رواية طوق نجاتي(1_7)بقلم ابتسام محمود الصيري

وبعد يومين أعلنت السلطات أنهم قد أنقذوا كل من كان له نفس في البحر وأخرجوا كل الجثث التي عثروا عليها طافية على وجه الماء.
صرخت “هند” بقهر على فقدان أختها للأبد، وظلت تركض تترجى كل من يكون مسؤولاً بالنزول مره ثانية يبحثون عن أختها، لكن كان الرد:
– للأسف أي جثة في البحر طلعت.
لطمت “هند” على وجهها، وقال “عمر” بتساؤل:
– ومراتي فين؟
رد عليه بأسف وهو يستعد الرحيل:
– ممكن تكون أكلتها الأسماك.
صرخت “هند” ووقعت أرضا، فأخذها زوج أختها وذهب بها إلى المشفى العام بالغردقة، كان كل العاملين مشغولين بحالات الغرق فوضعها على سرير وركض يبحث عن طبيب، أبلغته الممرضة يبحث عن دكتور” رامي”، تركها واستعد للبحث عنه، خبط وهو يتحرك ب”صلاح” قال معتذر منه:
– متأسف جدا، بعد إذنك تعرف مكان دكتور رامي.
ربت عليه “صلاح” بعطف:
– ولا يهمك يابني ربنا يصبرنا كلنا على المصيبة اللي حصلت، كان لسه طالع من عند بنتي.
“عمر” استغفر ربه وهو يمسح وجهه:
– أنا مش عارف أعمل ايه، فقدت مراتي، وأختها فاقدة الوعي جوه مكنش ليها حد غيرها، يارب صبرني يارب.
– اهدا يابني ربنا ليه حكمة في كل شيء احمد ربك.
– محمود والله يا حج.
قال جملته ورحل حتى وجد الدكتور وذهب معه وكان نبضها ودقات قلبها سريعة، فأبلغه أنها عندها انهيار عصبي، أعطاها حقنة مهدئة وتركه، أخذها “عمر” وتوجه على بلده السويس، عندما وصلا كانت في استقبالهما جارتهم حزنت جدا على ما حدث ل”صافي” وأخذتها معاها ألى بيتها، وهو توجه إلى شقته رمى مفتاحه وجلس على أقرب مقعد متذكرا كل شيء كم كان قاسيا معها لا يلبي لها طلبا، كم كانت رومانسية بأفعالها وهو كان لا يفرق معه، تحملت من أجله الكثير والكثير وهو كان يرمي كل اعباء الحياة عليها.
★****★
– تولاي حبيبتى إنتى حاسة بحاجة.
قالتها “يسرا” وهي تطعمها بعدما كانت تتفحصها تولاي بنظرتها التائهه، أومأت “تولاي” رأسها أنها بخير ومسكت يدها تأخذ منها الأمان وهي تضع رأسها على قدم والدتها.
وبعدما اطمأنت على “تولاي” سمح لهم الطبيب بالخروج، فأخذا ابنتهما وذهبا لفيلتهما بالغردقة، سعدت جدا من هدوء البلد وجمال وتناسق الألوان داخل الفيلا، دخلت غرفتها وهي تمرر عينيها على كل انش بالغرفة، لم تهاجمها أية ذكريات داخلها، جلست على الفراش فتحت كتابا عن علوم البحار، كان موضوعا على المكتب، ثم أغلقته بعد قراءة بعض الصفحات وخرجت لوالديها طلبت منهم يعرفونها على نفسها، فتحت والدتها حضنها لها وبدأت تقص عليها مغامراتهم على الجبال ومتعتها بصيد العقارب، وحبها للسباحة وعلى إصرارها أن تعمل غطاسة، وبالفعل كانت تعمل على لنش والدها بعدما أخذت محاضرات عملي ونظري وحصلت على ثلاث نجوم، كانت مستمتعة جدا من حديثهما وكانت تحب أن تسمعهما باستمرار حتى أن شعرت أن كل ما يقصونه ليس غريب عنها بالفعل.
★***★
– يا ريان قوم بقى حرام عليك، نفسي تشيل المسؤلية وتريح قلبي.
هذا كان صوت “إيمان ” التي تبلغ من العمر ٥٠ عاما في تمام الساعة الخامسة عصرا، كانت تيقظ إبنها بتعب من عدم مبالاته لأي شيء، وفهو شخص خالي من الذوق والمسؤلية، قام من نومه بنعاس يكمل حديثها اليومي:
– هتفضل طول عمرك كده سهر للصبح ونوم للمغرب حرام عليك اشتغل بقى عشان تظبط مواعيد نومك…
– طيب بلاها شغل ….
قطعها وهو يرفع الغطاء من عليه ويقوم بطولة الفارع، كان نصفه الأعلى عاري يظهر جسده الرياضي، يردد كلامها المحفوظ:
– حرام عليك عايزه أفرح بيك وأشوفلك عيل.
جزت إيمان على أسنانها وهي تمشي خلفه:
– أنت برضو …..
أجابها على سؤالها قبل أن تسأله كمن يسكن عقلها:
– آه أنا برضو نايم من غير هدوم ومش هلبس… قولتلك ميت مرة مش بحب أنام بهدوم، أنا بتخنق بسرعة مش بستحمل أي حاجة تفضل معايا ساعة، وحضرتك تقوليلي أتجوز، عايزاني في الصباحية أرمهالك من البلكونة وأدخل السجن….. ردي هترتاحي ابقى رد سجون؟
تأففت من تصرفاته الهوجائية:
– ماشي يا ريان.
دخل ريان المرحاض وهو يفك رابطة شعره وقبل أن يغلق الباب:
– كده خلصنا درس اللي بفتح عيني عليه كل يوم.
أغمضت عينيها بغيظ من غلظته وقالت وهو يغلق الباب ويفتح صنبور المياه:
– جارنا الأستاذ صلاح ومدام يسرا بنتهم رجعت من السعودية.
وقفت منتظره رده حتى أنهى دشه سريعا وأغلق المياه ولف على خصره منشفة وخرج يصفق لها:
– ده بقى الجديد، هما كان عندهم بنت أصلا؟
“إيمان” دخلت وراءه غرفته وهي تقول بحزن:
– آه قبل ما ييجوا يسكنوا هنا من سنتين بنتهم سافرت السعودية تشتغل هناك وأخيرا رجعت، بس كانت في العبارة اللي غرقت.
– تؤ تؤ تؤ لا حول ولا قوة إلا بالله، وكمان فقر يوم ماتقرر ترجع العبارة كلها غرقت.
قال جملته وهو يهز رأسه يمينا ويسارا ووضع يده على بعضهم يمثل الحزن، ضربته والدته على صدره العاري:
– احترم نفسك وحس بالناس اللي حواليك إنت مش عايش لوحدك.
أزاحها جانبا وهو يدخل غرفة ملابسه يغلق خلفه الباب الزجاجي ليرتدي ثيابه وأبلغها:
– الله يخليكي فكك مني، انجزي وهاتي من الآخر إنتى عايزه إيه من الفرح اللي نصبتهولي ده كله.
– تيجى معايا نسلم على البنت.
فتح ريان باب الغرفه وهو يصفف شعره الذي مازال مبتل وضحك:
– اممممم، وماله، فكرة حلوة برضو.. يلا بالأذن.
– هتروح فين ؟!
وقف وهو يرفع يده قليلا وظل يحركهما بالهواء بحركات عشوائية يبلغها ما تريد تقوله:
– روح يا ريان وقابل أصحابك الصيع…. يارب وقعهم في بعض وكل واحد يروح لحال سبيله.
رمت عليه وسادة من غيظها منه، لف سريعا أمسكها وهو يقول:
– كده المخدة اللي بتستحملني في كل أوقاتي تهينيها بالشكل ده.
– امشي من وشاااااي.
– الله بتكرشيني من اوضتي.
قالها بصوت مايع جعلها صرخت وهي تتركه وترحل قبل أن تجلط المسكينة.
ظل يضحك المشاكس، ثم نزل يركض صعد سيارته الاسبور، بصر نفسه في صوته المنعكسة في المرأ ولم شعره الطويل بأحكام، ثم مد يده يفتح التابلو ويخرج منه علكه وضعها داخل فمه بعدما رفع صوت المسجل وأنطلق سريعا متوجه إلى الصالة الرياضية، دخل وضع شنطتة في دلابه الخاص، ثم توجه إلى احد الأجهزة الرياضية حتى أتت إلية فتاة ممشوقة القوام رياضية تعمل بالصالة:
– نورت يا كابتن ريان.
أجابها من غير أهتماما وهو يمسك كبل بين كفوف يده ويحركهما بقوة:
– شكرا.
ابتسمت بملامح بها دلع وأردفت بعدما فكرت في اي حديث:
– بقالك كام يوم مبتجيش.
ترك ريان ما يفعله وحمل أوزان ثقيلها وهو يرمقها باستغراب وقال باستهجان وهو يتفحصها جيدا:
– سوري نسيت ابلغك، اوعى تكوني سجلتيني غياب؟
أنهى جملته وتركها خلفه تتصبب العرق بأحراج كمن أكلت فلفل حار، واحترقت في أخر حلقها ولم يكن هناك ما يمكنها فعله لإزالته، وما عليها إلا أن تعاني منه، حتى تهدأ من ما أصابها.
اقترب منه شاب ابيض البشرة عينه خضراء متوسط الطول يبتسم له، وأحتضانة حتى لا يلفت أنتباه أحد وهمس بأذنه:
– ابو تقل دمك، مالك ومال الحريم يا عدو الطف الكائنات.
ضحك ريان بصوت مرتفع والتف بيده حول عنق صديقه:
– وأنا مالي ومالها يا زينهم مش شايفها لازقه فيا إزاي كل ما اجى لاب لاب لاب، وأنا أساسا بستحمل رغي أمي بالعافية، إنما دي مالها ومالي؟
– اعتبرها زي البنات اللي تعرفهم
القى ريان عليه وزن خفيف التقته زين بيده متأكدا مهما قال لم يقنعه بعضهما إطلاقا:
– دي واحده عايزه مهاتيه وخروج وسهر وهداية ولف وصرمحه، وأنا قلبي الضعيف ميستحملش.
وغمز له بحركة هوجائيه:
– بحب اللي تجيب من الأخر.
– ياجامد يا بتاع الأخر انت.
– آمال، هو أنا لسه ههاتي عشان أوصل لكلمة للنهاية.
تدخلت صديقتها رنا وهي تسحبها من يدها قائله بحده:
– ممكن بقى يا نور تسيبك منه وتركزي في شغلك.
اومأت برأسها وزفرت أنفاسها وأكملت عملها وهى تتمنى أن توصل إلى قلبه.
★****★
شعر “عمر” بلوعة خاصة لم يشعر بها من قبل؛ أصبح فراقها يكوي قلبه بنار تعذبه على كل شيء فعله من قبل، ندم كثيرا، لكن بماذا يفيد الندم الآن، فاق على الحقيقة المره أنها فارقت الحياة بأكملها ولن تعود مهما ندم، لكن عليه ارضاء روحها بأنه يهتم بكل شيء كانت تهتم به نهض ينظر على كل شيء يخصها حوض سمكها الذي أصبح ملئ بالرواسب، قطتها التي تشعر بفقدانها… أختها…
أفاق من تفكيره سريعا متذكر اهم شيء أختها؟ اين هي أختها التي كانت تعتبرها ابنتها؟ ضرب رأسه بقوة، فهو تركها عند جارته عندما وطئت قدمه المنزل، توجه سريعا إلى باب الشقة ليبدأ بها، وطرق على باب جارته التى تسكن أمام بيته بخفة، فتحت على الفور بملامح حزينة على حال الجالسه معها، بدأ هو بالحديث بصوت ضعيف:
– مساء الخير.. ممكن اتكلم مع هند؟
فتحت الباب على أخره مشيره بيدها بالدخول:
– اه طبعا اتفضل، دي يا حبة عيني ولا بتنام ولا بتاكل ربنا يصبركم يارب، ثواني هدخل اديها خبر.
دخل “عمر” عدة خطوات بستحياء وهو يقول:
– اتفضلي.
دخلت لها تبلغها بأن زوج أختها بالخارج ينتظرها، تبدلت خطوط الحزن بملامحها بشعاع أمل:
– فيه جديد صح… لقوها ؟!





