رواية طوق نجاتي(1_7)بقلم ابتسام محمود الصيري

هزت الجارة رأسها بنفي وأسف، جعلتها تبكي بكاء هستيري، يقطع نياط القلوب، حاولت تهدئتها بشتى الحيل، لكنها استمرت في النحيب، فمسحت لها عبراتها وأبلغتها أنه سيدخل لها، اومأت برأسها، ربتت عليها جارتها قبل أن تغادر الغرفة وسمحت له الدخول لها، هم بالدخول وجدها تجلس على الأريكة في استكانة وضعف، كانت نظراتها شاخصة إلى الفراغ، وملامح وجهها تشيع بالحزن العميق، وكانت تهمس بصوت شبه مسموع ، في مناجاة يائسة :
– صافي مامتتش … هي قالت عمرها ماهتسبني … قالت أنها هتحميني من كل العالم … قالت مش هتتخلى عني … هي فين دلوقتي من وعدها، سابتني ليييه؟
أقترب منها “عمر” على مهل وكلما أقترب من الأريكة الجلسه عليها تبطئ قدمه لم يعرف ماذا يقول وما عليه فعله، استغفر ربه ودعا أن يلهمه الصواب، جلس على الكرسي القريب منها وانحنى إلى الأمام وهمس بنبرة بها حنان:
– اسمعينى يا هند، صافي شهيدة، يعنى حية ترزق عند الله، هي فازت بكل شيء يتمناه كل مسلم، هي في مكان أحسن من هنا بلاش تزعلي عشان هي شيفاكي ومش هتكون مبسوطة وانتى كده، حاولي اخرجي من اللي انتى فيه عشان هي تكون مرتاحة.
مسحت “هند” دموعها وهي تأخذ أنفاسها، وضع “عمر” يده على كف يدها الصغيرة وساعدها على النهوض:
– يلا يا هند نروح البيت.
– مش هقدر أدخله وصافي مش فيه.
– اجمدي يا هند ده قضاء الله، يلا يا حبيبتى وراكي كتير، كفاية الوقت اللي راح.
نهضت من مكانها بضعف، شكر “عمر” جارته كثيرا وتوجها إلى بيته.
وحين لمست قدم “هند” أعتاب المنزل تركت عبراتها تسيل على وجنتها، حتى تطفى حرارة حسرتها، مد يده على كتفها شجعها على الدخول وهو يربت عليها بعطف وقال:
– هند عايزك قوية انتى هتفضلي هنا لحد ما تطلعي عروسة على بيت جوزك، سمعه.
اومأت برأسها وهي تقف بجوار مصليه، توقفت عن البكاء فجأة ومسحت دموعها بظهر بكفها، متذكرة موقفا جمعها بـ”صافي” حين اهدتها بها من فترة، سأله ذاتها كيف سهت عن ذلك، توجهت في أتجاه المرحاض توضأت وصلت وهي تدعي الله أن يلهمها الصبر.
وبعد أن انتهت أقترب منها “عمر” بحماس:
– ياريت ترجعي تذاكري تاني وتلحقي اللي فاتك، وأنا جنبك دايما في اي وقت هتحتاجيني هتلاقيني.
شكرته كثيرا ثم توجهت لغرفتها تستعد للمذكرة، جلست على مقعدها أمام مكتبها الخشبي ترتب ما عليها أن تفعله في ذهنها وهي تتحسس كتابا موضوعا أمامها وحين لامس كفها جسما صلبا حشر بين صفحات الكتاب، سرت في جسدها قشعريرة باردة وهـي تخرجه بيد مرتجفة، فكان قلم ! القلم الذي أهداتها إياه “صافي” حين نجحت بالثانوية، لا تتذكر أنها وضعته بين طيات الكتاب، لكنها سعدت بوجود قطعة من ذكرياتها أصرت على ملازمتها عنوة رغم محاولة الفرار من أحزانها، تأثرت وأجهشت بالبكاء، وتأكدت أنها لم تستطع الهروب من الحقيقة ابدا، وعليها أن تتأقلم مع الواقع حتى تمضي الأيام.
قامت اغلقت الضوء المشعل واقتربت من فراشها وهي تأخذ نفسنا عميقا، ثم تحرك بؤبؤ عينيها على الكومد، ابتسمت ومدت يدها تأخذ هاتفها رمقته بحزن، فهي لم تسمع صوت رنينه من وقت فراق اختها الحياة، شعرت بيأس وإحباط لكن سريعا تذكرت “سيف” صديقها وحبيبها دق قلبها بلهفه وفتحت شاشة الهاتف وسريعا بحثت على رقمه وضغطت على زر الأتصال وهي تبتسم انتظرت حتى انتهى صوت الرنين، لكن بدون فائدة تركت هاتفها واغلقت جفونها تركه لنفسها السباحه والغوص في أحلامها.
★****★

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *