قصة الأربعيني الأعزب بقلم آية محمد رفعت

ضيق “لوجين” عينيها بذهولٍ، فلم تشبع اجابتها المختصرة فضولها، لذا عادت لتتساءل من جديدٍ:

_ماذا تعني بالسابقة؟ هل انفصلا؟

هزت رأسها بالنفي، ثم قالت بتوضيحٍ:

_توفت قبل الزفاف ببضعة أسابيع، كانت تعاني من مرضٍ خبيث عفانا الله..

حزنت لما استمعت إليه، فرفعت رأسها تجاه الصورة مرة أخرى، لتردف بلهجةٍ مختنقة:

_وجع الفراق لا يعلمه سوى من عاش بصحبته… أتساءل كيف تجاوز الأمر بتلك البساطة!

ردت عليها الخادمة بشفقةٍ تجاه سيدها:

_لم يتجاوز السيد “عاصي” الأمر إلى الآن، فمنذ وفاتها تحول هذا القصر لسجن كئيب، حتى هو لم يفكر بالزواج من أخرى..

استندت بذراعيها على مقدمة المقعد المقابل لها، لتهيم بحديث الخادمة التي زرع الإعجاب بقلبها تجاهه، أعجبت بتفانيه بحبه حتى بعد وفاة من أحبت، وبشهامته واصراره على مساعدتها رغم استغلالها له وكذبتها المتعلقة بأمر حبيبها، وُلد بداخلها رغبة بسماع كل شيء يخص هذا الأربعيني الوسيم، لامست بيدها خصلات شعرها المتدلية على وجهها بدلالٍ، فسكنت لدقيقتين تراقب ملامحه المتغيرة، فعلى ما يبدو بأن تلك الصورة منذ أعواماً والذي أثار تعجبها جاذبيته التي ازدادت كلما كبر عاماً، فهمست بصوتٍ غير مسموع:

_عجباً لك… أتزداد جمالاً كلما تقدم بك العمر أم يعود بك الزمن عاماً أخر للخلف!

قطع حساباتها المعقدة وحالة صدمتها المؤثرة صوت البيانو القادم من إحدى الغرف بالطابق الأسفل، تتبعت “لوجين” الصوت كالدمية المسحورة التي تحركها الساحرة الشريرة، حتى وصلت لأحدى الغرف المغلقة، حررت بابها بربكةٍ غامضى تطرق أبواب قلبها لأول مرة، وخاصة حينما وجدته يجلس على البيانو، يحرك أصابعه على أزراره بحرافيةٍ ومهارة، حتى وعينيه مغلقة، وقفت مقابله تراقبه وتستمع لعزفه الساحر بصمتٍ، ظنت ببدء الأمر بأنه لم يراها لذا استرقت النظر إليه باستمتاعٍ لعزفه المميز، فكسر صوته الرخيم قواع. الصمت المخيمة بالغرفة:

_إن انتهيتي من المراقبة، بوسعك الإقتراب والجلوس أفضل من ان تؤلمكِ قدميك..

انفرجت شفتيها بصدمةٍ، فبللتها لتمنحها ترطيب بعد ان جفت مثل حلقها، ثم قالت بارتباكٍ:

_أتضور جوعاً فكنت أبحث عن طعاماً يشبع جوعي، فجذبني صوت البيانو إلى هنا..

أغلق باب البيانو الصغير، ثم نهض ليقترب منها، قائلاً بهدوءٍ:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *