رواية أولاد الباشا(الفصول الأخيرة) بقلم شيماء منير

.
سقطت بنان على أقرب كرسي في البلكونة بإهمال وتهالك، كأنما خارت قواها دفعة واحدة ولم تعد قدمها قادرين على حمل ثقل الفاجعة. تداعت دواخلها كبيت من زجاج، وبدأت تتنفس بصعوبة بالغين؛ يسحب صدرها الهواء ويعيده مجوفاً خاوياً لا يروي اختناقها.
رفعت عينيها المشتتتين إلى الفراغ المحيط بها، فشعرت ببرودة تسري في أطرافها، وبدأت أضواء الشارع وأغصان الأشجار تتداخل أمامها في دوران حاد يجعل العالم يترنح من حولها. ارتفع في أذنها طنين حاد ومزعج، طغى على كل صوت، حتى ذاب صخب الأغاني وضحكات المعازيم بالداخل في مدى بعيد لا تصل إليه.
لم تملك درعاً تدافع به عن نبل مشاعرها التي دهست للتو؛ فانفجرت دموعها بغزارة وسخاء، تهطل على وجنتيها لتسقط على كفيها المخضبتين بالحناء الحديثة… حناء كانت منذ دقائق معدودة شاهداً على فرحة لم تكتمل، وتلاشت ألوانها الآن تحت وطأة خيبة الأمل.
مسحت دموعها بارتعاش، وهي تردد بينها وبين نفسها بذهول عاجز:
كيف يمكن لنفس الشخص الذي منحها الأمان بالأمس، أن يق/تلع السكينة من قلبها بهذه القسوة اليوم؟
اولاد الباشا
الفصل الواحد والثلاثون والاخير
لم يكن الوجع أنك رحلت، بل أنك أخذت معك كامل قدرتي على إعطاء الفرص من جديد وقد يظن البعض أن خيبات الحب تأتي دفعة واحدة، لكنها في الحقيقة تتراكم كقطرات الماء حتى تفلق الصخر. تبدأ بلحظة شك، وتنتهي بيقينٍ مؤلم يخبرك أنك لم تكن سوى محطة في حياة من كان بالنسبة لك هو الطريق كله
دجت العتمة في الجناح فور أن خطت بنان إلى الداخل. كان فارس يقف في المطبخ الصغير، يُراقب غليان القهوة
تلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة؛ ثوانٍ اختزلت مجرّة من العتاب، والحزن، والكلام المؤجل الذي اختنق في الحناجر. لم تنطق بكلمة، بل اكتفت بتلك النظرة الثقيلة التي حملت كل أثر كلماته القاسية في بلكونة خالد. بخطوات متقلبة وحزينه وضعت حقيبتها في مكانها المعتاد، وسحبت من الدولاب ثيابًا قطنية مريحة، ثم اختفت خلف باب التواليت.
كان فارس يدرك جيدًا أن نبرته كانت حادة، وأن حقيقة ما قاله ترك في قلبها حزنا
خرجت بنان بعد دقائق، ببيجامة قطنية دافئة، وقد رفعت شعرها بعفوية إلى الأعلى، مظهرة شحوب وجهها. تتفادى النظر إليه، اتجهت نحو المطبخ وبدأت تحرك الأشياء بقلة صبر، تبحث عن شيءٍ ما.




