رواية أولاد الباشا(الفصول الأخيرة) بقلم شيماء منير

الفصل السابع والعشرون

تأتي لحظات الفراق كعاصفة غير متوقعة، تهز أركان القلب وتترك خلفها حطامًا من الذكريات والأحلام المجهدة. ليس الوجع مجرد ألم عابر، بل هو أنين صامت يتردد في أعماق النفس، ودمعة تُحتجز بين العين والروح، وندبة تحفر مجراها في ثنايا القلب لتروي قصة حنين لا ينتهي وشوق لشخص أصبح بعيدًا كالنجم، ولكن أثره ما زال قريبًا كالنفس.

بعد مرور أسبوع كامل…

كان فارس يجلس في مكتبه بالشركة، يغرق في بحرٍ من الشرود والضياع. أسبوعٌ مرّ وكأنه دهر، ولم يظهر لـ بنان أي أثر، اختفت تمامًا وكأن الأرض ابتلعتها! حتى بعد أن طلب صلاح من سمية تقديم بلاغٍ للشرطة باختفاء ابنتها، ودعموا البلاغ بأقوال يمنى عما حدث، ورغم قيام الشرطة بالبحث والتفتيش في كل مكان، إلا أن النتائج كانت صفرًا.

صار يقضي معظم وقته في الشركة، يهرب من العودة إلى البيت؛ فلم يعد يطيق رؤية جدرانه وهي خالية منها، ولا يتحمل رؤية عمته وهي تبكي ليل نهار على فراق ابنتها الوحيدة، بينما يقف هو عاجزًا لا يملك إجابة واحدة يهدئ بها قلبها المكسور.

أفاق من ركود أفكاره على طرقات خفيفة متقطعة على الباب.

نطق فارس بصوتٍ مبحوح ومتشحرج من أثر الصمت الطويل:

— ادخل.

فتحت هند الباب ودخلت وهي تحمل بين يديها صندوقًا كرتونيًا متوسط الحجم.

قال فارس بنبرة حادة ومرهقة دون أن يرفع رأسه:

— أنا مش قايلك تسيبيني شوية يا هند؟ دماغي مش مستحملة كلام ولا شغل دلوقتي!

ردت هند بآسف وهي تقترب ببطء:

— أنا آسفة جدًا يا فندم، بس رئيس الحرس طلب مني أوصل لحضرتك البوكس ده.. قال إنه وصل من شوية.

وضعت هند الصندوق على حافة المكتب واستأذنت بالخروج.

اعتدل فارس في جلسته، واقترب من الصندوق بفضولٍ مشوب بالحذر. فتح الغطاء، ولحظتها… سكنت الحركة في جسده وتجمّدت الدماء في عروقه!

كانت المفاجأة التي أطارت صوابه: فستان زفاف بنان!

وقف فارس بصدمة ذهول، ومدّ يده ببطء يرتجف ليخرج الفستان من الصندوق. لكن، ما إن رفعه حتى عصفت بقلبه صدمة أشد ضراوة وألمًا.. كانت هناك نقاط جافة من الدم تنتشر على قماش الفستان الأبيض!

ولم يكن ذلك كل شيء.. بجانب الفستان، كان العقد الماسي الذي أهداه لها مكسورًا ومُلقى بإهمال في القاع.

شعر فارس بنغزة حادة في قلبه كأن خنجرًا غُرس فيه. وبحركة سريعة مسكونة بالقلق، أخرج هاتفه وطلب رقم رئيس الحرس الذي صعد إليه فورًا.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *