رواية أولاد الباشا(9_12) بقلم شيماء منير

فارس (بلع ريقه بصعوبة، وبص لصلاح اللي كان مستني الإجابة بعيون صقر، وقال بنبرة هادية بس مهزوزة من جوا): كان ورايا مشوار.. واستلمت على طول.
صلاح بصله لثواني، وفجأة ارتسمت على وشه ابتسامة سخرية باردة، ربع إيده لورا وسند على مكتبه، وبصله بنظرة استهزاء وتهكم.
صلاح (بنبرة تقطر تريقة): وايه بقى المشوار اللي أهم من شغلنا ومصالحنا يا فارس باشا؟ المشوار اللي يخليك تضحي بفرز بضاعة بملايين؟
فارس فضل واقف مكانه، ملامحه اتصلبت وبصله بصمت تام.. عينيه كانت بتهرب من نظرات صلاح الموجهة ليه زي السهام، ومكنش عارف ينطق ولا يقول إيه. هيقوله إيه؟ كنت بجري ورا بنان؟!
صلاح (انفجر بغضب عارم وصوته رج المكتب تاني): زيارة لسمية وبنتها! خروجة مع بنتها واحتفال بأعياد ميلاد؟! ده اللي بقا أهم من شغلنا ومصالحنا وخسارتنا؟!
فارس ملامحه متهزتش ولا اتفاجأ.. هو عارف كويس إن حركات خط السير بتاعه متراقبة من رجال صلاح، وعارف إن مفيش خطوة بيخطيها برا الشركة إلا وصلاح عنده علم بيها.
صلاح (كمل وهو بيشاور بالورق بغضب وهستيرية): البضاعة اللي سيادتك استلمتها ومضيت عليها دي ناقصة! ومش مظبوطة بالمرة.. وفيها حاجات موظفين الجرد لما نزلو يفرزوها وراك اكتشفوا إن مدة صلاحيتها منتهية! إكسباير يا باشا! يلا بقى.. وريني شطارتك وحل المصيبة دي، ووريني هتعمل إيه!
فارس من غير ما ينطق ولا حرف، وبملامح وش خالية تماماً من أي تعبير بس جواه بركان بيغلي، لف وضهره ومشي بخطوات سريعة وخرج من المكتب.
دخل مكتبه وقفل الباب وراه.. ولأول مرة في حياته يحس بالإحساس ده.. إحساس العجز والتقصير. فارس اللي طول عمره شغله رقم واحد، اللي بيعشق إتقان كل تفصيلة، وعارف إن الغلطة في مجاله مش خسارة أرقام بسيطة، دي خسارة اسم وسمعة وملايين.. حط إيده في جيبه بضيق ملوش آخر، وطلع علبة السجاير، سحب منها سيجارة وولعها.
وقف قدام الشباك الكبير، وبدأ يشد منها أنفاس طويلة ومكتومة، ويخرج الدخان ببطء وضيق وهو بيفتكر نظرات صلاح وكلامه اللي نزل عليه زي السكاكين. مسح بإيده على شعره بتعب وإحباط.. حاسس بشتات وتوهان، ومش عارف يبدأ يصلح المصيبة دي منين.
ثواني واخد قرار حاسم.. رمى السيجارة وطفاها، ووقف بكل حزم، لم مفاتيحه وموبايله من على المكتب، وقرر ينزل بنفسه المخازن ويجرد البضاعة قطعة قطعة من البداية.




