رواية طوق نجاتي(1_7)بقلم ابتسام محمود الصيري

جلس الأقارب يبكون ويتبادلون المواساة في الشارع قرب مكبرات الصوت التي كانت تعلن من خلالها اسماء الناجين.

وفي ذات الوقت كان الكثير والكثير من يستمع عبر الشاشات التواصل، ويستدفئون بموقد نار أو مدفأة كهربائية، لكن جميعهم اجتمعوا بالدعاء لينجيهم الله.
رغم البرد القارس الذي يقتحم أجساد مئات الناس الذين ينتظرون كلمة نجاة من يخصه، لم يشعروا بالبرد و لم يهابوا قوة الأمواج التي تغزو رمال الشاطئ التي تتقدم فيه لأطول مسافة.
★*******★
وبعد وقت في ظلمة البحر تفرقوا الفتيات عن بعضهم لبعض، منهم من مات ومنهم من افقد الوعي ومنهم حاول التمسك بالحياة لأخر لحظة. بدأ بزوغ الفجر يشق السماء، ومن بعده ظهرت اشعة الشمس الذهبية و هدأت الرياح و سكنت الأمواج كالطفل الوديع.
واصبح الماء في البحر أزرقا صافيا يحاكي زرقة السماء وصفاء البلور، وكانت “صافي” مازالت تطفوا فوق المياه فاقده الوعي، واصبح كل من الضحايا على حدى بعيدا عن الاخر، منهم من يتمسك بطوق نجاة، ومنهم من يرتدي سترة النجاة.
★****★

كان رجل وامرأة في منتصف الخمسين لهم رأي اخر لم ينتظروا مع باقي الناس بعد علمهم بغرق العبارة استقلوا سفينة صغيرة خاصه بهم وتحركوا في المياه وظلوا ساعات يبحثون بأعينهم حتى أن رأو من تتأرجح فوق المياه وقفت المرأة تهلل و تشير عليها بفرحة:
– بنتى بنتى.
ثم نظرت إلى زوجها بسعادة غامرة:
– بنتى اهي يا صلاح.

ذهل الزوج ولم يصدق عينه، فكان حقا يوجد قرش صغير يحوم حول الفتاة، صرخت الأم وكادت أن ترمي بنفسها حتى تنقذها، فلا شيء أوجع من فقدان غالي، فشعورها بفراق ابنتها مؤلم حد الموت، فنزولها مع القرش أرحم من أن تبقى بدون كلمة حانيه منها او لمسة يدها التى تربت عليها بعد نهار طويل.

أمسكها زوجها بقلب ينبض كالطبول من رعبه على الفتاة، لكنه عليه التصرف بحكمه، أمر من يعمل على سفينته بجلب بندقية، لكن الزوجة صرخت من قلبها وقالت بقهر ودموع:
– انت هتقف تتفرج عليها لحد ما يكلها القرش، وسع سبني أنقذ أنا بنتى بروحي وطلعها هي.
ضمها الزوج حتى تهدأ بقلب يتمزق وقال بنبرة هامسه:
– اهدي بالله عليكى، انت عارفة أنك النفس بالنسبة ليا، اوعي تجيبي سيرة الموت تاتي، صدقيني هطلعها، القرش طول ما هي ثابته مش واخد باله منها، هنبعده من غير اي ضرر ليها.
كانت سفينة اخرى تبع القوات الحكومية أقتربت من نفس المكان وأمرهم القبطان أن يبعدوا وهم سيسيطرون على الموقف، رفض الزوج وأخبره أنه يعرف جيدا كيف يتعامل مع القرش، ساعدوا بعضهم وكل منهم يرمي سهمه على القرش حتى أن فر هاربا عندما شعر بالخطر، ولم ينتظر الزوج وقفز وخلفه اثنين، ومن السفينة الثانية قفز منها المنقذ المسؤول حتى أن أنقذوها وقبل أن يسحبوها على سفينة القوات الحكومية صرخت بهم الأم بقلب ينفطر بصوت باكي مبحوح:
– هات بنتى يا صلاح هاتلي بنتى.
وبالفعل رفعها صلاح على متن سفينته كانت الأم قلبها ينبض يكاد يخرج من مكانه من سرعة خفقاتة وجسدها يرتعش مسكت يدها تقبلها بلهفه و تقول:
– براحه عليها حطوها بشويش.
وعندما وضعوها على أرض اللنش كان دكتور تبع السفينة الحكومية يكشف عليها، بصرتها والدتها وجدت ملامحها باهته وجسدها مثلج وشفاها زرقاء، صرخت من قلبها وهي تبكى بحرقه وهي تتمسك بمن يتفحصها :
– طمني عليها، هي فيها الروح صح، رد عليا طمنى على بنتى.
ثم صرخت بقهر:
– يعنى بعد العمر ده كله يوم ما اوصل ليكى تكوني بالحال ده.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *