رواية أولاد الباشا(9_12) بقلم شيماء منير

في المخازن الهابطة والجو المكتوم بريحة الكرتون والبضائع، فضل فارس واقف على رجله.. عمال يراجع الورق، يطابق الأرقام، ويشرف على العمال والموظفين اللي كانوا شغالين تحت توجيهاته الصارمة. الوقت كان بيمر وهو مش حاسس بيه، مجهود بدني وذهني رهيب بذله عشان يعوض الغلطة اللي عملها بسبب تشتيت قلبه.
بعد ساعات طويلة، حس بجسمه كله بيترعش من التعب وعضلاته مش قادرة تشيله، رفع إيده وبص في ساعته اليدوية.. كانت الصدمة ملامسة لوشه وهو بيشوف العقارب بتشير لـ 11 مساءً!
فارس (بهمس وصدمة وخفوت): هو أنا هنا من ١ الظهر؟!
وقف مكانه واخد نفس طويل وطلعه بتعب، وبص للموظفين والعمال اللي ملامح الإرهاق كانت مغطية وشوشهم هما كمان.
فارس (بصوت هادي ومرهق): كفاية كدا النهاردة.. هنكمل بكره إن شاء الله.
سابهم وخرج بخطوات تقيلة وجسم منهك تماماً، ركب عربيته وساق وهو شبه مش واعي للطريق، تليفونه اللي على الكرسي جنبه مكنش بيهدا.. شاشته عمالة تنور وتطفي، مكالمات ورسايل بتجري ورا بعضها من غير فاصل.. بس هو مكنش عنده ذرة طاقة حتى يمد إيده ويبص مين بيتصل. كان واصل لمرحلة من الإرهاق الفكري والجسدي تخليه يفصل عن العالم كله.
وصل الفيلا، دخل أوضته بخطوات شبه غايبة، رمى تليفونه ومفاتيحه على الكومودينو، وبكل تعبه رمى جسمه على السرير بهدومه زي ما هي.. وبمجرد ما راسه لمست المخدة، غاب عن الوعي ومحسش بأي حاجة تانية حواليه.
———_
في غرفتها شبه المظلمة، كانت بتتحرك زي الطيف الحزين.. قعدت على السرير وعيونها متثبتة على شاشة التليفون اللي نايم في حضن كفها ببرود، مبيفصلهاش عن العالم غير شاشة سودة مطفية.. كانت بتتمنى من كل قلبي، وبتدعي بدموع تلمع في ضلمة الأوضة، إن الشاشة دي تنور فجأة، ويظهر عليها اسمه.. الاسم اللي بيخلي دقات قلبها تنتظم وتتنفس من تاني.
لما عجزت تلم شتات نفسها، وقفت بخطوات مهزوزة وراحت ناحية لوحة الرسم البيضا.. مسكت الفرشة بإيد بتترعش، وبدأت تضرب الألوان بعشوائية وعنف على اللوحة، كأنها بتصرخ بالفرشة بدل صوتها المبحوح.. كانت كل ضربة لون هي تنهيدة حارقة طالعة من جوة قلبها، ودموعها بتنزل من عيونها وتختلط بالألوان السايلة على اللوحة لتبكي هي الأخرى معاها.
في اللحظة دي، انفتح الباب ببطء، ودخلت والدتها “سمية”.. بصت لبنتها بنظرة كلها حزن وكسرة على حالها، قربت منها بخطوات هادية وصوت حنين مليان قلق:



