رواية وبها متيم أنا(الفصل الحادي والعشرون إلى الخامس والعشرون)بقلم أمل نصر | New Romance Episode

❈-❈-❈
في المخزن الخلفي لدكان العطارة الذي يملكه عابد الورداني، وقد أتت إليه خلسة كالسابق، ولكن هذه المرة كانت للعتاب، بعد ليلة كئيبة وصعبة مرت عليها في البكاء وشعور القهر المتعاظم داخلها، حتى أنهكت وفاض بها، للدرجة التي جعلتها تتلقف كالغريقة اتصاله في الرد عليها اخيرًا اليوم، تطالبه متلهفة بشدة للقاءه، ليستغل ما كان يظنه فرصة للاستفراد بها في المخزن هنا وقد وافقت دون تردد، ليعبث ويفعل ما يحلو له معها، قبل أن يفاجأ برؤية وجهها المقلوب، ثم انفجارها بمجرد أن انغلق الباب عليهما، لتعبر عما يجيش بصدرها بالدموع الحارقة:
– مكنتش اعرف اني قيمتي قليلة أوي عندك كدة يا ابراهيم؟ اكتر من مية رسالة وغيرهم في الاتصال عليك من امبارح، ولا مرة تكلف نفسك وترد، غير بعد ما جالك مزاجك؟ طب يمكن في ضيقة ومحتاجالك ، أو تعبانة وعايزاك تجيني وتخفف عليا، اعمل ايه عشان تحس بيا وتعملي قيمة زي بقية المخطوبين؟
رافعًا طرف شفته باستنكار خطا يقترب منها ليطالع هذا الانفعال المفاجأ منها الشهقات المتتالية، بسيل الدمعات التي لا تتوقف، حتى خرج صوته بذهول:
– انتي هبلة ولا عبيطة يا بت؟ بقى كل المناحة دي عشان مرديتش ارد عليكي؟ وهي دي اول مرة تحصل يا ختي؟ ما انا بتقل عليكي بكيفي وبرد برضوا بكيفي، مبيمشيش معايا كهن النسوان، بلا مخطوبين بلا نيلة.
جفاءه المعتاد، وأن يحتد بتعالي؛ لم يكن جديدًا عليها، لتتقبل غضبه مضطرة، أو تنكمش بخوف منه فتتغاضي كالعادة، إلا اليوم، فهي لم ولن تحتمل على الإطلاق، سمعت منه لتسقط على عدد من الاجولة المرتصة فوق بعضها، لتردد بانهيار:
– انا كنت عارفة من الاول، وقولتلك، انت عمرك ما حسيت بيا ولا نصفتني حتى، زي ما حصل امبارح، لما ابوك زعقلي قدام الكل وكسفني، انت مكلفتش نفسك حتى تجبر بخاطري.
اهتزت رأسه بعدم تحمل لا يستوعب ما تلتقطه أذنيه منها، ليضرب كفه بالاَخر وقد نفذ صبره لهذا العته، نادمًا على اختلائه بها ومقابلتها من الأساس:
– الله يخرب بيتك على بيت معرفتك السودة، يعني انتي كل عمايلك دي على قصة ابويا وكلمتينه امبارح، طب والله عنده حق، وياريته كان اداكي كفين بالمرة يا أمنية.
– كمااان.
صرخت بها لتقف على أقدامها وتواجه عنفه بنهنهة عالية لبكائها المستمر، تردد باستعطاف، علّ قلبه يرق ويؤازرها في محنتها:
– دا بدل ما تقولي ايه اللي تاعبك يا حبيبتي؟ ايه اللي موصلك للحالة دي؟ دا انا مليش غيرك يا ابراهيم، لا عيلة ولا خوات بيحبوني، ولا انت ناسي كلامك ليا؟
اكتست ملامحه بالسأم والضيق، ولكنه كان متريثًا هذه المرة في رده، ليعرف السر الحقيقي خلف هذه المحزنة.
– لا يا ختي طبعًا مش ناسي، بس ايه لزوم الكلام ده دلوقتي؟ هو انتي اتخانقتي مع حد فيهم؟ ولا يكونش واحدة منهم ضايقتك يا بت؟
جاء السؤال الذي كانت في انتظاره منذ الأمس، لتجد من يسمع شكوتها بحرية، فهو الوحيد القادر على فهم ما تقصده، لأنه يخصه أيضًا!
– قول مين مضايقنيش؟ دا انا بتحسر من امبارح وقلبي بيتقطع من جوا، لأن بالأكيد جوازتنا مش هتم السنادي يا ابراهيم، ومش بعيد نقعد اكتر كمان، على ما اخلص جهازي، مدام الكبيرة دورها جه، يبقى تتنيل على عينها أمنية وتستني بقى، ما اهو انا حظي كدة……
– كبيرة مين يا بت الهبلة؟
هدر بها قوية عنيفة، ليُصمت فمها الذي يثرثر بغباء، يكاد يصيبه بالصمم، والكلمة التي أسقطتها في الوسط، يشك في صحة سماعها، لتؤكد له بغليل نفسها السيئة:
– بقولك الكبيرة، المحروسة راحت امبارح عزومة العشا عند الست مجيدة رجعت لنا مخطوبة من ابنها البشمهندس، والبيت مقلوب من امبارح، البت رؤى بت الجزمة، كل ما تشوفني بتقعد تزغرط وتغني، عشان تغيظني…… اَه
صدر منها تأوهًا بوجع، وقد باغتها بأن اطبق بكفيه الكبيران على ساعديها الغليظان، ليتمتم متسائلَا بهدير خطر، وقد أظلم وجهه؛ واشتد بخطوط طولية، لتبرق عينيه بالشر بشكل فاجئها وأخافها بنفس الوقت:
– انتي بتقولي مين يا بت؟ المحروسة اختك، ربة الصون والعفاف، مع الواد المهندس اللي رايح جاي معاه.
استطرد يهدر بصوت خرج من أعماق الجحيم وهو يهزهز جسدها بعنف:
– يعني كانت بتقرطسنا، وعاملة فيها البت المحترمة، وهي ماشية مع الرجالة وبتجيبهم البيت، يبقى انا بقى كان عندي حق لما اتخانقت معاها ع المسخرة وقلة الأدب، كان عندي حق لما خوفت عليكم وعلى سمعتكم.
– خلااااص يا ابراهيم حرام عليك، دراعاتي الاتنين هينكسرو في إيديك
صرختها كانت بقوة لتعيده لصوابه، فيشعر بنفسه، ويرفع كفيه عن ذراعيها، لتردد مرة أخرى بشهقات البكاء، وألم جسدي حقيقي، فقد كان على شفا اقتلاعهم بهزهزته العنيفة دون وعي، او كسرهم بالضفط الرهيب منه، هذا ما كانت تشعر به، لتدلك بكفيها عليهما وهي تبتعد بارتياع، فهيئته كانت غير طبيعية على الإطلاق، حتى خرج صوتها باهتزاز:
– هو انا بشتكيلك عشان تواسيني، ولا عشان تيجي عليا انت كمان وتخسرني صحتي، وتبقى كملت عليا بالمرة.
– امشي.
تفوه بها سريعة لدرجة لم تصدقها في البداية، قبل أن يفاجئها بصيحة قوية:
– بقولك امشي، امشي يا أمنية، غوري من وشي .
انتفضت في الاخيرة لتتسارع خطواتها المرتدة نحو الباب حتى فتحته، وخرجت راكضة، بدون حتى أن تأخذ حذرها ككل مرة، فكان المهم هو أن تهرب من أمامه، تاركته يزفر بصوت عالي، وانفاس ساخنة تخرج م حريق شب بداخله، بنيران كالبركان تطلق حممًا قادرة على إحراق الأخضر واليابس





