رواية طوق نجاتي(1_7)بقلم ابتسام محمود الصيري

فرحت “يسرا” بسيرها حتى تتخلص من طاقتها السلبية، وأبلغتها العنوان، فردت عليها “تولاي” :
– اوكي يا ماما مش هتأخر باي.
أغلقت واوقفت سيارة أجرة صعدت وقالت له العنوان وهي ترجع رأسها للخلف تمسك مقدمة رأسها بأطراف أصابعها.
★****★
كان “ريان” ينظف غرفته من هذه الدخيلة وهو يلعن حظه الذي اوقعها في طريقة، حتى رن جرس الشقة حدق بعينه بصدمه لتكون هي مره ثانية، تحرك على أطراف أصابعه ونظر بخفه من العين السحرية الموضوعه داخل باب الشقة، فهدا جسده من تشنجاتة وفتح وهو يقول بصوت عالى:
– حبيبي يا ابو الأنساب.
ثم دفعه خارج المنزل قبل أن يدخل بالحذاء
– جزمتك يا حيلتها، مش فرح وطـ. هور ابن العمده النهارده هو.
– نفسي تكون ذوق ومتحضر ده سجاد معمول ندوس عليه.
– ما أنا مش الفلبينيه بتاعة أهلك اقلع وادخل.
قلع حذائه ودخل خلفه يعاكسة:
– يالهوي على جمال أمك احلى فلبينية .
– استظرف كمان.
– مالك قرفان من نفسك.
– بنت المبقعة بهدلتني البيت ومشيت.
حرك “ماهر” بؤبؤ عينه حول المنزل وجده مرتب ويلمع، فقال بتسائل:
– سيبك من البيت اللي بيلمع هي فين؟
– الحمدلله فاقت وغارت.
– كانت حلوه؟
سأل “ماهر” وهو يجلس على المقعد، فرد عليه وهو يعض شفته:
– اووي اووي يا ماهر.
– اووووف وسبتها تمشي.
تذكر ريان أسلوبها الهمجي وقال بغيظ:
– من لسانها تغور، وخد هنا واخد راحتك اووي وفارد ريشك.
ضحك ماهر وهو يقوم يتوجهه لباب المنزل:
– الحكومة مش جنبي سبني انفس عن نفسي.
– لا نفس يا ابو نسب احسن ما تنفجر.
قال جملته وهو يحمل مفتاحة ويتأكد لأخر مره من نظافة البيت ونزلا سويا كل منهما توجهه لسيارتة.
★****★
وصلت “تولاي” أمام الفيلا نزلت بوجه مزمجر، وقفت قليلا تمحي غضبها وهي تتفنن برسم أبتسامة ثم استعدت بالدخول، قبلتها والدتها تبادلها ابتسامة حانيه وهي تمد ذراعيها لها تضمها وقالت:
– شوفتي بقى لما نزلتي اديكى غيرتي جو، و جسمك استعاد نشاطه.
– اه اه طبعا، الحمدلله.
قالتها وهي ترفع حاجبها بأبتسامة مصتنعة ومن داخلها تغلي، ثم أقترب منها
والدها الذي احضر لها كوب من عصير المانجا:
– احلى عصير لبنتى القمر.
أخذته منه وهي تبتسم، وشربته على دفعه واحده حتى تطفي نيرانيها الداخلية.
★****★
اصطف “ريان” سيارته ودخل فيلته وكأن شيء لم يحدث، لكن قلع حذائه حمله بين أصابع يده ومشى على أطراف أصابعه حتى لا تستيقظ والدته وتسمعه المرشح المعتاد في الصباح الباكر، وصل غرفته وضع كل شيء بمكانة وتمدد على الفراش غاطس بأحلامه.
لكن بعد ساعات قليلة دخلت والدته “إيمان” بنفس الطريقة فتحت النافذة، وقبل أي حرف منها هب واقفا على الفور وهو يقف خلفها يرفع يده يقفل فمها ويميل برأسه يضع قبله على خدها وهو يتنهد:
– القمر اللي مش بيزهق ابدا، ادينى صحيت من غير ما اوجعلك قلبك ولاب لاب لاب بتاع كل يوم.
أنزلت يده من على شفتها تخبره:
– يابني حرام عليك اشتغل بقى بدل السرمحه طول الليل دي.
سند ذقنه أعلى كتفها الأيسر وقال بجوار اذنها باستسلام:
– وأنا موافق بس زي ما قولتلك افتح شركة سياحة صدقيني مش هفلح في اي حاجة غيرها.
أغمضت عينها تهدأ من ثوارنها:
– يا ريان انت خريج هندسة بتقدير جيد جداً.
عكست عينه الضيق الذي شعر به فجأة وقال بهدوء:
– لو بتحبيني بجد بلاش نتكلم في الموضوع ده، ولو على الشغل أنا مش رافض اهو بس في المجال اللي اختاره.
تنهدت بحرارة وهي تدعي الله له بصلاح الحال وتركته تحضر الفطار.
أمسح وجهه بقوه كأن يضع الرمال المتحركة على ذكرياته حتى يطمس ويفقد رمادها للأبد.
★****★
بينما “هند” تقف بين جدران غرفتها الهادئه هدوء المقابر ليلا، فاقده روح اختها المشاغبة التي كانت عندما تفتح مقلتيها صوتها يجلجل بين غرف المنزل كله في آنً واحد بمرح ومشاكستها للجميع، رمشت بعينيها وهي ترتب كتبها داخل حقيبة ظهرها وعبرتها تزرف أنهارا بحزن على الفراق، ونار ولوعه على طريقة موتها، فحزنها بمثابة خيوط عنكبوت نجح في صنع شبكته ليتمكن من وقوع فريسته بسهولة….
انتبهت من شرودها على صوت طرقات خفيفة من يد “عمر” على باب غرفتها اذنت له بالدخول، هم بالدخول وهو يحفزها كما كانت تفعل أختها، لكن بطريقتة الهادئة:
– يلا يا هند عشان وقت أول محاضره ميرحش عليكى.
رفعت كفها لتمسح عينيها لكن كف يده سبق كفها في تجفيف دموعها وأبلغها بصوت حنون:
– ممكن مشوفش الدموع اللي زي اللؤلؤ دي تاني، مش اتفقنا ندعي ليها من قلبنا وبس.
اومأت رأسها بملامح حزينة مشوب بضعف:
– غصب عني والله.
جلس أمامها على مكتبها ممسك بكف يدها مربت عليه، وأردف بعقلانية:
– عارف أنك قوية وصدقيني الأيام هتثبتلك أنك مش لوحدك.
وضعت كفها الثاني فوق كفه بشكر وأمتنان:
– أنا مش عارفة اشكرك إزاي؟
– لو على الشكر سهل اوي.
زوت ما بين حاجبيها بتعجب، فأردف بأبتسامة حانية بها تمني ورجاء:
– شكرك ليا هو نجاحك الحقيقي في مستقبلك ودراستك، عايز أختك وهي في مكانها تكون راضية عني.
تعجبت أكثر وهي تسأل بنوع من الأحراج:
– سوري، بس حضرتك وصافي كنت بشوفكم دايما زعلانين من بعض وبتتخانقوا.
اومأ برأسه وهو يحسها على المشي حتى لايتأخرا أكثر:
– حصل، بس ده طبيعي بين اي اتنين متجوزين، عارفة يا هند لما يبقى في ايدك حاجة غالية وطول ما هي قدامك تبقي مش مقدرة قيمتها وحرفيا متحسيش بيها غير لما تروح.
رفعت حاجبيها وهي تعوج فمها وتهز رأسها يسارا ويمينا بطريقة توضح أنها توزن الكلام بدماغها وأجابته بطريقة لذعه:
– بس ده يبقى غباء.
ضحك على تشبيهه بالغباء، فهو ينعت ذاته بأكثر بكثير فقال بملامح متصنعه الجدية:
– بنت عيب… أنا اقول على نفسي انتى متقوليش.
زردت ريقها بأحراج وهي تقف على رصيف بالشارع معتذرة على فظاظتها بالحوار معه:
– سوري يا عمر.
– سوري ايه بهزر معاكي، يلا اركبي العربية.
– كده حضرتك هتتأخر.
– تبقي تعملي حسابك بقى بعد كده و تنزلي بدري عشان متأخرش المره الجاية.
قال جملتة بمزاح موضح أنه سيوصلها يوميا، لكنها وقفت بملامح متأسفه حتى لا تعطله، فرمقها بقوة وابلغها بلهجة أمر لا تقبل المناقشة، حتى لا يرهق نفسه في موضوع فرغ الأمر به:
– أركببببي.
أستعدت في الركوب بأحراج، برغم ثقتها أنها ستعطله حقا، وظل الصمت بينهما حتى أن أوصالها وقال:
– اعملي حسابك قبل ما تخلصي اخر محاضرة ابعتى ليا رسالة واتس اجي اخدك نتغدا بره.
– بس كده كتير على حضرتك يا عمر.
– وعمر بيقولك مش كتير يا هند اتفضلي على جامعتك يا دكتورة، وخلى بالك لتتعكسي وانتى زي البسكوتة كده.
ابتسمت وهي تبلغه بملامح مازحه:
– البسكوتة دي وقت الجد يكفيك شرها.
دوت صوت رنات ضحكته بالعربة وهو يحرك المفتاح ليستعد الرحيل:
– مهما توصفي شرك هيساوي جنب صافي صفففففر.
ألقت عليه السلام وهي تبتسم، ثم تحركت في استحياء، وسريعا انتقع وجهها بماء الحزن من جديد.
ورحل “عمر” على البنك الذي يعمل به، بقلب مهتاج من لهيبة.
وحين رأت هند صديقتها تقترب منها ابتسمت ودخلها الم وحزن حضنتها صديقتها سهى بقوه وتركت هند لدموعها العنان وظلت تربت عليها حتى أن هدأت وقالت بصوت حزين:
– شدي حيلك يا هند.
اومأت برأسها بحزن وبلعت ريقها و حركت عينيها بتوتر في الجامعة، فهمت سهى ما تبحث عنه فقالت:
– سيف بقاله كام يوم مش بيجى.
– متعرفيش ليه؟
– تقريبا سافر مش كان قايل والدته هتعمل عملية.
ضربة رأسها بقوة وضيق من ذاتها:
– أنا نسيت خالص.
– معلش يا هند انتى كمان كنتى في ظروف صعبة اكيد لما يرجع هيتفهم.
– أن شاء الله.
قالت جملتها بحزن وهما يتحركوا سويا على المحاضرة العملي.
★*****★




