اَخيرًا بعد مدة من الوقت لإشارت ابنها؛ الذي كان يلوح بتردد مع خجله في النظر نحو النساء، على الفور جرت أقدامها المتعبة من الوقفة، لتلبي طلبه. حتى اذا وصلت إليه وقد كان قريبًا من مدخل المنزل، مطرقًا رأسه للأسفل، ولم يرفعها سوى بعد أن شعر بها؛ - نعم يا حضرة الظابط، عايز ايه؟ بابتسامته المعتادة، تطلع إليها قليلًا لتتشبع عينيه من رؤية الفرح الذى انار وجهها وجعلها تزداد جمالُا وتألقًا، ليشاكسها بقوله: - فرحانة يا ست الكل عشان قربتي تخلصي من واحد؟ اومأت بهز رأسها تبادله المزاح: - اوي يا حبيبي، وفرحتي الكبيرة هتبقى لما اخلص منك انت قبل منه كمان. بحركة اعتاد عليها كلما رق قلبه لتحقيق امنيتها، اقترب منها ليقبل أعلى رأسها قائلًا: - ربنا يسهل يا أمي، بس انتي ادعيل.... - متقولش الكلمة ده. قاطعته بها لتفاجأه مستطردة بشراسه، ترفع سبابتها أمامه بتهديد: - وقت والوعود والدعا عدى يا أمين، أنا دلوقتي عايزة فعل، فاهم ولا اقول من تاني. اومأ مقهقهًا بصوت مكتوم يردد بطاعة: - فاهم يا أبلة مجيدة فاهم، تحبي اسمع كمان. نفت بهز رأسها وقد ارتخت ملامحها، وعاد الإشراق لها، لتقترب وتتأبط ذراعه ورأسها تلتف نحو جهة الفتيات، فهمست بمكر: - طب بقولك ايه، ايه رأيك في البنت اللي زي قمر هناك دي؟ - بنت مين؟ سألها بعدم تركيز لتجيبه: - بنت الراجل الصعيدي، انا عرفت ان اسمها صبا. ما زال عقله لا يعلم بما تدبره والدته من فخ له، ضيق عينيه، ليعقب باستفهام: - مش فاهمك يا ماما، وضحي أكتر . استمرت مجيدة على مخططها لتكشفه أمام نفسه: - يعني هيكون قصدي ايه بس؟ البت حلوة وتشرح القلب بطلتها، بصلها كدة، جميلة وتليق بحضرة الظابط صح، دا غير النسب مع والدها الراجل المحترم، وانت شوفته بنفسك. سمع منها والتفت رأسه بالفعل نحو صبا، اعجبه حسنها الافت للنظر بشدة، مع كلمات والدته التي ترن بعقله، ولكن وعلى غير ارادته حادت عينيه عنها، وذهبت نحو من تقف بجوارها، ليتركز كل الاهتمام عليها، جميلة وحيوية، مشاكسة ومستفزة لدرجة تجعل الدماء تضخ داخل أورته بقوة، رغبة في تكسير رأسها العنيد، ثم إشباعها تقبيلا حتى....... نفض رأسه فجأة من الأفكار المتهورة التي طرأت عليها، بسبب التحديق بهذه المجنونة ذات الشعر الأصفر، والسبب والدته، والتي التف إليها قائلًا بغيظ: - انا ماشي يا ماما، عشان لو قعدت أكتر من كدة، مش بعيد اتخانق بسببك. بنصف شهقة وابتسامة خبيثة تلاعبت على ثغرها، وقد خمنت بما يدور برأسه، ردت ببرائة: - تتخانق بسببي أناا؟..... ليه يا بني؟....حصل إيه؟ ضغط بأسنانه على شفته السفلى وجسده يستدير عنها بخطواتٍ ثابتة نحو باب المنزل، يردد بيأس منها: - يا مجيدة، يا مجيدة بطلي لؤمك ده، دا انتي ست.... حقنة. راقبته وهو يغادر بابتسامة تحولت للضحك المكتوم، لتظل على وضعها هذا تطالع أثره، وبرأسها تتوعد له بالمزيد، حتى تصل به إلى نتيجة ملموسة كالتي وصلت إليها مع شقيقه، خرجت منها تنهيدة حالمة لتهم بالعودة إلى فرحها مع الفتيات، ولكن وقبل أن تلتف للناحية الأخرى تفاجأت بهذا البغل قليل الذوق، صاحب المشاجرة الأخيرة مع شهد، يطل أمامها من مدخل الشقة، وقد وقعت عينيه عليها، ليدمدم وانظاره نحوها: - تعالى يابا خش...... دا باينها بقت هيصة واحنا مش واخدين بالنا. قالها ليفسح المجال لرجل ذو هيبة، بجلباب بلدي وهيئة شعبية يقول: - ندخل كدة على طول من غير احم ولا دستور، طب استني نستأذن أصحاب البيت. باستعراض مكشوف دلف ابراهيم يهتف بصوت عالي لفت أنظار الجميع: - ما البيت مفتوح على آخره يابا اهو للأغراب، هي جات علينا يعني، بس اقولك، احنا برضوا ولاد أصول. توقف بخطواته أمام مجيدة ليجفلها بالتصفيق بكفيه يصيح بصوته: - يا خااالتي، يا صاحبة البيت، يا خااالتي . انتبهت له المذكورة كبقية الموجودين، فقد كانت جالسة بالركن مع ابنتها أمنية التي انتفضت برؤيتهم لتسبقها نحو الرجل: - يا اهلا يا عمي، اهلا يا عمي نورت، اتفضل، اتفضل يا عمي. صافحها عابد الورداني وتقدم معها لداخل الشقة بهيبته، لتتلقفه نرجس بترحيبها المبالغ فيه: - يا اهلا يا جوز اختي، نورت الدنيا كلها، اتفضل دا احنا كنا منتظرينك - كنتوا منتظريني! تمتم بها بتهكم واضح، قبل أن يلتفت نحو التي ظلت محلها تتابع ما يحدث بتحفز للاَتي بهذا الدخول الغير مطمئن. - مساء الخير يا ست هانم . ردت له التحية بارتياب: - مساء الخير. قالتها مجيدة لتلتف رأسها بحدة بعد ذلك نحو ابراهيم الذي هتف يجفلها بقوله: - اهي دي تبقى ام العريس يابا، ام العريس اللي دخلت معاه المرة اللي فاتت ساعة الخناقة اياها، فاكر يابا، لما طلعتني غلطان عشان كنت بتكلم في الأصول، وعدم زيارة راجل غريب في غياب الرجالة، اهم كررورها من تاني، وعاملين خطوبة كمان من غير رجالة برضوا. - مين دول اللي عاملين خطوبة من غير رجالة يا واد.؟ هتف بها مسعود وقد كان خارجًا من الشرفة، ممسكًا بيده سجادة الصلاة، التي أنهى عليها فرضه، ليتخطى النساء الاتي توقفن عن التصفيق والرقص، يتابعنه وهو يتقدم بغضبه نحو ابراهيم ووالده؛ الذي اردف موجهًا الكلمات إليه: - في ايه يا حج عابد؟ ولدك داخل يهلفط بكلام مش مفهوم ليه؟ بنظرة غامضة وغير مفهومة رد عابد بلهجة هادئة وكأنه يمتص غضب العرق الصعيدي: - براحة شوية يا عم ابو ليلة، احنا مش جاين نتخانق اصلا، هي العروسة فين؟ خرجت له شهد من غرفة المعيشة، وخطوات حسن تسبقها ليقف بجوارها داعمًا ومدافعًا، ومهاجم اذا لزم الأمر. - أنا اهو يا حج عابد. قالتها شهد تخاطبه بتوجس وعدم فهم، وقبل أن يرد سبقه ابراهيم، الذي اربدت خلجات وجهه بالغضب: - اسم الله، دا الحلوين خارجين من الأوضة اللي كانوا فيها لوحدهم! دي هيصة يابا.... صيحة قوية من مسعود خرجت منه لتقطع استرسال كلماته السامة: - لم نفسك وخلي بالك من كلامك يا واد، شهد مع خطيبها اللي قرا فاتحتها معايا، وانا حاضر لسة مسيبتش البيت ولا مشيت، وهي اساسًا بميت راجل مش في حاجة لحد منينا. - والأصول يا صعيدي ياللي بتعرف في الأصول. هتف بها ابراهيم بطريقة مفهومة رغبة في اشتعال الوضع، هم مسعود أن يقرعه بكلمات قاسية في حق رجولته الناقصة، وأفعاله الرخيصة؛ بذمه في من هي ارجل منه ومن عشر من أمثاله، ولكن عابد فاجئه بقوله: - طب يعني تعملي خطوبة وتعزمي ابو ليلة يبقى الولي قدام عريسك، وانا اللي عشرة العمر مع ابوكي وصاحبه من واحنا عيال صغيرين، متفتكرنيش حتى بتليفون تبلغيني؟ ازبهلت شهد في البداية امام الصدمة التي خيمت على رؤوس الجميع، ليقطع الصمت ابراهيم بصيحته: - انت بتقول ايه يابا؟ بتعاتبها بعد ما داست على هيبتك؟ تجاهله عابد لينتقل بحديثه نحو مسعود يعاتبه: - يعني يرضيك الكلام دا يا ابو ليلة؟ ألقى الاَخير بنظره نحو ابراهيم الذي يحترق بغضبه، قبل أن يطالع عابد بنظرة خبيرة يستشف منها مقصده الحقيقي من خلف كلماته، والذي فاجئه بابتسامة جانببة، رافعًا سبابته أمام وجهه ملوحًا بها وهو يستطرد: - انا لولا اني عارف بمعزتك عندها، ما كنت هفوتلها انها تتعداني ابدًا، مع اني برضوا مضايق عشان خدت محلي في اليوم اللي طول عمري مستنيه. إلا هنا واتضحت الصورة كاملة أمام الجميع لترتخي ملامح ابو لية والعريس ووالدته، وجاء رد شهد المهادن لشهامة الرجل ليزيد على غيظ الأعداء: - سامحني يا عمي، والله كل حاجة جات بسرعة وملحقت حتى افكر. تدخلت مجيدة بسرعة بديهة وقد استوعبت الاَن ما يحدث: - امسحها فيا انا دي يا حج، ابو ليلة انا دخلته في الموضوع من الأول، بحكم معرفة ابني العريس بيه، حكم انا ام العريس. بسماحة متبسمًا، امتدت كف الرجل ليرحب بمجيدة مهللًا: - يا اهلا با الهانم أم العريس، خلاص يبقالي عندك حق عرب . - حق العرب تاخدوا مني انا يا عم الحج. قالها حسن ليبادله الترحيب والمزاح ويتدخل ابو ليلة بوجهه البشوش يدعوه: - ادخل يا حج عابد، دا انت ليك شوجة يا راجل، الساجع يا بت. هتف بالاخيرة نحو صبا التي سمعت لتذعن لأمره وتركض بلهفة نحو المطبخ، وقد ذهب عنها الروع اَخيرًا، بخوفها من إفساد الخطبة، واطمئنانها باكتمال فرحة شهد، بعد أن طمست الفتنة من أولها، تاركة اباها يسحب الرجل ليشاركهم الفرح، وعادت رؤى بإشعال السماعة مرة أخرى، وانيسة اطلقت زغرووطة قوية، ليعلق عليها عابد ضاحكًا مع رفيقه، متجاهلًا ابنه الذي تسمر محله، ومراجل من الغضب تغلي بداخله، وقد خاب ظنه في اباه، ليضيف على غضبه امتهان لكرامته، كما اهدر عليه حقه في تنفيذ ما خطط له، ليسترد جزءًا من هيبته أمام الناس وامامها، أمامها هي سر عقدته، والمسبب الرئيسي للجرح الغائر في أعماقه! اقتربت منه أمنية المحطمة هي الأخرى الاَن بما اصاب خطيبها وزاد على حزنها، لتطبق بأصابعها على كف يده، فتنتشله سريعًا من دوامة من الشرود كاد أن يغرق بها، تلتمس منه الدعم وتؤازره في نفس الوقت، رمقها بنظرة غريبة لم تفهمها، ليطرد من صدره زفيرًا حارقًا، قبل أن ينزع يدها فجأة ويستدير مغادرًا، تصحبه شياطينه، ف التفت نحو والدتها بقهر يملأ صدرها، لتذهب نحو غرفتها غير مبالية بأي شيء حولها، وتوقفت نرجس بسلبيتها المعهودة، تشاهد بصمت كالعادة. ❈❈-❈ عودة إلى رباب التي كانت جالسة أمام المراَة بحالة من الشرود تلبستها، حيرة تفتك برأسها من وقت أن أخبرها هذا المدعو حامد عن السائق وصلته بالذي يراقبها، ماذا تفعل؟ وكيف تصدق وهي لا تملك الدليل؟ وان ثبت صحة ما اردف به الرجل، ماذا سيكون رد فعلها معه؟ والسؤال الأهم والذي يروادها بقوة الاَن، لماذا لا يكن حامد أصلًا له ضلع بما يحدث؟ أو ربما على العكس هو فعلا يساعدها، ويبتغي كشف الحقيقية أمامها، رأسها على وشك الانفجار، وجزع يزداد بداخلها من الإثنان، فكيف يتثنى لها الشعور بالأمان وهي مجبرة على مرافقتهما لها في كل خطوة؟ - رباب. صدرت من خلفها فجأة لتنتفض مجفلة على رؤية انعكاس وجهه المُتجهم في المراَة، يخطو لداخل الغرفة بهيئة انبأتها بصحة ما توقعته، وقد جهزت نفسها إليه، تبسمت لتنهض عن مقعدها وتلتف لاستقباله ملبية النداء بنعومة تجيدها: - نعم يا بيبي، حمد الله ع السلامة. ارتباك طفيف طغى سريعًا على ملامحه، بعد أن جالت عينيه عليها مجبرًا، مع انتباهه لما ترتديه من منامة قصيرة جدًا، كاشفة عن معظم جسدها بإغراء، وقد زينت نفسها، لتقف بميل ودعوة صريحة للفتنة تناظره بوداعة في انتظار رده، ابتلع ريقه ليجلي حلقه اولًا، يستدعي الجدية في قوله: - منعتي الولد عن ماما ليه النهاردة؟ وقفلتي في وشها السكة؟ - أنااا. تفوهت بها تشير بكف يدها على نفسها، لتعيد انظاره إلى ما ترتديه، واقتربت بخطواتها المتمايلة لتزيد من تشتيه، فتقف أمامه تقول ببرائة: - ان شالله يارب اموت لو عملت كدة، دي هي اللي زعقتلي عشان بقولها اني عايزة اروح بابني التمرين واحضره، واسألها حتى ان كنت غلطت فيها. استغلت تركيزه معها لتزيد من اقترابها اكثر، ورائحة العطر الباريسي الذي اغرقت به نفسها يذهب بعقله، لتمتد يدها وتتلاعب بزرائر قميصه ألاسود، تتابع: - الولد هو اللي أصر اني اروح معاه النهاردة يا كارم، وانا صعب عليا ومقدرتش ازعله. ظل على وضعه صامتًا تحت تأثيرها المغوى، بهذه النظرة التي تعلمها جيدًا منه، لتكتنفها حالة من الانتشاء لنجاحها في ذلك، فزادت لتسطيل بجسدها، رافعة نفسها على أطراف أصأبعها، لتطبع قبله فوق خده، لتقول: - هو انا اقدر يا قلبي على زعلك ولا زعل مامي. بفعلها الاَخير ازداد اشتعال عينيه، ليطبق فجأة على كفه يدها يأمرها بأنفاس ساخنة وتسلط لا يفارقه: - اطلبي مني الأول قبل ما تتصرفي من مخك تاني. اومأت بهز رأسها، لتكن كالقطة المطيعة، وتجاريه بعد ذلك في رغباته بحرارة تجيدها من أجل ترويض غروره، والحصول على ما تبتغيه منه. ❈❈-❈ في اليوم التالي. استيقظت مودة بين كوم الملابس والأشياء التي ابتاعتها بالأمس لتنام ليلتها بينهم كطفلة في ليلة العيد، تنتظر الشروق حتى ترتدي الجديد، بسعادة طالعتهم وقد افترشوا الفراش بجوارها على التخت ، قبل أن تنهض بهمة ونشاط دؤوب، لتغتسل سريعًا في حمام منزلها القديمة، ثم تناولت شطيرة من الجبن بالخبز البلدي، قبل أن تعدوا عائدة بمرح لتبدل العباءة المنزلية، بهذه الفستان الرائع، والذي ظلت تلتف به أمام المرأة لفترة طويلة من الوقت، تتحرق داخلها لترى نظرة زملائها لها في الفندق بهذا الفستان الافت بنقوشه الزاهية والتي تذكرها بألوان الربيع، حتما ستتغير نظرتهم إليها. تنهدت بحالمية لترتدي الحذاء الجديدة، ثم تنثر رائحة العطر وقد اجادت بحرفية وضع المساحيق على وجهها، فلم يتبقى سوى الذهاب إلى العمل، باطلالتها الجديدة الجاذبة للنظر، تناولت حقيبتها تبحث عن مفتاح المنزل، لتنذكر وضعه بالسترة القديمة التي عادت بها من التسوق، بحثت عنها لتجدها وسط كوم الملابس المتسخة والتي رمتها دون تركيز اثناء خلعها بالأمس، نظرا لانشغالها في تحضير الطعام لجدتها، ثم انشغالها بتجربة الأشياء الجديدة امام المراَة حتى نامت بينهم. اخرجت المفتاح لتتذكر فجأة الخاتم الذي وجدته في محل الملابس، وشكله الرائع، بحثت سريعًا داخل الجيب والجيب الاَخر ولم تجده. عادت للبحث مرة أخرى تلعن غبائها، كيف لها أن تنسى شيء كهذا، حينما يأست، القت السترة لتبحث بين بقية الملابس، لربما وجدته ببنهم، وقبل أن تتفحصهم بدقة تفاجأت بصوت الجرس المزعج القديم وطرق عنيف على باب المنزل، جعل جدتها تردف بالسباب عليها وعلى الطارق، لتنهض مجبرة حتى ترى من القادم. فتحت لتفاجأ بعدد من الوجوه، شكلها لا ينبئ بخير على الإطلاق. - آنسة مودة. قالها الرجل الأول ذو الهيئة الجامدة والباعثة على الرعب، لتجيبه على الفور: - أيوة حضرتك أنا مودة، بس انتو مين ؟ جاءها رد الرجل بنبرة قاطعة: - احنا قوة أمنية مكلفة بالقبض عليكي، بتهمة سرقة خاتم الماظ تمنه ربع مليون جنيه. .... الفصل الخامس والعشرون تقلبت يمينًا ويسارًا عدة مرات بمقاومة غريزية لعدم الاستيقاظ، وهذا الصوت المزعج لا يتوقف، دوي مكتوم من هاتفها الذي لا تعي أين وضعته بعد أن غلبها النوم اثناء محادثة الأمس. توقف فجأة الصوت لتتنفس براحة باعتقاد ساذج ان ألضجيج قد انتهى، قبل أن يعود مرة أخرى لتنتفض مجبرة على الأعتدال تبحث أسفل الوسادة وبجوارها على الفراش، تريد العثور عليه حتى تغلقه نهائيًا. اَخيرًا عثرت عليه، وقد كان على حافة الفراش وعلى وشك أن يقع. تناولته سريعًا وقبل أن تهم بغلقه، تفاجأت بالأسم المدون، " سون سون💗 My Love" يتصل بك. - يا مصيبتي. دمدمت بها مرفرفة بأهدابها بعدم استيعاب قبل أن يعود إليها وعيها جيدًا وتتذكر وضعها الجديد، وخطيبها المزعج الذي لم يرحمها منذ الأمس باتصالاته، وقد دون بنفسه هذا اللقب المخجل لها على الهاتف الذي تناوله منها في جلسته معها، بجرأة لم تعتاد عليها من أحد قبل ذلك. همت لتنفيذ ما نوت عليه بإغلاق الهاتف ولكن قلبها لم يطاوعها، وفتحت تجيبه رغم تعب الرأس الذي يفتك بها: - الووو... صباح الخير. - صباح الورد والفل والياسمين، اخيرًا القمر حن ورد عليا، وحشتيني. قال الأخيرة بحرارة جعلتها تبتلع ريقها بتفكير مضني للبحث عن كلمات تناسب رقته، فجاء ردها بتعلثم: - ااا وانت كمان... وانت كمان وحشتني يا...حسن. - أحلى حسن دي ولا ايه؟ حبيبي يا مقاول حياتي انت. ابعدت الهاتف عن أذنها مغمغمة بصوت خفيض يشوبه الإستغراب: - دا شارب ع الصبح دا ولا ايه؟ - شهد! - أيوة يا حسن انا معاك هو . قالتها وقد عادت بالهاتف ملبية النداء، لتتابع بحرج: - بس يعني..... هي الساعة كام معاك دلوقت؟ - الساعة سبعة، بتسألي ليه؟ قالها ببساطة وكأنه يخبرها بأخبار الطقس، أغمضت عينيها لتتمالك حتى لا تخطيء في الرد، فخرج صوتها اَخيرًا برجاء: - يا حسن انا بسأل عشان مستغربة، إمتى لحقت تنام؟ عشان تصحي بدري كدة؟ دا احنا فضلنا ع الشات لقريب الفجر. جاء رده بمكر مشاكسًا: - اَه لما نمتي مني.... ضغطت على شفتها بحرج، ولم تستطع الرد عليه ليزيد عليها بضحكه مستطردًا" - يا قاسية يا ام قلب جامد، دا انا فضلت اهاتي وابعت في الرسايل انده عليكي لما تعبت وفي الاَخر استسلمت وودعتك مجبر، بس بصراحة بقى، أنا معرفتش انام غير يدوب ساعتين خطف، وصحيت بسرعة عشان اكلمك واتصبح بصوتك، ها بقى عاملة إيه؟ - هاا قالتها لينطلق بموجة من الضحك مرة أخرى، فتغضنت ملامحها بحنق حقيقي هذه المرة حتى كادت أن تبكي في ردها عليه: - إنت بتضحك عليا يا حسن عشان مش مركزة، وانت فايق ومروق، ربنا يسامحك. بمهادنة سريعة منه، رد بصوت جمع بين اللطف والحنان: - لا لا لا من غير زعل يا قلبي، انا بس بناكفك عشان تفوقي وتصحيلي، الساعة سابعة وانا قايلك من امبارح هعدي عليكي بالعربية عشان نتفسح. - طب والشغل يا حسن؟ قالتها متحججة لتتنصل قليلًا من حصاره وهذه الشبكة من المشاعر التي يحاوطها بها، في وضع جديد لم تعتاد عليه قبل ذلك، فحياتها الجافة وداومة العمل والمسؤولية جعلتها وكأنها اسلوب حياة في الوحدة والتكيف معها، ولكنه كان لها بالمرصاد: - مجاتش على يوم يا شهد، ثم اعملي حسابك يا قمر، احنا من هنا ورايح هنبقى مع بعض على طول، حتى الشغل هحاول انظمه معاكي، عشان نخلق وقتنا الخاص بينا، على ما نجتمع في بيتنا لوحدنا يا قلب سون سون. - يا لهوي تاني سون سون. تمتمت بها بعدم انتباه لتصل إليه، فقال حازمًا يجفلها: - أيوة يا شهد، هتدلعيني بسون سون أو سونة، وانا هقولك يا شوشو، دي مفيهاش جدال ما بينا، عشان يبقى في علمك يعني، تمام يا شوشو. - تمام يا سون سون قالتها بابتسامة جميلة ارتسمت على ثغرها، وقد نجح في استدراجها لتجاريه فيما يريد . ❈❈-❈ ليلة طويلة من السهد والتفكير المقلق قضتها، رغم ادعائها السعادة والتصنع معه بذلك، لتضيف على إرهاق ذهنها بمعلومات الأمس التي زادت عليها بأضعاف، حتى أنها لم تحتمل مرافقته الغرفة إلى الصباح، وتركته فور شعورها باستغراقه في نوم عميق، لتأتي إلى غرفتها الخاصة بالتصوير والبث المباشر لمتابعينها، وجلست بشرفتها حتى غفت على كرسيها، ولم تستيقظ سوى على لمساته في الصباح الباكر، ليكون وجهه اول ما تقع عليه عينيها في بداية يومها؛ - صباح الخير. قالها بصوت متحشرج بأثر النوم، شعر رأسه المبعثر بعدم اهتمام، عاري الجذع بهيئة طبيعية كباقي البشر، قبل ان يرتدي حلته، ويرتدي معها ثوب القوة والسلطة المتمسك بها منذ نشأته العسكرية مع والده، بوسامة غير متكلفة، هذا الوجه الذي كانت تعشقه قديمًا، قبل أن تكبر وتعي بالعيوب القوية بشخصيته، والغير قابلة على الإطلاق لتغيرها. - صباح النور تمتمت بها بعد فترة من تأملها الصامت له، مع استرخائها للمسات اصابعه الحانية على بشرتها، فعاد بمخاطبتها: - صحيت وملقتكيش جمبي، قومتي ليه وسيبتني؟ اعتدلت هذه المرة لتجيبه بارتباك: - ممعلش، بس انا بصراحة مكنش جايلي نوم، خوفت لازعجك، واقلق نومك إنت كمان معايا بحنان نادرًا ما يصدر منه، تفاجأت به يقترب يقبلها على وجنتها، يجفلها بقوله: - وماله يا قلبي كنت صحيت معاكي عادي يعني. قالها ثم توقف برهة ليخيب ظنها البريء بقوله: - ساعتها كنا هنستغل الوقت بقى في أي حاجة، شغل، رياضة، نكمل ليلتنا الحلوة، المهم اننا نتعب وننام بعدها، بدل ما تقعدي لوحدك. اخفت بصعوبة عدم رضاءها، لتومي برأسها تدعي الاقتناع مغتصبة ابتسامة كرد له، فنهض فجأة مررًا كفه الكببرة على شعر رأسها قائلًا بمداعبة: - يا للا فوقي بقى واصحي، يا تفردي ضهرك ع السرير، بدل نومة الكرسي المتعبة دي. بفعل كانت غير مخططة له على الإطلاق، اعتدلت تمسك بكفه توقفه، قبل أن يبتعد لتسأله: - كارم هو انت بتحبني؟ القى نظرة على كفها المطبق على يده، ليطالعها بابتسامة متسلية ورد غير مفهوم: - أنت شايفة إيه؟ ودت أن تخرج ما في صدرها وتصارحه بكل مخاوفها وهواجسها، بالإضافة لجرح قلبها من خياناته المستمرة لها، ولكن غموض نظراته وتلاعبه المقصود حتى في الرد عن هذا السؤال الهام لها، جعلها تتراجع بتصميم أكبر على المضي قدمًا في النهج الجديد معه، وهو التعويض عما كسر بداخلها أو خسرته، بالحصول على أكبر قدر من المكاسب منه، فقالت بابتسامة متلاعبة: - مش بالشوف يا كارم، بالأثبات يا قلبي، اثبتلي انك بتحبني. اطلق ضحكة مجلجلة ليقرصها في خدها قائلًا : - حبيبتي الطماعة، كل حاجة عندها بتمن..... لكن انا برضو سداد. ختم بتقبيل الجزء الذي قرصه، قبل أن يتركها ذاهبًا، ولكنها استدركت تهتف لتوقفه مرة أخرى قبل أن يمسك بمقبض الباب: - طب انا عندي ليك طلب يا كارم. طرد من صدره زفير كثيف قبل أن يلتف نحوها يقول بسأم: - عايزة ايه تأني يا رباب؟ - عايزة اغير السواق والحارس. سألها باهتمام مستغرب الطلب: - ليه يعني؟ كان من الممكن أن تخبره بالسبب الحقيقي وهو التشكيك في الأثنان، ولكن بعند منها، فضلت عدم الافصاح، قائلة بكذب: - هو كدة انا عايزة اغيرهم، مش انت بتحبني وبتنفذ كل رغباتي، انا بقى بقولك اهو اني مش طايقة الاتنين. رمقها لمدة من الوقت صامتًا بتفكير، ثم ما لبث أن يأخذ القرار وهو يتحرك ذاهبًا: - حاضر يا رباب، اصبري بس على ما الاقي اللي يحل مكانهم. - يعني اصبر لأمتى بالظبط؟ هتفت بها خلفه، ولكن لم يستجيب وتابع طريقه نحو الوجهة التي يقصدها، لتسقط هي على الكرسي من خلفها، ودائرة من الحيرة تبتلعها ❈❈-❈ خرج من غرفته يتخايل بخطوات متأنية مقصودة في طريقه ليتناول وجبة افطاره على المائدة التي ارتصت بالإطعمة الخفيفة بعدة انواع، وكان في انتظاره والدته وشقيقه الذي كان يرمقه بامتعاض معلقًا: - اهو خرج اهو المحروس، بقالنا ساعة ننده ومنتظرين طلتك البهية يا سي الحبيب. ناظره حسن من طرف أجفانه ليدنو من والدته طابعًا قبلة على خدها قائلًا بتجاهل متعمد للاخر: - صباح الخير يا ست الحبايب، سامحيني لو اتأخرت عليكي، بس انتي عارفة بقى المشغوليات ضحكت مجيدة تنقل بنظرة ماكرة نحو ابنها الأكبر، قائلة باندماج معه: - صباح الخير يا قلب ماما، عارفة يا حبيبي ومقدرة، طول الليل سهران، انا خدت بالي من نور الأوضة اللي ما اطفاش غير بعد الفجر. تنهيدة طويلة خرجت من حسن وهو يجلس ورأسه تهتز بدراما مستهبلًا: - حقيقي بجد السهر تعبني أوي يا ماما. - يا قلب امك يا خويا. عقب بها أمين متهمكمًا بغيظ، لتباغته مجيدة بتوبيخها: - ولد عيب، هي الالفاظ اللي بتتقال هناك في القسم، هتتقال هنا كمان في البيت؟ صاح بها أمين منفعلًا يستنكر قولها: - امال عايزاني اقول ايه بس يا ماما مع فقع المرارة ده، يعني المحروس يفضل يحب طول الليل في التليفون، وجاي معانا احنا الصبح يعملي فيها التعبان، وانتي كمان بتجاريه في الدلع المرئ بتاعه ده؟ تخصرت مجيدة تقارعه بقولها: - وما ادلعهوش ليه يا حبيبي ان شاء الله؟ مدام مراضيني وهيريح قلبي بجوازه.... - وهجيبلك أحفاد يا ماما. قالها حسن بإضافة دغدغت مشاعرها وزادت من حنق الاَخر، وهو يتابع تأثر والدته: - يا نور عيني يا حبيبي انت، ربنا يرضى عنك يارب زي ما مراضيني. قالتها وتناولت طبقًا كبيرًا من البيض المقشر لتضعه أمامه، بتدليل صريح، تقبله منها بابتسامة ممتنة، طابعًا قبلة أخرى على كف يدها، ليصيح بينهم أمين معترضًا: - الله بقى، دا احنا دخلنا كمان في التفرقة، بتفرقي بين ولادك يا مجيدة، تزغطي في الباشا وتدعيلوا، وانا بقى اتفلق. بهزة برأسها التي التفت نحوه، أومأت بتأكيد وإصرار: - اعمل زيه وانت تتساوى في المعاملة، بسيطة أهي. لوك أمين اللقيمة في فمه، وتعبير الحنق يعلو قسماته، ثم جاء دوره في اصنطاع الدراما لينكر بكذب مفضوح: - يعني بتذليني يا مجيدة، عشان ملقتش بنت الحلال اللي ترضا بيا، عكس المحروس اللي ربنا وفقه في اللي البنت اللي بيحبها، محظوووظ . - الله اكبر. هتف بها حسن مكبرًا، وفمه ممتلئ بالطعام، لينهض فجأة، رافعًا طبقه معه قائلًا: - يا ناس يا شر كفاية قر، انا نفسي اتسدت يا ماما، هروح اريح في اوضتي بقى عشان حاسس اني فرهدت، طاقة الجو هنا مش مبشرة خالص يا ماما على مشاعر الواحد وأحاسيسه، عن اذنك بقى....... قالها والتف مغادرًا، غمغمت من خلفه مجيدة بنزق نحو الاخر: - كدة برضوا تسد نفس اخوك، اخص. - اسم الله على اخويا اللي نفسه اتسدت، دا هبش طبق البيض كله. قالها أمين ردًا عليها، قبل ان ينتبه لقول الاَخر، والذي التف إلى والدته يخاطبها قبل دخول غرفته" - متنسيش بقى يا ست الكل تجيبلي كوباية الشاي وحتة كيك معاهم، ماشي. - ماشي يا روح قلبي. قالتها مجيدة ليباغتها أمين بسؤاله: - كيك إيه؟ هو انتي عملتي كيك؟ ردت مجيدة تدعي الانشغال في الطعام: - لا يا حبيبي، دي الست أنيسة ادتني صنية من اللي عملتهم هدية امبارح في الخطوبة وانا حطيتها في التلاجة عشان اخوك لما يحب ياكل منها..... - على جثتي...... هتف امين يقاطعها ليتابع وهو ينهض ملوحًا بسبابته، وبتهديد صريح: - يعني هو يحب في التليفون وياكل كيك كمان، على جثتي يا مجيدة، الصنية في التلاجة محدش هيهوب ناحيتها، ولو حصلت أخدها معايا القسم، هعملها يا مجيدة، وان شالله حتى افرقها ع المساجين. قالها ونهض مغادرًا من أمامها، لتعقب من خلفه: - دا انت بقيت صعب اوي يا أمين . رمقها مضيقًا عينيه بشر قبل أن يختفي داخل الطرقة المؤدية للمطبخ، لتنطلق هي بضحك مكتوم من خلفه متمتمة: - يا ولاد المجنونة. ❈❈-❈ - والله ما سرقت، والله ما سرقت حاجة، جيبولي المصحف احلف لكم لو عايزين، انا مسرقتش وربنا اعمل ايه عشان تصدقوني... - بــــــس، وقفي بقى الله يخرب بيتك . هدر بها ضابط التحقيق بعد أن فاض به من ثرثرتها المستمرة من وقت أن دلفت إليه. افتر فاهها لتفتح مرة أخرى في وصلة البكاء والتنديد بظلمها، ف أشار الضابط يوقفها بكف يده التي لوح بها أمامها، ليفاجئها بجهاز الحاسوب الذي تلاعب به قليلًا، ليخرج لها دليل إدانتها: - إيه ده؟ لوح لها بسبابته كي تقترب من سطح المكتب؛ الذي ثبت عليه الحاسوب لمستوى نظرها، كي تشاهد المعروض على شاشته. دنت برأسها لتجد نفسها في موقع اظهرها بالكامل وكأن كاميرا مخصوصة وضعت لها في زاوية مختفية، لتظهر بوضوح صورتها من وقت أن جلست على الكرسي الخشبي بجوار المكتب الزجاجي لصاحبة المحل، ثم جلسة التأمل في كل ما حولها حتى أتتت على الخاتم الذي كان على الارض، وتناولته لتتأمل به بانشداه قبل أن تضعه بجيب سترتها؛ الذي اخذ نصف الشاشة ، قبل أن يظهر طول جسدها بالكامل وهي تغادر مع ميرنا، بصدمة جعلت رجفة من الزعر تزحف على طول سلسلة ظهرها، بنظرة ساهمة تسمرت مودة عدة دقائق تبتلع ريقها قبل ان تصيح بإنكار مكشوف وسيل من الدموع يبلل وجنتيها: - دي واحدة غيري والنعمة يا باشا، مش انا، مش انا والنعمة........ أوقفت لتبكي بحرقة افقدتها الباقي من حجج كاذبة تخلتقها لتنجي نفسها، مما جعل الضابط يفقد اعصابه، ليضرب بكف يده على سطح المكتب صائحًا بعنف ونفاذ صبر على رجل الأمن خارج الغرفة. - يا مدبولي، انت يا مدبولي، دخل الست اللي عندك. على الفور دلف الرجل ليمتثل بتحية عسكرية ملوحًا له، وبصوت جهوري: - تمام با فندم. ثم بنصف استداره التف برأسه للخلف قائلًا: - اتفضلي هانم . قالها لينحي نفسه من أمام السيدة التي دلفت بهيئة ملوكية، تلقي نظرة ازدراء نحو مودة التي جف ريقها وانسحبت الدماء منها لتبدوا بهيئة كانت ستبدو مثيرة للشفقة نحوها، لو في وضع اخر غير هذا الوضع المدانة فيه. - اتفضلي اقعدي يا هانم. قالها الضابط مبادرًا بالحديث مع المرأة التي جلست على المقعد، لتقول وعينيها عادت مرة أخرى لمودة: - الف شكر يا سعادة الظابط، انتو جيبتو الحرامية؟ صاحت مودة مستهجنة بإصرار غبي على الإنكار:. - حرامية مين يا ست؟ هو انا اعرفك؟ بهدوء قاتل، رددت ناهد من خلفها ترمقها بنظرة كاشفة : - يعني انتي متعرفنيش يا مودة ولا حتى اشتريتي مني الفستان اللي انتي لابساه ده؟ ابتعلت مودة لتنزل بنظرها نحو ما تريديه، وقد ضُحضت منها جميع الحيل، في جري\مة سقطت بها من رأسها حتى أخمص قدميها، بدون قصد منها، انها لم تدخل المحل بغرض السرقة أصلا، لقد كانت تبتغي شراء الفستان وفقط، من أين ظهر لها هذا الخاتم لتتعامل معه بطبيعتها وتضعه بجيب السترة بدون تفكير، ليتها علمت بقيمته كي تُشغل عقلها قبل أن تأخذه كما تأخذ زجاجات الروائح والأشياء الخفيفة التي تسعدها من غرف رواد الفندق، والتي لا تعني لهم شيء، لكن بالنسبة لها، هو السعادة نفسها. - فوقي يا مودة، انتي سرحانة في ايه؟ صدرت من الضابط بصوت عالي أجفلها لتنتفض مزعورة على واقعها الأليم، ثم تتابع قول الضابط للمرأة: - يعني انتي كدة يا ناهد هانم، بتأكدي إن البنت دي هي اللي سرقت؟ - انا متأكدة مية المية يا باشا. قالتها المرأة بثقة قبل أن تُجفل بسقوط مودة مغشيًا عليها على الأرض الصلبة أسفلها. ليصيح على أثرها الضابط منزعجًا: - يا مدبولي، انت يا مدبولي، تعالى شوف البنت دي ولا جيبلها أي زفت يفوقها. ❈❈-❈ بداخل الغرفة التي تعمل بها، وبقلق يتعاظم مع كل دقيقية وكل اتصال تجريه على هاتف الأخرى ولا يأتيها الرد غمغمت صبا بضيق: - استغفر الله العظيم يارب، دي مالها دي؟ التفت شادي هذه المرة ليسألها بعد فترة من التريث مع انتباهه لهذا التغير الملحوظ بها: - مالك يا صبا؟ ومين دي اللي طلعتك عن شعورك؟ وكأنها كانت في انتظار سؤاله، ومشاركة احد ما خوفها: - قصدي ع البت مودة، أصلها غايبة عن الشغل النهاردة وبتصل بيها من الصبح لكن مفيش أي رد، دا حتى سواق الأتوبيس بتاع الشغل، لما سألته عنها قالي انه قعد فترة طويلة في انتظارها، وهي حتى مكلفتش نفسها تبلغه غيابها أو تاخيرها، انا مش فاهمة، البت دي اول مرو تعملها . في غمرة استرسالها في هذا الأمر الهام لها، كان هو يركز مع كل كلمة توافق تعبيرات وجهها القلقلة بصورة ضايقته لحزنها، فقال بنبرة مهدئة: - طيب براحة على نفسك طيب، ما يمكن التليفون فاصل شحن ولا حصل معاها ظرف طارئ، مش لازم تكون حاجة وحشة حصلت معاها يعني؟ بعدم اقتناع حركت رأسها، وازدادت ملامحها وجومًا، لتردف: - مش مطمنة، الغياب المفاجئ ده وهروبها امبارح قبل ميعاد الأنصراف، دي غير انها متصلتش بيا تاني من وقت ما قالت انها عاملالي مفاجأة. بابتسامة ودودة رد يطمئنها بكلماته: - طب مش يمكن كل اللي بيحصل منها ده، من ضمن خطتها في المفاجأة اللي عملاها، اصبري شوية يا صبا، وتوقعي الخير، علٌه يكون كذلك. تنهيدة مثقلة صدرت منها بامتثتال لقوله، لتردف وهي تفكر بصوت عالي معه: - يمكن يكون صح زي ما بتقول، خصوصًا يعني ان انا نفسي كنت مشغولة عنها امبارح، في خطوبة شهد، رغم انها كانت ع الضيق، بس كانت ليلة جميلة اوي. - شهد دي اللي تبقى بنت صاحب ابوكي زي ما قولتي امبارح؟ قالها بتذكر جعل ابتسامة ساحرة تزين ثغرها، لتعقب بمرح: - إيه ده؟ ما شاء الله، دا انت عندك ذاكرة قوية في انك تفتكر حاجة زي دي، انا نفسي قولتها من غير تركيز . - انا عمري ما اغفل عن أي تفصيلة تقوليها أو شيء يخصك. ود أن يقولها بصوت واضح لها، ولكن الجزء اليقظ بداخله، جعله يتراجع، ليخرج بقول روتيني في هذه المواقف - المهم انك فرحتي يا صبا، عقبالك انتي كمان. خبئت ابتسامتها المبتهجة ليحل محلها واحدة أخرى، ليس لها معنى، مما جعلها ترتد عليه بضيق، يسألها بريبة: - ليه يا صبا التغير ده؟ هو انا قولتلك حاجة وحشة؟ بدا على وجهها الحرج وهي تتهرب بعينيها نحو الملفات المرتصة على سطح المكتب أمامها، وجاء ردها بغمغمة: - لا طبعا انت مقولتش حاجة وحشة، دي حاجة بتتمناها كل البنات، بس.... توقفت فجأة وتوقفت النبضات بقلبه في انتظار ردها الذي جاء متأخرًا، بعد أن ارتفعت انظارها إليه، فيُقابل بهذا الوميض الغريب بعينيها: - بس للأسف ابويا مش سايبلي فرصة للحلم، حاصر خياراتي في البلد وولاد عمي، وحكاية اقنعه إن الدنيا براح وولاد الحلال في كل حتة، مش بس في البلد وولاد عمي، حاجة أشبه بالمستحيل. غصة مؤلمة شقت حلقه ومرارة الحزن بصوتها شعر بها بداخل جوفه، مع شيء آخر بنظرتها لا يجد له تفسير، بصعوبة حاول تجاوز الألم بصدره، ليسألها بفضول: - طب وانتي رافضة البلد والجواز من ولاد عمك ليه؟ أجابته بسهولة وجرأة المدافع عن حقه في الحياة: - مش عيب في ولاد عمي ولا البلد، بس أنا مش عايزة ابجى نسخة من خواتي البنات، ولا حريم خواتي اللي هما برضوا بنات عمي، انا رافضة جواز الجرايب من الأساس، ورافضة العيشة في القرية، انا حبيت المدينة ودا حجي. ردد من خلفها بتأيد ومؤازرة، بنبرة تبدوا عادية، ولكن صداها داخله كان يصدح بصراخ: - طبعا حقك يا صبا، وحقك تختاري اللي انتي عايزاه كمان. - طب ادعيلي. قالتها بلهجة تقارب دلالها الفطري الذي بات معتادٌ عليه منها، وهي تنهض فجأة عن كرسيها، تجفله بقولها: - انا رايحة قسم مودة، اشوفها جات ولا لسة، ولا اعرف حتى إيه الأخبار؟ لتكون وصلت أو بلغت غياب. ظل صامتًا ولم يرد، حتى غادرت الغرفة ليتمتم من خلفها: - يارب يحصل يا صبا، يارب ❈❈-❈ في المخزن الخلفي لدكان المعلم عابد الورداني، فتح العامل الباب على مصراعيه بغرض تناوله لبعض الأجولة المخزنة، وما أن دلف بخطوتين للداخل حتى تفاجأ بسبة وقحة أجفلته منتفضًا، ليدمدم بخوف غريزي، قبل أن ينتبه على صاحب الصوت: - بسم الله الرحمن الرحيم، مين؟ معلم ابراهيم . اعتدل الاَخير عن نومته فوق ألاَريكة الخشبية الوحيدة، ليجلس زافرًا بنعاس، عينيه لم يفتحها جيدًا بعد، بشعر اشعث ووجه متجهم، اثار القلق بقلب العامل ليردد له باعتذار لا يخلو من الريبة: - انا اسف يا معلم ابراهيم لو كنت صحيتك، بس يعني.... هو انت من امتي نايم هنا؟ ازداد تجهم ابراهيم لينفر من انفه وفمه زفرة حانقة، وأصابعه تهرش في سمانة القدم الذي رفعها على الاَريكة بجواره، متمتمًا بفظاظة ليست بغريبة عنه: - وانت مال أهلك؟ انام هنا ولا هناك، دا شيء يخصني. أومأ العامل برأس مطرقة بحرج، ليتابع طريقه نحو الداخل يدمدم باعتذار اَخر: - حقك يا معلم حقك..... - استنى هنا ياض. هتف بها إبراهيم مقاطعًا الفتي ليوقفه امرًا: - استنى قبل ما تدخل جوا ولا تاخد حاجة، روح ع القهوة اللي في اخر الشارع، هاتلي كوباية شاي اتصبح بيها. - بس انا مقدرتش اتأخر، المعلم عابد مستني الطلبية في الدكان عشان نظبط الحسابات والدنيا هناك. قالها الفتى باعتراض على تخوف من نوبة غضب ابراهيم، والذي ثار على التوقع هادرًا بشراسة ووجه مقلوب: - ما تولع الطلبية ولا تتنيل تستنى، اخلص ياض هات كوباية الشاي وبعدها اعمل اللي انت عايزه، انا أساسًا قايم مخنوق ونفسي افش خلقي في حد. انتفض الفتى ليذعن صاغرًا على غير ارادته، وذهب لتنفيذ أمره مغمغمًا بكلمات حانقة وغير مفهومة. تبع اثره حتى اختفى ليتناول من جيب بنطاله علبة السجائر والقداحة، ليضع واحدة بطرف فمه يشعلها، يسحب الانفاس منها بنهم، ثم ينفث الدخان الكثيف في الهواء، متذكرًا سبب نومه هنا. لقد كانت ليلة بشعة بكل ما فيها، ليلة اعادت عليه ذكريات سوداء، كان يظن أنه تجاوزها وتناساها، كلمة حريق، هي أقل وصف لهذا الذي شعر به وقت رؤيتها بصحبة المتحذلق خطيبها المزعوم، ملعونة وجميلة كسابق عهدها قديمًا، مدللة أبيها التي كان يفتخر بها، ويتسابق الجميع لنيل رضاءها، حينما كانت حلم شباب المنطقة! وقد كان أبلهًا بولهه بها كالبقية، تحركه مشاعر غبية واحلام مراهقة، وقد ظن أنه على وشك الفوز بها، قبل أن تصدمه بعنجهيتها عليه، وتقلب أيامه بجحيم رفضها...... وكانت القاسمة بعد رحيل والدها..... - الشاي يا معلم ابراهيم. هتف بها العامل يقطع عنه استرسال ذكرياته، ليقترب منه واضعًا الكوب الساخن ومعه قنينة ماء، فاعتدل ينثر بطرف سبابته رماد التبغ المحترق من السيجارة ، وتناول الهاتف يفتحه اخيرًا ليرى كم الرسائل والاتصالات المهولة من خيبته الأخرى أمنية، بعدم اكتراث ضغط على الشخص الوحيد المهم إليه، ليصله الاستجابة السريعة منها: - ايوة يا ابراهيم انت فين يا بني؟ ابوك قالب الدنيا عليك. - الوو ياما، انا معاكي اهو بخير اطمني، ايه الأخبار بقى؟ ❈❈-❈ بداخل غرفة بأحد المستشفيات الحكومية القريبة من القسم، تم تحويلها برفقة رجلين من الأمن، بعد أن فشلو في إفاقتها، وخشي الضابط ان يتحمل مسؤولية الإهمال عنها، ليأمر بنقلها حتى يتم فحصها من قبل الأطباء اللذين قيموا حالتها بالضعف الشديد، ويتم الأمر بحجزها حتى تستعيد عافيتها، مع الإعتناء بها جيدًا. فكانت ميرنا أول الزائرين لها بعد الإفاقة، بحجة الإطمئنان عليها مع وصلة من التوبيخ بلوم متقن: - كدة برضوا يا مودة؟ هي دي عملة تعمليها فيها؟ ولا دي جزاة تعبي معاكي؟ تخلي وشي في الأرض، ليه بس يا مودة حرام عليكي. على سريرها الطبي الذي كانت جالسة عليه بنصف نومة، ونصف جلسة متكئة على الوسادة القطنية من خلفها، تضغط على عينيها ببكاء حارق ومستمر صامتة، لتهتف بها الأخرى بعدم اكتراث لحالها: - ما تردي يا مودة، سيباني اتكلم واهاتي مع نفسي، ايه بقى، هي القطة أكلت لسانك؟ جاء رد الأخيرة، وهي تمسح بطرف كوم فستانها الجديد، لتلطخه بالدموع العالقة على وجنتيها، وما ينزل من أنفها وقد ذهبت زهوته وفرحتها به بما وصلت أليه الاَن بسببه: - يعني عايزاني اقولك ايه بس يا ميرنا؟ والله ما كنت اقصد، ولا كنت عايزة اسرق من الأساس. قاطعتها ميرنا لتقول متهكمة، بتصنع الانفعال في قولها: - يا سلام... ولما هو كدة، مين بقى اللي جابتها الكاميرات وهي بتحط خاتم الست في جيبها؟ الماظ يا مودة، بتسرقي خاتم الماظ. - يا ستي والله ما اعرف انه الماظ. صرخت بها، لتتابع بحرقة: - دا انا حتى حطيته في جيبي ونسيتوه، روحت البيت وقلعت الجاكت وسط الغسيل ونمت وما افتكرتش غير تاني يوم، وحتى ملحقتش ادور عليه والقاه، على الأقل كنت نجدت نفسي وخلصت. بانتباه شديد ادعت ميرنا لهفتها في حديث الأخرى لتجد لها حلا سريعًا: - طب ما احنا فيها اهو، ابعتي لستك تدور وتجيبوا وتنقذك ابتسامة مريرة ارتسمت على ملامحها، ليخرج صوتها بأنين موجع: - ستي مين اللي قولها؟ ستي مين بس؟ دي لو عرفت مش بعيد تاخده وتكتم عليه، انتي متعرفيهاش، دا حتى لو كلفت حد يروح ويدور هناك، مش بعيد تعمله فضيحة وتلم الشارع، مينفعش حد يدخل الأوضة غيري. - اااه أومأت بها ميرنا بهز رأسها، لتطرق برأسها تدعي تفكيرًا عميقًا في هذه المعضلة، قبل أن ترفع رأسها إليها قائلة: - طب معنى كلامك كدة يا مودة، ان انتي لازم تخرجي، ودي متنفعش غير بتنازل الست ناهد، بس دي بقى هنعملها ازاي؟ علقت مودة بلهفة الغريق الذي يتعلق بقشاية: - كلميها يا ميرنا، وقوليها ان مودة هتقلب الدنيا وتخرجه. عوجت المذكورة ثغرها لتحدجها بنظرة لائمة تردد: -أكلم مين يا مودة، هو انتي سبتيلي فرصة مع الست اللي طول عمرها بتحلف بأخلاقي وبأني زبونة مميزة عندها، دي بعد اللي حصل جات عندي وهزئتني إن جيبتلها واحدة حرامية، لدرجة انها كانت هتلبسني في المصيبة معاكي، ولا انتي فاكرة ان قضيتك ما لطتنيش، دا انا اتحقق معايا من قبل ما يجبوكي، ولولا الظابط شاف الفيديو وعرف اني بريئة، لكان زماني دلوقتي مشرفة معاكي. بخيبة أمل ويأس شل تفكيرها، دمدمت مودة بسذاجة تتأسف لها: - انا أسفة يا ميرنا اني عرضتك لكل المشاكل دي، سامحيني. تنهيدة كبيرة طردتها ميرنا من صدرها، تدعي الأسى لحال الأخرى قبل أن تجفلها فجأة بقولها: - على فكرة صح يا مودة ، مدام ناهد دي مجرد مستأجر للمحل، لكن المول نفسه بالهيلمان دا كله، ملك عدي باشا. بعدم فهم ناظرتها مودة باستفهام: - عدي باشا بتاعنا...... طب ايه يعني؟ هو ممكن يطردني لو عرف؟..... ولو انتي قصدك ايه بالظبط؟ تراقصت مقلتيها بحركات غير متزنة لتجيبها بمكر: - بصراحة مش عارفة، انا بفكر معاكي اهو...... الا صحيح، هي صبا معرفتش بموضوعك؟ قالت الأخيرة بنبرة مختلفة عن الباقي لم تنتبه لها مودة التي اجابتها بعفوية وعدم تركيز: - لا طبعًا، وهتعرف ازاي يعني؟ هو انا شوفت حد من الصبح غير الظباط والدكاترة. ❈❈-❈ في طريقها نحو الذهاب، بعد أن سألت عن مودة وعلمت بأن الوضع على ما هو عليه في حالة الغموض المحيطة بغيابها، كان القلق ينهش قلب صبا التي كانت لا تكف عن المحاولات البائسة في الاتصال بها، حتى كادت أن تصطدم بأحدهم، قبل أن تملك زمام امرها متراجعة في الوقت المناسب، لتردد بالإعتذار قبل حتى أن تنظر عينيها الرجل: - أنا اسفة. - مفيش داعي للاعتذار محصلش حاجة اصلًا. بلكنته الراقية وهذه النبرة التي أصبحت تعلمها، رفعت رأسها إلى صاحب الصوت، لتلتقي عينيها الجميليتن بعينيه المتصيدة، خضراء لكن عميقة، على قدر صفاء اللون بها، على قدر الغموض في عمقها وجرأتها، يخاطبها وكأنه على صلة بها منذ سنوات عديدة: - عاملة إيه يا صبا؟ تمتمت ترد باقتصاب بغرض اختصار الحديث كي تذهب: - الحمد لله يا فندم عن...... - عامل ايه شادي معاكي؟ مستريحة في الشغل معاه؟ مقاطعتها المقصودة وسؤاله المباغت لها جعلها تجيب بتحفز غير مبالية: - الحمد لله يا فندم، مستر شادي من احسن المديرين هنا، يارب بس اكون انا على قدر المسؤلية معاه. بشبه ابتسامة جانبية رمقها بها، ولم تعرف تفسيرها لتشعر بعدم الارتياح، حتى تدخلت رئيسة القسم التي أتت فجأة، وبصوت ظهر فيه الإهتزاز، ذلك لدهشتها بحضور رجل الأعمال وصاحب الفندق بنفسه إليها: - يا أهلا يا فندم، نورت القسم كله، اا تؤمر بأي شيء يا عدي باشا. أومأ لها برأسه، وقبل أن يهم بالرد عليها سبقته صبا من أجل أن تنصرف: - طب عن اذنكم . - استني يا صبا. اوقفها من قبل أن تتحرك، ليباغتها بقوله الغير متوقع: - كنت عايز اهنيكي بثقة مستر شادي انه اعتمد عليكي اخيرًا في تجميع البيانات . توسعت عينيها بإجفال، غير مصدقة تركيزه معها في هذا الأمر، وفي هذه النقطة بالذات، فكان رد رئيسة القسم هو الأسبق لها: - لا يا باشا، شادي مغيرش النظام، دي صبا كانت جاية تسألني عن واحدة صاحبتها . - اممم صاحبتها. قالها بلهجة ساخرة متهكمة لتثير بداخلها الحنق لفعله الغير مبرر. فاض بها، فتحركت على الفور تكرر استئذانها للإثنان كي تغادر، تاركة في المكان اثر عطرها الرقيق، فتظل عينيه معلقة بطيفها حتى اختفت، غير منتبهًا لحديث المرأة التي كانت تموت في جلدها خوفًا من هذه الزيارة الغريبة. ❈❈-❈ انتهت اخيرًا من تجهيز نفسها بعد فترة طويلة من البحث بين اكوام ملابسها حتى اختارت شيئًا قديمًا من خزانتها، يناسب خروج اَنسة مع خطيبها، بنطال جينز مناسب وعليه سترة نسائية لم ترتديها منذ فترة طويلة، ولكنها كانت رقيقة لتظهر قدها الممشوق بنعومة كانت تدفنها اسفل ملابس الرجال، والتي لا يصح ارتدائها الاَن على الإطلاق، هي ليست بقليلة الذوق حتى لا تعرف التعامل في مثل هذه المواقف المستجدة معها، حتى تعتاد على الأمر، أو بالأصح تعود لعهدها القديم. أطلقت شعرها لخلف ظهرها، متخلية عن الربطة الكئيبة، بشرة وجهها لم تفعل بها الكثير، سوى انها وضعت كريم الأساس الذي علمتها عليه صبا ليلة أمس، وخط الكحل الرقيق، ثم لون الشفايف وضعته بصعوبة، بالكاد يظهر عن اللون الطبيعي، كانت ترى نفسها مرضية إلى حد ما حتى فاجئتها رؤى التي اقتحمت الغرفة مهللة: - ايه الحلاوة دي؟ على أثر الصوت المفاجئ انتفضت شهد مجفلة، لترد بتوبيخ: - اخص عليكي، كدة برضوا تدخلي الاوضة هجم وتخضيني، مش عوايدك دي يا رؤى؟ تبسمت الأخيرة لترد وهي تتقدم نحوها بابتهاج خالطه الانبهار والإعجاب: - إنا اَسفة يا قمر لو كنت خضيتك، بس الباب كان مفتوح والله وانا دخلت عشان اندهلك، يعني داخلة على غرض، بس ايه الجمال ده؟ اقسم بالله انا كنت عارفة انك طلقة وصاروخ ارض جو كمان. - ياااه. تمتمت بها شهد بخجل تخفيه لتتابع بإنكار: - مش لدرجادي يعني! قولي كويسة وخلاص. - كويسة وخلاص! قالتها رؤى بابتسامة خبيثة تتلاعب على محياها، لتلتف حولها تتأملها يمينًا ويسارًا، وتردد بمرح: - يا باشا ما هي لو كانت كويسة وخلاص أو عادية، مكانتش طلعت من قلبي كدة، دا انتي هتقلبي الشارع برا لما تخرجي والناس تشوفك، لكن البلوزة دي متهيألي ما بتلبسيهاش خالص قبل كدة، كذا مرة اشوفها في الدولاب عندك وافتكرها ضيقة ولا مش عجباني وعشان كدة سايباها، دا غير البنطلون كمان...... ايه ده يا عم! بارتباك ملحوظ ظهر في حركة يدها المضطربة ردت شهد وهي تمررها داخل خصلات شعرها المسترسل كالحرير معها: - ااا هي فعلا كانت معايا من فترة طويلة، ويمكن أكثر من سنة كمان، كنت اشترتها في مرة كدة لكن مجاتش فرصة البسها، ما انتي عارفة، انا معظم مشاويري شغل... لم ترد رؤى وظلت تتمعن بها بأعين تلمع بالفرح،سعيدة بهذا التغير المفاجئ لشقيقتها، والتي عبست بوجهها كي تسألها بجدية مصطنعة: - مقولتش بقى، ايه اللي دخلك هجم كدة؟ وكنت جاية تندهيلي على إيه؟ استدركت فجأة لتضرب بكف يدها على جبهتها بتذكر قائلة: - يا نهار ابيض، اَه صحيح دا انا نسيت اقولك، اصلي البشمهندس وصل برا ومستنكي في عربيته، وشاورلي في البلكونة عشان اندهلك . - وتوك اللي فاكرة يا رؤى؟ قالتها بلهجة موبخة، لتستل هاتفها وحقيبتها لتعلقها على كتف ذراعها تطالعها بغيظ لتردف لها وهي ذاهبة: - دا انتي المرقعة والمياصة تنسيكي اسمك. لحقت بها رؤى متمتمة من خلفها: - وماله لما ابقى مايصة، دي حتى كلمة جميلة وفيها عبر. كانت شهد قد وصلت لنصف المنزل حينما سمعت قول شقيقتها لتلتف إليها بتوعد ضاحكة: - اخلص بس مشواري، وانا اخليكي تشوفي العبرة بحق للمياصة اللي عجباكي دي. قالتها ثم التفت نحو زوجة ابيها التي تسمرت مزبهلة لرؤيتها كما فعلت امنية ايضًا، فقد كانت جالسة في الجهة الأخرى حينما تفاجأت بها: - لو عوزتي أي حاجة اطلبيني ع التليفون، انا هحاول متأخرش ان شاء الله. اومأت نرجس رأسها بتشنج، وعقبت رؤى بشقاوة: - يا ستي ومتتأخري براحتك، فيها إيه يعني؟ دا انتي حتى طالعة مع خطتشيبك اللاه. للمرة الثانية التفت لها، غير قادرة على منع الضحك لكن بمزيد من الوعيد: - هقتلك والنعمة هقتلك، اهدي بقى واتبطي خليني اخرج بقيمتي قبل ما ارتكب جري\مة معاكي. اومأت رؤى مزعنة بطاعة وابتسامة لم تفارقها، حتى اذا خرجت شهد ركضت نحو الشرفة مدمدمة: - هروح اشوفها وهي بتركب العربية مع خطيبها . بصدمة وعدم تحمل التفت أمنية تحدج والدتها بنظرات حارقة لتضرب بكف يدها على فخذها ثم على صفحة وجهها، وتغمغم بغليل وقهر: - يعيني على بختك القليل يا أمنية. .....