الفصل الأول السبتيّة — وقت المغرب كان المغرب يهبط على السبتيّة ببطءٍ ثقيل، بينما الشمس تغسل الحيطان القديمة بلون ذهبيّ متعفر بالتراب. رائحة الشيشة بالتفاح تختلط برائحة الكشري المتصاعدة من عربة عم لطفي، وصوت أغاني المهرجانات يتقافز بين توك توك مارٍّ، وقهوة مزدحمة، وبلكونة مفتوحة في الدور الثالث. الأطفال يلعبون الكرة بشرابٍ ملفوف في منتصف الشارع، والنساء يجلسن أمام البيوت يقمعن البامية ويتابعن الداخل والخارج بفضول لا يهدأ. وسط هذه الفوضى الحيّة، شقّ صوت زمّارة حاد السماء. التفت الجميع في اللحظة نفسها. توك توك أسود، على جانبيه رسمة تاج ذهبي وفانوسان كبيران، ومكتوب بخط أحمر مشرشر: "الدكش — ملك السبتيّة". اندفع بسرعة، ثم خمّس أمام قهوة السلطنة بخمسة دائرية جعلت العجل يصرخ على الأرض. وقبل أن يتوقف تمامًا، كان صاحبه قد قفز منه بخفة. كان الدكش، ابن السادسة والعشرين، أسمر البشرة بفعل الشمس، ممتلئ الذراعين، عريض المنكبين، يرتدي تيشيرتًا أبيض ضيقًا يبرز عضلاته، وبنطال جينز ممزقًا عند الركبة، وكابًا أسود بالمقلوب. سلسلة فضية غليظة تلمع عند عنقه، وأنسيال يحيط بمعصمه. مظهره يصرخ "سرسجي" من النظرة الأولى، لكن في عينيه كان هناك شيء آخر؛ تعب قديم يختبئ خلف الاستعراض. نفخ صدره، ورفع ذراعيه في الهواء، ثم صاح بصوتٍ هزّ الشارع: الدكش: "وسع للملك يا جدعان! الدكش وصل! السبتيّة نورت بيا والله!" ضحك الرجال الجالسون على القهوة؛ عم سيد البواب ضرب كفًا بكف، وحمادة الميكانيكي صفّر، وزغلول بتاع الخضار مال على الطاولة يضحك. في هذه اللحظة خرجت رهف من باب القهوة. كانت تحمل صينية استانلس فوقها خمس كوبايات شاي كشري. في الرابعة والعشرين من عمرها، محجبة بطرحة سوداء ملفوفة ببساطة، وترتدي عباية داكنة واسعة ذات أكمام طويلة. ملامحها هادئة، لكن عينيها مشتعلة بعصبية جاهزة. ما إن رأت التوك توك واقفًا بهذا الشكل حتى انقبض فكها. صاحت من بعيد دون أن تنظر إليه كامل النظر: رهف: "يا دكش! يا بني آدم يامغفل انت قولتلك مية مرة ماتخمّسش قدام باب القهوة! هتكسر لي ف مرة الكوبايات والحاج يخصمها مني!" استند الدكش بكوعه على التوك توك، وأمال رأسه بميوعة مستفزة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة نصف ساخرة. الدكش: "إيه يا ست رهف؟ مالك مخشبة وشك عليا كدا م براحة؟ ده أنا بعمل جو... عشان الزباين. شوفي القهوة اتملت إزاي أول ما جيت انا رزاق وافتح خير لأي حد." وضعت رهف الصينية بعنف على ترابيزة عم سيد حتى تناثر الشاي قليلًا، ثم التفتت إليه رافعة حاجبها. رهف: "جو هو احنا ف حنة اختك ولا اي! غور يا دكش شوف لك حتة خمّس فيها بعيد عن أكل عيشنا الله يرضي عليك." تعالت ضحكات الرجال. مال حمادة بجسده للأمام وهو يغمز: حمادة: "الدكش قلبه رهيف... خصوصاً عليكي." التفتت له رهف بعينين متسعتين ووضعت يدها على خصرها. رهف: "وإنت يا حمادة يا ريت تخليك في المواتير اللي بتبوظها، بدل ما م تحفل عليا. عايز شاي ولا أرجع مكاني؟" رفع حمادة كفيه مستسلمًا. حمادة: "لا خلاص عايز بس زيادة" لكن الدكش لم يضحك. تبدلت ملامحه فجأة، وضاقت عيناه. هو لا يحب أن يذكر أحد اسم رهف بهذا الشكل، حتى ولو كان مزاحًا. اعتدل في وقفته، وضرب بيده على جسم التوك توك ضربة خفيفة. الدكش: "حمادة... لم لسانك. رهف دي خط أحمر. واللي يقرب له... السبتيّة كلها عارفة الدكش هيعمل إيه؟." استدارت رهف إليه بالكامل، وأشارت إلى نفسها بكف مفتوحة في دهشة مستفزة. رهف: "خط أحمر ودا من امتي؟! وأنا قلت لك تدافع عني ولا وكلتك محامي ليا؟! أنا أعرف أخد حقي بدراعي يا كابتن! ماتعملش فيها سي السيد." ثم استدارت ورحلت قهقه عم سيد، وظهرت فراغات أسنانه وهو يقول: عم سيد: "يا واد يا دكش... البت دي الوحيدة في السبتيّة اللي مش عاملة لك حساب. إيه؟ ملك الحارة مش قد بنت الحاج سالم احنا نعملها قرار إزالة وقتي؟" تصلب جسد الدكش. كلمة "مش قدها" ارتطمت بصدره بقسوة. هذه الكلمة سمعها كثيرًا منذ مات أبوه؛ مش قد المسؤولية، مش قد الفقر، مش قد البيت. رفع ذقنه بعناد، وأشار ناحية رهف بإصبعه متحديًا: الدكش: "!و شاورت لها بصباعي تيجي جري! بس أنا اللي مش عايز رهف مش النوع اللي يخليني اجري وراه انا اخري انكشها ببقي مبسوط بكدا" قزقز زغلول لبًا وضحك. زغلول: "يا راجل؟ طب ما تتراهن معايا!" التفت إليه الدكش، والغرور بدأ يعميه. الدكش: "أتراهن طب حلو انا موافق!" حمادة: "على إيه بقا؟" ضرب الدكش صدره بكفه، وصاح: الدكش: "أتراهن... إني أخلي رهف سالم تقول لي 'بحبك يا دكش' قدام السبتيّة كلها... في شهر واحد بس!" ساد الصمت ثانية، ثم انفجرت القهوة كلها ضحكًا. عم سيد: "شهر؟! يا ابني دي لو قالت لك 'صباح الخير' يبقى معجزة!" نفخ الدكش أنفه وقال بتحدٍ أعمى: الدكش: "هي شهر وحياتك! ولو ماحصلش... أبقى صبي عند أبوها في القهوة! أغسل الفناجين وأكنس البلاط! وأبيع التوك توك دا!" حمادة: "تمام نتفرج ونشوف" خلف باب القهوة الزجاجي، كانت رهف واقفة. صينية الشاي بين يديها ترتعش حتى اصطكت الكوبايات. وجهها تبدل لونه من شدة الغضب، وانحبست أنفاسها. همست من بين أسنانها: رهف: "أنا بقيت رهان يا دكش الكلب؟! ماشي... والله لأخليك إنت اللي تبوس التراب اللي بمشي عليه. وتقول 'آسف يا ست رهف' قدام الحارة كلها." بعد ساعة — مع أذان المغرب كانت القهوة قد هدأت قليلًا، ولم يبق فيها إلا بعض الزبائن. جلس الحاج سالم، والد رهف، خلف الكاشير على كرسي خشبي قديم. رجل في الخامسة والخمسين، الطيبة تملأ وجهه لكن المرض نحت فيه بوضوح. كان يسعل بين اللحظة والأخرى، وصدره يعلو ويهبط بتعب. وضعت رهف أمامه كوب ينسون، وجلست على ركبتيها قليلًا لتكون في مستواه. رهف: "يا با اشرب ده. وادخل ريح شوية. أنا هقفل المحل خلاص." رفع الحاج سالم عينيه إليها وابتسم ابتسامة باهتة. الحاج سالم: "أريح فين يا بنتي بس؟ وإيجار المحل؟ ودوايا؟ ومصاريف أخواتك؟ لو قفلنا يوم... ناكل منين بكرا؟" انقبض قلب رهف، ومدت يدها تمسح على كتفه بحنان. رهف: "ربنا كبير يابا متشيلش هم الدنيا اوي كدا مش مستاهلة." انفتح باب القهوة. دخل الدكش هذه المرة دون صياح، ودون استعراض. كان هادئًا على غير عادته. الدكش: "صباح السكر عليكم" رفع الحاج سالم رأسه وابتسم له بمحبة. الحاج سالم: "ازيك يا ياسين يا ابني. تعالى اشرب شاي." توقفت رهف لحظة. "ياسين". لا أحد يناديه بهذا الاسم إلا أبوها. أما الدكش، فقد رمش بعينيه سريعًا؛ هذا الاسم يوجعه ويربك قلبه كل مرة. رمقته رهف باحتقار وقالت: رهف: "عايز إيه هو انت طالعلي ف البخت ياجدع انت م تحل عن سمايا بدل م انت لازق فيت بغرا ؟" تجاهلها، وأخرج من جيبه ورقتين فئة المائتين، ثم وضعهما على الكاشير. الدكش: "ده حساب الشهر اللي فات يا حاج. كنت اتزنقت ف كام مصلحة خلوني مش عارف الاحق ف قصرت شوية... سامحني على التأخير." ابتسم الحاج سالم وربت على يده. الحاج سالم: "ماتقولش كده. إنت زي ابني. وبعدين إنت اللي بتاخد بالك من القهوة لما أغيب." بلع الدكش ريقه، ثم قال بصوت أخفض: الدكش: "عن إذنك يا حاج. عايزك في كلمتين بره." خرج الاثنان. أما رهف، فاقتربت من الباب على أطراف أصابعها، وألصقت أذنها بالخشب. الحاج سالم: "خير يا ابني؟" خفض الدكش رأسه، وصوته خرج مبحوحًا: الدكش: "يا حاج... الدكتور قال إيه طمني؟" تنهد الحاج سالم طويلاً، وسعاله قطع أنفاسه. الحاج سالم: "القلب تعبان يا ياسين. ومعدش فيه حيل وعايز عملية بالشيء الفيلاني... بـ80 ألف جنيه. منين يا ابني؟ منين اجيبهم بس م ع يدك العين بصيرة وإلايد قصيرة؟" تجمدت رهف خلف الباب، وارتفعت يدها إلى فمها. ثمانون ألفًا؟! قبض الدكش على يده حتى برزت عروقه. الدكش: "هتتصرف يا حاج. ربنا ماينساش حد. إنت وقفت جنبي لما أبويا مات وكان خير السند لازم اردلك دا...وانا ربنا يقدرني واشيلك في عيني." امتلأت عينا رهف بالدموع، لكنها تماسكت سريعًا. عاد الدكش إلى الداخل بوجه متجهم. وقعت عيناه عليها فورًا. الدكش: "انتي واقف عندك بتعملي اي؟." ارتبكت رهف، ومسحت دمعة كانت توشك أن تهرب. رهف: "هخش اعملك شاي." وفي أثناء إعدادها الشاي، كانت يداها ترتجفان؛ الرهان، ومرض أبيها، وهذا الوجه الجديد للدكش… كلها أشياء تشوش قلبها. تاني يوم الصبح — السابعة صباحًا كانت السبتيّة تستيقظ ببطء. وقف الدكش بتوك توكه أمام القهوة. غسله، وعلّق عليه وردًا بلديًا أحمر ذبل نصفه، وشغّل أغنية قديمة لعبد الحليم بصوت منخفض. خرجت رهف تحمل كيسًا لتشتري العيش، وما إن رأته حتى عقدت ذراعيها أمام صدرها. رهف: "إنت إيه اللي موقفك هنا من بدري؟" فتح الدكش باب التوك توك بحركة استعراضية. الدكش: "توصيلة VIP لست البنات. للفرن... و أي حتة تاني احنا ف خدمة ست البنات." رمقت الورد بعين ساخرة. رهف: "VIP اي بذمتك؟ ده توك توك كحيان ومعدوم العافية! وإيه الورد الميت ده اللي لا ريحة ولا منظر؟ سارقه من تربة؟" احمر وجهه قليلًا، وحكّ رقبته بحرج. الدكش: "لا... قصدي... ده ورد... انا جيبته عشان انول الرضا!" رفعت رهف الكيس ولوّحت به أمام وجهه. رهف: "الورد لو بيتكلم كان شتمك! شيل القرف ده!" ومشت. خرج حمادة من الورشة يضحك. حمادة: "ياعيني ع الحلو اللي تبهدله الايام!" انحنى الدكش والتقط الورد ثم رماه على الأرض بغيظ. الدكش: "إخرس يا حمادة! دي بتتقل! أنا عارف شغل بنات هي معجبة ومش راضية تبين!" ومن بعيد وصلهم صوت رهف: رهف: "ده أنا هخليك تكره اليوم اللي اتولدت فيه يا دكش!" العصر — أمام الفرن ثلاثة عيال من صيع المنطقة كانوا يضايقون فتاة تحمل شنطة عيش. كانت رهف. شدت الشنطة إلى صدرها وهي تدفع أحدهم. الواد الأول: "إيه يا حلوة... ما تجيبي رغيف؟" دفعت رهف كتفه بقوة. رهف: "امشي يا حيوان من هنا بدل م انسل الشبشب ع دماغك" اقترب الثاني منها. الواد التاني: "مين دا اللي حيوان يابت؟" وفجأة، انطلق توك توك الدكش من آخر الشارع كالرصاصة، وفرمل بعنف أمامهم. نزل منه ووجهه مشتعل، وعروقه نافرة. أمسك الأول من ياقة قميصه ورفعه. الدكش: "بتغلس عليها ليه؟" ارتبك الشاب. الواد: "إنت مالك يا عم! دي واحدة..." لكن الدكش لم يمهله؛ رزعه قلمًا دار معه وجهه. وصاح بصوت هزّ الشارع: الدكش: "اللي يخص دكش مفيش .....يقرب منه البت دي مراتي والله لو لمحتك ف شارع هي فيه لاكسر مناخيرك سامعني" تجمدت رهف. شهقت، واتسعت عيناها. مراتي؟! فرّ الأولاد جريًا. أمسكت تيشيرته من صدره تهزه بعنف. رهف: "إنت عقل فوت؟! مراتك مين يا دكش انا ع الزمن اتجوزك انت اصوم واصوم وافطر عليك؟! إنت فاكر نفسك مين؟!" كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه ساخنة. نظر إليها مرتبكًا لأول مرة. الدكش: "أنا... أنا آسف. الكلمة طلعت غصب عني. بس... بس مقدرتش أشوفهم بيكلموكي كده. دمي فار. وقلبي اتكوي" دفعته رهف بكل قوتها. رهف: "دمك فار؟! وإنت مالك بيا! مش عايزة حماية منك ولا من غيرك!" خفض صوته، وقد خفتت حدته فجأة. الدكش: "عارف إنك بـ ميت راجل. بس... بس الحارة دي مالهاش أمان. وأنا... أنا مسؤول. هنا... في السبتيّة... أنا ملك الحارة. وإنتي... إنتي من الحارة. يعني في حمايتي غصب عنك." دمعت عيناها من الغيظ. وأشارت بإصبعها في وجهه. رهف: "وهو الكبير بيراهن ع بنات الناس عشان يذلهم قدام الخلق الله يرضي عليك بلاش تقول ع نفسك راجل وسند غير لما تستاهلها فعلا" ، ثم جرت وهي تبكي. ظل الدكش واقفًا مكانه كأن أحدهم صفعه. كلمة "تبقى راجل بجد" اخترقت صدره. وصل حمادة إليه يلهث. حمادة: "يا دكش! إيدك بتجيب دم!" نظر إلى يده؛ كانت مجروحة فعلًا، والدم يسيل منها دون أن يشعر. همس بشرود: الدكش: "دي علمت عليا" ربت حمادة على كتفه. حمادة: "يا صاحبي..." ركب الدكش التوك توك وأدار الموتور بعصبية. الدكش: "انا مخنوق وعايز اطير من هنا" انطلق. ومن شرفة بيتها، كانت رهف تراه. رأت الدم على يده. ورأت انحناءة ظهره لأول مرة. مسحت دمعتها وهمست: رهف: "ع الله تحس" ثم وضعت يدها على قلبها الذي كان يدق بعنف. بالليل — أمام بيت رهف طرق خفيف على الباب. فتحت رهف فلم تجد أحدًا. على الأرض كيس صغير. انحنت والتقطته. في داخله: شريط دواء للقلب، ومطهر، وبلاستر. وورقة صغيرة مكتوب عليها: "عشان الجرح. وعشان الحاج. ماتقوليش لحد. اني جيبتهم بقا الدكش" اتسعت عيناها. هذا الدواء وحده غالٍ. من أين أتى به؟ رفعت رأسها نحو الشارع. كان توك توكه متوقفًا بعيدًا، وهو ممدد داخله. أما الدكش، فكان مستيقظًا، ينظر إلى بلكونتها. إحدى يديه ملفوفة ببلاستر، وبطنه يعتصرها الجوع… فقد صرف كل ما معه على الدواء. أخرج من جيبه ورقة قديمة صفراء، متنية الأطراف. شهادة مدرسية. "الطالب ياسين عبد التواب — الأول على المدرسة الإعدادية." ابتسم ابتسامة حزينة، ثم همس لنفسه: الدكش: "شهر واحد يا رهف... يا تخليني أرجع ياسين. الحقيقي.. يا هفضل دكش طول عمري وساعتها هنندم احنا الأتنين." الفصل الثاني السبتيّة — الساعة التاسعة صباحًا كانت الشمس قد خرجت منذ قليل، لكن السبتيّة استيقظت قبلها كعادتها. صوت عربات الفول يملأ الشارع، ونداءات الباعة تتقاطع مع صريخ الأطفال المتجهين إلى المدرسة، ورائحة العيش الساخن تتصاعد من الفرن القريب فتملأ الجو دفئًا. أما قهوة السلطنة، فقد كانت كعادتها مفتوحة منذ الفجر، بابها العتيق يستقبل الجدعان منذ ثلاثين سنة كاملة. في الداخل، جلس الحاج سالم خلف الكاشير الخشبي القديم. كان وجهه شاحبًا على غير عادته، وعيناه مطفأتين من الإرهاق، لكن ابتسامته لم تكن تفارق شفتيه كلما دخل زبون. رجل يحاول أن يخفي مرضه خلف الطيبة. أما رهف، فكانت، تحرك أبريق الشاي بيد، وترص الفناجين باليد الأخرى. شعرها ملفوف بإحكام تحت الطرحة السوداء، وعلى طرف عبايتها بقعة شاي بنية من الليلة الماضية لم تلحق أن تغسلها. انفتح باب القهوة. دخل الدكش. لكن هذه المرة لم يسبقه صوت زمارة، ولا دخلة استعراضية، ولا ضحكات عالية. دخل صامتًا، كتفاه منخفضتان قليلًا، وعيناه في الأرض. إحدى يديه مربوطة ببلاستر أبيض من خناقة الأمس، وكان الألم يلسعها مع كل حركة. رفع رأسه وقال بهدوء: الدكش: "صباح الخير يا حاج." رفع الحاج سالم عينيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة متعبة. الحاج سالم: "صباح النور يا ياسين يا ابني. تعالي افطر معايا لقمة عقبال م رهف تعملك الشاي لم تلتفت رهف حتى، وظلت تصب الشاي وهي تقول ببرود: رهف: ". مش سبيل هو يابا انا مش بعمل ببلاش." أخرج الدكش عشرة جنيهات ووضعها على الكاشير بهدوء. الدكش: "حسابه وصل. وعليه قرش زيادة... عشان خاطر الحاج وعيونه." وقبل أن يرد أحد… وضع الحاج سالم يده على صدره فجأة. تقلص وجهه، وانسحب الدم منه في لحظة، ثم أصدر الكرسي تحت جسده صريرًا حادًا. الحاج سالم: "آه... يا... يا رب..." شهقت رهف، وسقطت الصينية من يدها. تناثر الزجاج والشاي في كل اتجاه. رهف: "ياباااا! وفي أقل من ثانية كان الدكش قد اندفع نحوه. أسنده من تحت إبطيه، فبدا جسده خفيفًا على نحو مفزع من شدة المرض. الدكش: "ياحاج! حاج سالم! كانت رهف تبكي وترتعش وهي تهز كتف أبيها. رهف: "في اي؟ هو كان كويس؟ يابا...قوم بالله عليك انا خايفة دخل عم سيد من الباب على الصوت، وعيناه اتسعتا. عم سيد: "يا نهار إسود! مالو الراجل؟!" التفت له الدكش صارخًا، وصوته ملأ المكان بقوة جعلت الجميع يتحرك: الدكش: "اتصل بالإسعاف يا عم سيد! بسرعة! حمل الحاج سالم بين ذراعيه، وركض به نحو الكنبة الموجودة في آخر القهوة. أنزله عليها برفق، ثم فك أول زرين من جلابيته ليسهّل عليه التنفس. التفت إلى رهف التي كانت شبه مشلولة من الذعر. الدكش: "هاتي مية يا رهف! وشوفي الدوا بتاعه فين!" أخذت تبحث بعينين ضائعتين ويدين ترتعشان. رهف: "فين هو فين؟... فين؟... أهوه!" أعطته الشريط. أخرج البرشامة ووضعها تحت لسان الحاج سالم. ساد صمت ثقيل. حتى الشارع بالخارج كان قد توقف. الناس تجمعت أمام القهوة، لكن لا أحد يجرؤ على الدخول. بعد دقيقتين بدتا كأنهما دهر، فتح الحاج سالم عينيه ، وأنفاسه تخرج متقطعة. همس بصوت خافت: الحاج سالم: "ياسين... القهوة... الباب... البنات..." انحنى الدكش عليه فورًا، وأمسك يده بكلتا يديه. الدكش: "متخافش يا حاج ووحد الله كدا أنا هنا. ماحدش هيقرب لها والله ارتاح إنت بس وخد نفسك وبلاش تتكلم كتير." أغمض الحاج سالم عينيه من جديد، لكنه هذه المرة كان نائمًا… لا غائبًا. هبطت رهف إلى الأرض بجوار قدم أبيها، ودفنت وجهها في ركبتيها، تبكي بكتمان يهز كتفيها. رفع الدكش عينيه إليها. ولأول مرة… يرى رهف القوية، سليطة اللسان، العنيدة… مكسورة هكذا. شعر بشيء يعصر قلبه. اندفع حمادة إلى الداخل يلهث. حمادة: "الإسعاف على وصول! بس قالوا لازم حد يجي معاه المستشفى!" رفعت رهف رأسها فجأة ونهضت. رهف: "أنا! أنا هروح معاه!" لكن الدكش اعترض طريقها فورًا. الدكش: "والقهوة؟ هتسيبيها لمين؟ صرخت فيه بعينين حمراوين: رهف: "تتحرق القهوة! أبويا أهم!" اقترب منها خطوة، وصوته خرج حاسمًا لا يحتمل جدالًا. الدكش: "أبوكِ لو فاق وعرف إنك قفلتي أكل عيشكم هيروح فيها تاني وساعتها مش هيسامحك! أنا هروح معاه. وإنتِ امسكي المحل وابقي اطمنك ع طول." رمشت رهف غير مصدقة. رهف: "إنت؟! إنت هتروح مع أبويا؟!" رفع عينيه إليها مباشرة. الدكش: "أيوه. أنا. ولا مش مأمناني على أبوكي يا ست رهف؟" سكتت. نظرت إلى أبيها… ثم إليه. مجنون. سرسجي. مستفز. مراهن عليها. لكنه هو من حمل أباها الآن. وهو من لحقه. وهو من أحضر الدواء الليلة الماضية. ابتلعت ريقها بصعوبة. رهف: "طب... طب لو جراله حاجة... والله ما هرحمك يا دكش هتشوف مني وش عمرك م شوفته وهيزعلك جامد اوي مني." ثبت نظره فيها وقال دون تردد: الدكش: "لو جراله حاجة... ادفنيني جنبه ف نفس الثانية واوعدك هسامحك دنيا واخرة امين كدا ؟." وصلت الإسعاف. ساعد المسعفين في حمل الحاج سالم، ثم صعد معه. وقبل أن يُغلق الباب، ألقى نظرة أخيرة على رهف الواقفة في منتصف القهوة المحطمة. الدكش: "ماتقفيش كده. لمي القزاز. وافتحي القهوة من تاني وشوفي اكل عيشك. أبوكي راجع يارهف." وأغلق الباب. وقفت رهف في مكانها، حولها الشاي المسكوب والزجاج المكسور. اقترب عم سيد منها بحذر. عم سيد: "يا بنتي... هنعمل إيه؟ مسحت دموعها بظهر يدها، ثم شمرت كمي عبايتها. رهف: "هنفتح. زي ما قال ياعم سيد الدنيا مينفعش تقف ودي امانة ابويا" المستشفى الحكومي — بعد ساعة الممر مزدحم، رائحة المطهر خانقة، وأصوات المرضى والممرضات تختلط بصراخ متقطع. كان الدكش يقف أمام غرفة الطوارئ، يذرع المكان ذهابًا وإيابًا. يده المجروحة نزفت تحت البلاستر، لكن عقله لم يكن حاضرًا مع الألم أصلًا. خرج الطبيب أخيرًا. الدكتور: "إنت ابن الحاج؟" رفع الدكش رأسه بسرعة، ثم قال متلعثمًا: الدكش: "أيوه... يعني... زي ابنه هو اللي مربيني خير يا دكتور؟" خلع الطبيب الكمامة قليلًا. الدكتور: "جلطة بسيطة. لحقناه. بس لازم يتحجز 3 أيام تحت الملاحظة. ولازم راحة تامة شهر على الأقل. مجهود ممنوع. زعل ممنوع. اظن واضح" اتسعت عينا الدكش. الدكش: "شهر؟! طب والعملية يادكتور؟" هز الطبيب رأسه. الدكتور: "العملية دي قصة تانية. دي محتاجة 80 ألف. بس الأول لازم حالته تستقر." الرقم دوّى في رأسه كضرب الطبول. بلع ريقه بصعوبة. الدكش: "ممكن أشوفه؟" الدكتور: "دقيقتين بس. وماتقلقوش هو لازمله راحة عكس كدا احنا بنجازف." دخل الغرفة. كان الحاج سالم مستلقيًا على السرير، المحاليل معلقة في يده، ووجهه أبيض كالشمع. اقترب الدكش ببطء، ثم جلس بجواره وأمسك يده. الدكش: "قوم يا حاج... السبتيّة من غيرك ضلمة. ورهف... رهف مكسورة قوي. قوم عشانها. وعشاني... عشان لسه مارديتلكش الجميل." فتح الحاج سالم عينيه نصف فتحة. الحاج سالم: "القهوة... يا ياسين..." أومأ الدكش بسرعة. الدكش: "في عيني. أغمض الحاج سالم عينيه ونام. خرج الدكش من الغرفة، وأسند ظهره إلى الحائط. أخرج سيجارة، ثم تذكر أين هو، فأطفأها قبل أن يشعلها. تحسس جيبه. خمسون جنيهًا فقط. همس لنفسه: الدكش: "80 ألف !... يا رب. أجيبهم منين؟ أبيع التوك توك؟ مايجيبش 20 دا لو جاب. أسرق طيب؟ أبقى جبان وابن حرام. أشتغل ؟ فين شغل يجيب 80 ألف في شهر بس ياعالم قفلت زي الدومنة يادكش؟" تذكر الرهان. وتذكر رهف. وتذكر القهوة. زفر بعنف. الدكش: "الله يعينا ع اللي داخلين عليه قهوة السلطنة — وقت الظهر كانت القهوة مفتوحة، لكنها شبه فارغة. وقفت رهف وحدها بين الوابور والطاولات، تصنع الشاي وتمسح الترابيزات، لكن عينيها معلقتان بالباب كل لحظة. كل دقيقة تمر كانت تمر كسنة. دخل حمادة. حمادة: "ها يا ست رهف... الحاج عامل إيه؟" خرج صوتها مبحوحًا من كثرة القلق: رهف: "ماعرفش. الدكش ماردش عليا." حمادة: "طب عايزة أي مساعدة؟ أنزل أقف معاكي؟" هزت رأسها. رهف: "لا. شكراً يا حمادة." دخل زغلول بعدها مباشرة وجلس. زغلول: "عايزين شاي. وعلى الحساب." رفعت رهف عينيها إليه ببرود. رهف: "مفيش على الحساب يا عم زغلول. الحاج عيان اللي يشرب حاجة يدفع تمنها وقتي وإلا ميجيش." تجهم وجهه. زغلول: "إيه يا بت! ده إحنا زباين المحل!" وضعت الكوباية على الترابيزة بخبطة قوية. رهف: "والزبون اللي مايحاسبش... يبقى مايلزمناش! عايز تشرب... ادفع. مش عايز... الباب يفوت جمل. أخرج الفلوس. ابتسم عم سيد من بعيد. عم سيد: "بنت ابوكي بصحيح." وفي هذه اللحظة… انفتح الباب. دخل الدكش. كان وجهه ذابلًا، وهدومه مبهدلة، وتراب المستشفى عالقًا عليه. نسيت رهف كل شيء، وركضت نحوه. رهف: "بابا... بابا عامل إيه؟" ألقى بنفسه على كرسي وهو يلهث. الدكش: "عايش. هيتحجز 3 أيام. والدكتور قال راحة شهر." انهارت ساقاها وجلست. رهف: "الحمد لله... الحمد لله يارب." وانفجرت بالبكاء. هذه المرة لم يكن بكاء خوف… بل بكاء نجاة. رفع الدكش عينيه إليها. أنفها محمر، وعيناها متورمتان. سألها: الدكش: "القهوة... عاملة إيه؟" مسحت دموعها سريعًا وعادت تتصلب. رهف: "وإنت مالك؟" رفع رأسه وقال بجدية: الدكش: "شغل العند ف الوقت دا يخليني اشوفك طفلة ومش مراعية الظروف اللي احنا فيها رهف: انت اللي حاكك نفسك معانا نهض من كرسيه. الدكش: " انا بسدد دين أبوكِ وبنفذ امانته اللي حطها ف رقبتي وهنفذها ذوق عافية انا هشتغل معاكي هنا ف القهوة شهقت رهف. رهف: إنت تطفش الزباين!" خلع الكاب من فوق رأسه، وألقاه على الترابيزة. الدكش: "هتعلم. وهنشوف هطفشهم ولا هجيب لك زباين السبتيّة كلها يارهف رهف: "ولو قولت لا؟" اقترب خطوة، وخفض صوته. الدكش: "قولي ومش هنفذ عشان الدكش مش بيمشي ورا ستات قهوة السلطنة — بعد العصر بدأت ملامح القهوة تتغير شيئًا فشيئًا. الهدوء الذي خيّم بعد الحادث لم يدم طويلًا، لكن شيئًا مختلفًا كان قد استقر في الجو؛ نوع من الترقب، كأن المكان نفسه ينتظر قرارًا جديدًا من الدكش. كان واقفًا خلف الطاولة، يرتدي مريلة القهوة فوق تيشيرته الأبيض. المشهد بدا غريبًا على الجميع؛ الدكش، ملك السبتيّة، يتحول إلى صبي قهوة. مرر زبون شاب من أمامه وهو يضحك ساخرًا: زبون 1: "إيه يا دكش! قلبت قهوجي ولا اي صحيح متزعلش ع الراجل لو مات ازعل عليه لو خاب؟" رفع الدكش عينيه إليه ببطء، ثم وضع الكوب أمامه بعنف محسوب، حتى ارتجف السائل داخله. الدكش: "اسمي ياسين يا محترم. ابتلع الزبون ريقه بسرعة وأمسك الكوب بصمت. من بعيد، كانت رهف تراقبه. كانت تقف خلف الوابور، يداها تتحركان تلقائيًا، لكن عينيها ثابتتان عليه. كل حركة منه كانت تثير داخلها خليطًا غريبًا من الغضب والقلق… والانتباه. اقترب حمادة وهو يضحك: حمادة: "يا جدعان! الدكش بقى صبي! أقسم بالله السبتيّة هتشوف أيام سودا!" التفت الدكش نحوه فورًا، وألقى عليه فوطة المطبخ. الدكش: "تعالى ساعد بدل ما تتريق! امسح الترابيزة دي اوام!" تراجع حمادة خطوة وهو يضحك: حمادة: "أنا؟! أنا ميكانيكي يا عمنا تخصص عربيات لامؤخذة!" الدكش: "والنهاردة صبي عندك مانع؟. كلنا صبيان عند الحاج سالم لحد ما يقوم." ساد صمت خفيف بعد الجملة. رهف توقفت للحظة عن الحركة. كلماته لم تكن استعراضًا هذه المرة. كانت شيئًا آخر. شيئًا جادًا بشكل يزعجها دون أن تفهم لماذا. زغلول يدخل القهوة دخل زغلول بخطوات واثقة كعادته، وجلس دون مقدمات. زغلول: "شاي... وعلى الحساب." رفع الدكش رأسه إليه مباشرة. لم يبتسم. لم يعلّق. فقط اقترب. الدكش: "قولت لك مفيش على الحساب. الحاج عيان، والدواء غالي. هتدفع... ولا تشرب في بيتكم وتريحنا وتريح نفسك." اتسعت عينا زغلول بدهشة. زغلول: "إنت هتبلطج عليا يا دكش؟" اقترب الدكش خطوة إضافية، وانحنى قليلًا نحوه، وصوته خرج منخفضًا لكنه حاد كالسيف. الدكش: "هتدفع ولا تورينا عرض كتافك تدخلت رهف بسرعة وهي تقترب: رهف: "سيبه يا دكش! هتودينا في داهية!" نظر إليها لحظة، ثم أرخى قبضته. تركه. زغلول التقط أنفاسه بسرعة، ثم أخرج النقود ورماها على الطاولة بغضب، وخرج وهو يتمتم بالشتائم. التفتت رهف للدكش وهي تضربه في كتفه: رهف: "مش هترتاح غير لما تقفلهالنا أمسك كتفه من أثر الضربة، لكنه لم يتألم بقدر ما ابتسم بشكل خافت: الدكش: هتعامل معاهم بحنية عشان نين عيونك ياستو انا!" رهف: " اشتغل وانت ساكت!" رفع حاجبيه بمكر خفيف: الدكش: ". بقى كده ماشي اتقل يارز براحتك مسيرك تستوي المساء — هدوء القهوة بعد أن خفّ الزحام، بدأت القهوة تستعيد أنفاسها. رهف كانت تعد النقود خلف الطاولة، تحاول أن تخفي ارتجاف يديها وهي تجمع حصيلة اليوم؛ مبلغ ضعيف بالكاد يكفي الأساسيات. الدكش كان جالسًا على كرسي خشبي في الزاوية، يربط يده المصابة من جديد. كان صامتًا هذه المرة. صمت غيره هو أيضًا. رفعت رهف عينيها نحوه. اقتربت دون أن تتكلم، ثم أخذت علبة المطهر من الدرج وجلست أمامه. رهف: "هات إيدك." رفع رأسه باستغراب: الدكش: "هاه؟" رهف: "هات إيدك يا دكش! هتسيبها تتلوث كدا يعني؟" أعطته يدها برفق، وبدأت تنظف الجرح. كانت أصابعها ترتجف قليلًا، لكنها كانت تحاول إخفاء ذلك. أما هو… فكان يراقبها بصمت. يراقب وجهها القريب، رموشها وهي تتحرك، طريقة تنفسها وهي تحاول التركيز. شيء جديد عليه تمامًا. شيء يربكه. الدكش: "على فكرة... إنتِ..." لم تكمل. قاطعته بسرعة وهي تضغط على البلاستر: رهف: "إيه؟" توقف لحظة، ثم قال بصوت أخف: الدكش: "إنتِ... بتعملي الشاي حلو. اوي تصدقي أحلى من شاي أمي الله يرحمها." ارتبكت فجأة، الدكش: "آآآه! براحة يا مفترية!" قامت بسرعة، وأغلقت العلبة بعنف: رهف: "تستاهل! عشان تبطل تحشر نفسك في اللي مالكش فيه!" اتجهت نحو الباب وهي تهم بالخروج. ناداها بصوت منخفض: الدكش: "رهف..." توقفت دون أن تلتفت. رهف: "نعم." الدكش: "هوني ع نفسك" صمتت لحظة. ثم قالت بصوت مكسور رغم قوتها: رهف: الوحدة وحشة وانا ولا حاجة من غير ابويا." اقتربت نبرة صوته قليلًا: الدكش: "مش هتبقي لوحدك" لم ترد. فتحت الباب وخرجت. وبقي هو وحده في القهوة، يحدق في الفراغ. الفصل الثالث والرابع رهان الدكش هاجر عبدالحليم الفصل الثالث السبتيّة — تاني يوم — بعد الفجر بقليل كانت المدينة ما تزال غارقة في نعاسٍ خفيف، إلا أن السبتيّة كانت قد بدأت تستعيد ضجيجها المعتاد؛ أصوات الباعة تتداخل، وعربات الفول تشق الطريق ببخارٍ ساخن، ورائحة الخبز تتسلل من الأفران القديمة كأنها تذكير بالحياة. في هذا الصباح، كانت رهف وحدها مستيقظة منذ ساعات. عيناها متورمتان من قلة النوم، ووجهها شاحب، وكتفاها المنهكان يفضحان ثقل ما بداخلها. لم تنم إلا ساعتين، وقلبها لم يعرف الراحة. قبل أن تتجه إلى القهوة، مرّت على المستشفى. وقفت للحظات خلف الزجاج، تنظر إلى والدها النائم، صدره يعلو ويهبط ببطء، وملامحه تبدو أضعف من الأمس. ثم التفتت ناحية الخارج. كان الدكش نائمًا في التوك توك أمام الباب، ممددًا كحارسٍ لم يُرد أن يغادر، رأسه مائل، وكابٌ يغطي وجهه، وذراعه المصابة متدلية بلا حركة. اقتربت خطوة، ثم همست لنفسها، وشفتيها ترتجفان: — "مروحتش بيتك ليه يا بني آدم؟" وضعت كيسًا صغيرًا فيه طعام ومياه فوق التوك توك، ثم ابتعدت سريعًا قبل أن يستيقظ. الساعة السابعة صباحًا — قهوة السلطنة فتحت رهف الباب الحديدي، وصوت المفتاح في القفل تردد في الشارع الخالي كأنه يوقظ المكان لا يفتحه. داخل القهوة، كانت رائحة الغبار مختلطة بالشاي البايت، وكأن الليل لم يغادر بعد. وبعد لحظات، دخل الدكش. لم يدخل بصخب كعادته، بل بخطوات ثقيلة هادئة، وملامح مرهقة، وعينين حمراوين من السهر. قال بصوت منخفض: — "صباح الخير." رفعت رهف نظرها نحوه، متفاجئة: — "إنت… لحقت تنام يبني انت بقيت شكلك عامل زي الزومبي؟ هز كتفيه ببطء، وقال وهو يسند ذراعه المصابة: —عادي اتعودت" ساد صمت ثقيل بينهما، لم يقطعه سوى صوت تحضير الوابور. قالت فجأة: — "تشرب اي؟ نظر إليها باستغراب: — "هتعمليلي؟" ردت دون أن تلتفت: — "هغير رايي جلس على كرسي خشبي، ومسح وجهه بإرهاق واضح: — "سكر زيادة." رفعت حاجبها بخفة: — "سكر زيادة؟ ده جديد عليك. انت بتشربه سادة" أجاب بصوت خافت: — "من زمان ما دقتش حاجة حلوة ونفسي اجرب ع ايدك انتي." كانت يدها ترتجف وهي تضع السكر؛ معلقة… ثم أخرى… ثم ثالثة، حتى زاد عن الحد دون وعي منها. وضعت الكوب أمامه بقوة، فانسكب منه قليل: — "اشرب… عشان تصحصح. ورانا يوم طويل." شرب رشفة، فارتسمت على وجهه ملامح انزعاج من شدة الحلاوة، ثم ضحك بخفة: — "ده مش شاي… ده عسل اسود يخربيت سنينك." لكن عينيه لم تكن تضحك؛ كانت تراقبها بصمت مختلف. الساعة العاشرة — القهوة مزدحمة انتشر الخبر في السبتيّة: الحاج سالم في المستشفى… والدكش ماسك القهوة. دخل الزبائن، بعضهم بدافع الفضول، وبعضهم للشماتة. قال أحدهم ساخرًا: — "لحد امتي يادكش ؟ وضع الكوب بهدوء وقال: محدش ليه فيه وأضاف آخر: — "وست رهف بتدفعلك كام؟ ولا كله بالحب يمشي وانت تزيد محبة؟" انفجر بعضهم بالضحك. لكن رهف اشتعل وجهها غضبًا، وضغطت على الصينية حتى ابيضّت مفاصلها، وكادت أن ترميها. إلا أن الدكش سبقها. ضرب الطاولة براحته بهدوء، لكن صوته كان قاطعًا: — مفيش هزار في محل أكل العيش. اللي عايز يستظرف… يطلع برة وإلا ودين الله لشلفط وشه" ساد الصمت فورًا. ثم اقترب منها هامسًا: — "كويس كده؟" لم تنظر إليه: — "كويس… بس ما ترفعش إيدك على حد تاني." ابتسم: — "حاضر يا معلمة." ارتجفت عند الكلمة دون أن تفهم سبب ذلك. منتصف النهار — المواجهة فُتح الباب بعنف. دخل زغلول ومعه رجلان غليظا الملامح. صرخ: — "فين ياسين اطلع يادكر وريني جمال عضلاتك؟" تجمد المكان. ارتجفت أنفاس رهف، وتراجعت خطوة دون وعي. أما الدكش فمسح يديه ببطء، ثم رفع رأسه. قال بهدوء: — "خير يا زغلول؟" لكن الهدوء كان مقدمة للعاصفة. قال أحد الرجال: — "القهوة دي هتتقفل. المعلم زنهم عايزها." عند الاسم، ارتجفت رهف، وشهقت بصمت. ابتسم الدكش ابتسامة جانبية: — "زنهم يبعث عيال ورق؟ ما يجي بنفسه أحسن. هو مش راجل ولا اي؟" اندفع أحدهم، فتناثرت الأكواب على الأرض. صرخت رهف: — "حرام عليكم! ده أكل عيشنا!" في تلك اللحظة، التفت الدكش إليها. رآها خائفة… للمرة الأولى بهذا الشكل. فارتجف داخله شيء لم يعتد عليه. ثم قال بصوت منخفض مخيف: — "انتو اللي جيبته لنفسكم." وانفجرت الفوضى. ضربة… دفع… كراسي تتحطم… صوت ارتطام. صرخت رهف فجأة: — ياسين!" توقف لثانية… ثم أكمل. انتهت المواجهة سريعًا، وغادروا مهرولين. بعدها — صمت ثقيل كانت القهوة مدمرة جزئيًا. زجاج مكسور، كراسي مقلوبة، ودم خفيف على الأرض. اقتربت منه رهف، وبدأت تضمد جرحه بيدين مرتجفتين. قالت بغضب ممزوج بالخوف: —لحد امتي دراعك سابق عقلك؟ ابتسم بتعب: — "بس ما سبتهمش يكسروا القهوة… صح كنت راجل عرف يتصدرلهم؟" رفعت عينيها: — "قهوة اي بس إنت كنت هتضيع مني!" سكتت فجأة. كلمة خرجت بلا وعي: "مني". سمعها… فابتسم بصمت. المساء — المستشفى استيقظ الحاج سالم. اقتربت رهف بسرعة، تمسك يده: — "وحشتني يابا وقال الدكش بثبات: — "محدش لمس القهوة يا حاج. ف غيابك" نظر إليهما طويلًا، ثم ابتسم: — "إنتو كويسين وانتو مع بعض؟" تبادلا نظرة سريعة، ثم قالا معًا: — لا ابتسم وأغمض عينيه. خارج الغرفة قال الدكش بهدوء: — "هبات هنا النهاردة." أخرجت رهف كيسًا صغيرًا: — طب خد امسك الأكل دا سأل: — "جبتي اكل ليه؟؟" أجابت وهي تبتعد بسرعة: — "عشان الطبيعي البشر ياكلو عشان ميموتوش." لكن خطواتها كانت أسرع من صدق كلماتها. نظر للكيس بين يديه، ثم همس: — "حتة بغاشة ياناس شرب رشفة، وقال بصوت خافت: — "المرّ… بيبقى حلو لما كان سكره انت الفصل الرابع السبتيّة — اليوم التالت — قبل الظهر كانت القهوة مفتوحة منذ الصباح الباكر، لكن الصباح نفسه كان مثقلاً كأنه لم يكتمل. رهف تقف وحدها خلف الكاشير، عيناها محمرتان من السهر، وملامحها مشدودة من القلق. الحاج سالم ما يزال في المستشفى، حالته مستقرة لكن الزيارة ممنوعة إلا لشخص واحد. أما الدكش فقد قضى ليلته في التوك توك أمام القهوة، متكئًا كمن حرس المكان بجسده المنهك. دخل متثاقلاً، يتثاءب دون خجل، وعيناه نصف مغلقتين من التعب. الدكش: "صباح الخير." رفعت رهف الفوطة فجأة وألقتها نحوه. رهف: "إتأخرت ياسعادة البيه دي مش طريقة شغل ناس عايزة رزق من ربنا. امسح الترابيزات. والحمام عايز يتمسح كمان." أمسك الفوطة، ثم نظر إليها بتمعّن، وكأنه يحاول قراءة ما لم تقله. الدكش: "إنتي نمتي كويس؟" رهف: " خلص شغلك وبلاش خوتة." اقترب منها خطوة، صوته أقل سخرية من المعتاد: الدكش: " عينيكِ عاملة زي الطماطماية." ضربت الملعقة في الكوب بعصبية، فارتجّ الصوت في المكان. رهف: "ياسين! !" تجمد في مكانه. الاسم لم يكن مجرد نداء… كان صفعة خفية. خفض رأسه ببطء، ثم تمتم: الدكش: "حاضر يا... يا معلمة." وانصرف إلى عمله بصمت ثقيل. العصر — هدوء مشوب بالتوتر كان المكان شبه خالٍ. رهف تجلس خلف الكاشير، تحسب الدواء في دفتر صغير، أصابعها تتحرك بسرعة وقلق. المال ينفد، والمستشفى يبتلع ما تبقى. الدكش يجلس على الكنبة، يمسك ذراعه المصابة، يتأمل الجرح بصمت. رهف دون أن تنظر إليه: "غير على الجرح. ." رفع عينيه إليها قليلًا. الدكش: "مكسّل. بصراحة" التفتت نحوه فجأة، نظرة حادة: رهف: "مكسّل لا حلوة؟! طب قوم نام في بيتكم جاي للشقا برجليك ليه! إيه اللي مقعدك؟" ابتسم بسخرية مريرة: الدكش: " الأوضة اللي فوق السطوح اللي بدفع إيجارها بالعافية؟ ولا الشقة اللي أعمامي خدوها مننا منهم لله؟" ساد صمت ثقيل. ثم التفتت إليه ببطء. رهف: "ليه؟ تدارك نفسه بسرعة، ومسح الكلمات كأنها زلة: الدكش: "انسي فوكك كدا شكلي بخرف." وقفت دون تعليق، لكن عينيها علقتا به. عند الباب، رأت التوك توك. مترب، مهمل، وكأنه مرآة لحياته. دون أن تقول شيئًا، أمسكت جردلًا وخرجت. الدكش: "بتعملي إيه؟" رهف: "بنضف الزريبة بتاعتك دي دا مش توكتك اصلا." ارتفع صوته فجأة: الدكش: "لا يارهف لكنها لم تتوقف. بدأت تنظفه بعناد، حتى وصلت لأسفل الكرسي بجانب المقعد. مدّت يدها… فارتطمت بشيء صلب. سحبته. ظرف أصفر قديم. فتحتُه. شهادات. "شهادة تقدير — ياسين عبد التواب — الأول على المدرسة الإعدادية" "شهادة تفوق" "خطاب مدرسة المتفوقين" تجمدت ملامحها. رفعت رأسها ببطء. كان يقف عند باب القهوة. وشه فقد لونه تمامًا. الدكش بصوت مبحوح: "سيبي... سيبي اللي في إيدك. يارهف لو سمحت انا" اقتربت خطوة: رهف: " دي شهادات تقدير انت كنت شاطر و الأول على المدرسة؟! كنت هتدخل متفوقين مكملتش ليه؟!" دفع يدها بعصبية: الدكش: "قول للزمان ارجع كنت ومبقتش يعني بح مفيش هاتيه او ارميه ف الزبالة ارتفع صوتها: رهف: "ترمي إيه بس؟! ده عمرك اللي راح! ده إنت ياياسين" انفجر فجأة: الدكش: مفيش ياسين! ياسين مات! اللي قدامك ده الدكش وبس!" ألقى الشهادات أرضًا، وداس عليها. شهقت رهف، ثم انحنت بسرعة تجمعها، كأنها تنقذ شيئًا حيًا. هو استدار، ظهره لها، وكتفاه يهتزّان بصمت مكبوت. اعتراف الحقيقة اقتربت منه، بصوت أخفض: رهف: "ياسين... فضفض عشان ترتاح صمت طويل. ثم بدأ، دون أن يلتفت. صوته كان مكسورًا، مختلفًا عن أي مرة سابقة: "أبويا كان أسطى كبير... عنده ورشة حدادة. كان بيقولي هتبقى مهندس." بلع ريقه، وواصل: "مات... قبل النتيجة بيومين." ارتجفت يده. "طلعت الأول... بس ماكنش قي حد يفرحلي." ثم ضحك ضحكة قصيرة ميتة: "أعمامي خدوا الورشة والبيت... وأمي مضت من غير ما تفهم. وبقينا في الشارع شوية وهناكل من الزبالة." صمت. ثم قال بصوت أخشن: "ورميت الكتب. وطلعت من التعليم والدنيا قست قلبي." ..... الليل — القهوة بعد الإغلاق كانت رهف جالسة وحدها، تفرش الشهادات على الطاولة. تقرأ الاسم مرة بعد مرة. فتح الباب. دخل الدكش. تجمد. ظن أنها رحلت، لكنها كانت تنتظره. الدكش: "بردو مصممة رهف: "أيوه." رفعت نظرها إليه: ". لحد ما تصدق إنك مش اللي إنت مصدقه انت ياسين ." جلس بعيدًا. الدكش: "وإنتي مصدقة فيا اوي كدا ليه؟" اقتربت بالكلمات لا بالجسد واشارت إلي قلبه: "عشان دا سكت. أول مرة لا يرد. ثم قال بهدوء: "ياسين مات يا رهف ومحدش بيصحي من الموت." وضعت كوب شاي أمامه. رهف دا لو مات اصلا: " .... السطح — الليل الأخير جلس وحده، يمرر أصابعه على الاسم في الشهادة. "ياسين عبد التواب." أخرج كتابًا قديمًا. ورقة مكتوب فيها: "شد حيلك يا مهندس." ارتجفت عينه. ولأول مرة منذ سنوات… بكى. ليس انهيارًا… بل عودة شيء ميت إلى الحياة. الدكش (همسًا): "سامع يابا… بيقولوا عليا ياسين تاني يعني في امل وفي فرصة كبيرة اعوض اللي راح." الفصل الخامس والسادس رهان الدكش هاجر عبدالحليم الفصل الخامس كانت القهوة مفتوحة كعادتها، لكن الهواء داخلها لم يكن طبيعيًا. ثقل خفي يضغط المكان، وكأن شيئًا كبيرًا يقترب. خبر مواجهة الأمس بين ياسين ورجال المعلم زنهم لم يبقَ سرًا، بل انتشر في السبتيّة كالنار في الهشيم. لم تعد القهوة مكانًا للجلوس فقط، بل أصبحت مسرحًا للترقب والفضول. الزبائن يدخلون ويخرجون بسرعة، لا يشربون بقدر ما يراقبون. عيونهم تتحرك بين الأبواب والوجوه، كأنهم ينتظرون انفجارًا. رهف تقف خلف الموقد، لكنها لا تطهو شيئًا حقًا. نظراتها ثابتة على الباب، وصدرها يعلو ويهبط بقلق واضح. كل حركة خارج القهوة تجعل جسدها ينتفض قبل عقلها. أما ياسين، فقد كان واقفًا قرب الطاولة، يمسك فوطة دون حاجة، لكن ملامحه كانت مختلفة تمامًا عن الأمس. لا ارتجاف، لا تردد… فقط يقظة حادة، كمن يستعد لشيء لا مفر منه. ذراعه المصابة ملفوفة، لكن وقفته ثابتة كأن الألم لا يخصه. دخل حمادة فجأة، يركض، أنفاسه متقطعة، وكتفاه يهتزان من السرعة. حمادة: "يا ياسين! يا ست رهف! مصيبة!" تجمدت رهف في مكانها، وارتفع قلبها إلى حلقها. رهف: "إيه تاني بقا؟" بلع حمادة ريقه بصعوبة، وعيناه تتحركان يمينًا ويسارًا كأنه يخشى حتى قول الاسم: حمادة: "زنهم... المعلم زنهم بنفسه... جاي على هنا! وعربيته السودا واقفة على أول الشارع! ومعاه بودي جاردات جتت ولا الشحات مبروك" في لحظة واحدة، خيم الصمت على القهوة. حتى صوت الملاعق توقف. حتى أنفاس الناس بدت كأنها انقطعت. رهف التفتت ببطء نحو ياسين. كان هو الوحيد الذي لم يتحرك. لكن عينيه ضاقتا قليلاً، وعضلات فكه تشددت. ألقى الفوطة جانبًا، وشد قامته ببطء. ياسين: "خليكِ ورا الكاشير. أمسكت رهف ذراعه السليم بسرعة، كأنها تحاول تثبيته في الأرض. رهف: "ياسين... ده مش زغلول. ده زنهم. الراجل ده هد بيوت ناس قبل كده." نظر إليها. نظر طويلًا، كأنه يحفظ ملامح خوفها. ثم أزال يدها برفق غير معتاد منه، وقال بهدوء مختلف: ياسين: "احنا مش فيران عشان نخاف احنا صحاب حق ولازم ندافع عنه استدار، ووقف في منتصف القهوة. وحيدًا… لكن كجدار. لحظة الدخول لم يُفتح الباب بعنف. لم يُكسر الصمت بالصراخ. بل انفتح ببطء شديد… كأن من يدخله يعرف أنه يملك المكان قبل أن يدخل. دخل المعلم زنهم. رجل في الخمسين، جسده ممتلئ، ملامحه هادئة بشكل مخيف. جلابيته مرتبة، وسبحته تتحرك بين أصابعه ببطء محسوب. خلفه رجلان ضخمان، يقفان كظلَّين لا يتكلمان. في لحظة، فرغت القهوة تمامًا إلا من ثلاثة أشخاص: ياسين، رهف، وحمادة. كل شيء آخر انسحب. تقدّم زنهم بخطوات بطيئة، عينه تمسح المكان باستهانة واضحة. زنهم: "الله... قهوة السلطنة. لسه زي ما هي. نفس الكراسي المكسرة، ونفس ريحة الشاي المعفن اللي يوجع البطن." مرّر أصابعه على الطاولة، ثم ابتسم ابتسامة بلا حرارة. زنهم: "الحاج سالم... فين ع كدا؟ سمعت إنه تعبان. ألف سلامة. عليه زعلت فعلا الراجل طيب وملوش ف المشاكل" تقدمت رهف خطوة، لكن صوتها خرج متوترًا: رهف: "خير يامعلم؟" التفت إليها، ونظرته كانت أطول من الجملة نفسها. زنهم: "اللهم صلي ع النبي هو القمر بيطلع بالنهار ولا اي؟. رهف السكرة بتاعتنا. كبرتي وبقيتي ست البنات. عرفت تربي بصحيح ياسالم بت بميت راجل تحرك ياسين خطوة للأمام، جسده سدّ المسافة بينهما فورًا. ياسين: "انت جاي ترغي يامعلم ولا تعاكس ولا اي حكايتك؟ نظر زنهم إليه ببطء، من أعلى رأسه حتى قدميه، ثم ابتسم: زنهم: . ملك الحارة بقى بيغسل فناجين وبقا صبي قهوة. الدنيا دوارة. فعلا سبحان المعز المذل" لم يتغير وجه ياسين، لكن عينيه أصبحتا أكثر حدة. ياسين: "الدنيا دوارة فعلاً. واللي فوق... ممكن ينزل سابع أرض ف ثانية حكمة ربك بقا ضحك زنهم، ضحكة قصيرة لا روح فيها، ثم جلس. عرض البيع وضع رجلًا فوق الأخرى، وأشار بعينه لرجاله بالوقوف. زنهم: ". أنا جاي أتكلم في شغل. جاي أشتري." ارتجف صوت رهف دون أن تقصد: رهف: "تشتري إيه؟" أخرج زنهم نفسًا ببطء، ثم قال: زنهم: "الخرابة دي. القهوة. بالبيت اللي فوقها كمان. جايب لك مليون جنيه كاش. دلوقتي. حالاً ع الطربازة فلوس حاضرة انا مش بهزر سقطت الكلمة على المكان كحجر ثقيل. ارتجفت يد حمادة. واتسعت عينا رهف بصدمة. رهف: "القهوة... القهوة مش للبيع يا معلم. دي بتاعة أبويا وانا مش هفرط فيها وبعدين طالما خرابة غيتك فيها اي؟" ابتسم زنهم وكأنه يسمع طفلة. زنهم: "يا بنتي... أبوكي عيان. محتاج عملية. بالمليون جنيه تقدري تعالجيه، وتفتحي كافيه في اطخن مكان فيكي يامصر ليه مسكة ف الفقر وبتبصي تحت رجلك؟" اقترب قليلًا، صوته أخفض لكنه أخطر: زنهم: "هنا يعني الفقر والذل اسمعي مني تحرك ياسين خطوة للأمام. ياسين: "واللي مش عايز؟" نظر إليه زنهم دون أن يرفع صوته: زنهم: "يبقي اشتري عدواتي بتمن بخس." ثم أضاف بهدوء أشد: زنهم: "أنا حاطط عيني على الأرض دي من زمان." التهديد الحقيقي اقترب من رهف، هذه المرة مباشرة. مد يده ببطء نحو وجهها. وفي لحظة خاطفة… أمسك ياسين يده في الهواء. ضغط. تصلبت ملامح زنهم لأول مرة. ياسين (بصوت منخفض قاتل): "عيب يامعلم حريمنا مش للمس ارتجف أحد البودي جاردات، لكن زنهم أشار لهما بالتوقف. ابتسم رغم الألم. زنهم: "الدكش بيعرف بيمثل دور الراجل. كويس اوي." ثم مال قليلًا نحو ياسين: زنهم: "عارف إن الورق عندي صح." تجمدت ملامح ياسين بالكامل. زنهم: "ورق الورث... فاكره؟." ارتدت رهف خطوة للخلف، وكأن الأرض فقدت ثباتها. زنهم: "72 ساعة. يا توافقوا... يا أهدها على دماغكم واطلعكم منها جثث." ثم استدار وخرج كما دخل… هادئًا… كأن شيئًا لم يحدث. بعد الخروج سقط الصمت كجدار. رهف انهارت على الكرسي، والدموع خرجت دفعة واحدة. رهف: "هيهدها..يالهوي ياشقايا يايا." أما ياسين، فكان واقفًا، لكن داخله لم يكن واقفًا. شيء قديم بدأ يتحرك لأول مرة منذ سنوات. لم يعد “الدكش”. ولا حتى “ياسين” فقط. شيء ثالث بدأ يتكوّن. اقترب منها، وانحنى قليلًا حتى صار أمامها مباشرة. أمسك يدها. ياسين: "رهف... ." رفعت عينيها بصعوبة. ياسين: "اوعي تتهزي دا راجل اخره كلام ارتجف صوتها: رهف: "هيقتلوك!" اقترب أكثر: ياسين: "العمر واحد ثم أضاف: ياسين: "القهوة دي ملكك وهتفضل ملكك وهحارب عشانها لأخر نفس." الفصل السادس لم يكن ذلك الصباح كسابقيه في السبتيّة. مضت ثمانٍ وأربعون ساعة فقط على مهلة زنهم، والخبر ينتشر بين الأزقة كالنار في الهشيم: "المعلم زنهم سيهدم قهوة السلطنة بعد يومين". أبواب المقهى مفتوحة على مصراعيها، لكن المقاعد خاوية. لا زبائن. كل من يمر أمامها يطأطئ رأسه ويسرع الخطى، كأنها بيت أصابه الوباء. كانت *رهف* تقف خلف الوابور، تعد شايًا لن يشربه أحد. أصابعها ترتجف وهي تمسك بالملعقة، وعيناها معلقتان بالباب. أما *ياسين*، فكان يجلس على الكنبة الخشبية، ظهره ملتصق بالجدار وعيناه لا تفارقان المدخل. المطواة في جيبه، والشهادات المدرسية في الجيب الآخر. لم يذق طعم النوم منذ ليلة أمس. اندفع *حمادة* إلى الداخل، وجهه شاحب وأنفاسه متقطعة: *حمادة*: "يا ياسين... الحارة كلها بتتكلم. بيقولوا زنهم جاب بلدوزر واقف على أول السبتيّة. مستني المهلة تخلص." سقطت الكوباية من يد *رهف* وتحطمت على الأرض. شهقت، ووضعت يدها على فمها: *رهف*: "بلدوزر؟!" نهض *ياسين* ببطء، عيناه تظلمان كليلةٍ بلا قمر: *ياسين*: "خليه يجيبه. هنشوف هيدوس على مين الأول." *حمادة* يفرك يديه بتوتر، ويقترب خطوة: *حمادة*: "يا صاحبي إنت مجنون؟! هتقف قصاد بلدوزر؟! ده هيفرمك!" التفت *ياسين* إلى *رهف*، يمد نظره إليها وكأنه يستمد منها القوة: بلعت *رهف* ريقها، وارتعشت شفتاها: *رهف*: بتفكر ف اي دلني ؟ اعتدل *ياسين* في وقفته، ورفع رأسه: *ياسين*: " الحاج سالم ماعاش في السبتيّة دي 30 سنة لوحده. كان ليه صحاب. كان ليه رجالة. لسه عايشين واكيد الكل عايز يوجب." --- مع أذان المغرب، كانا يسيران في الحارات الضيقة حتى توقفا أمام بيت قديم بابه من الصاج. *عم عبده الحداد*، الستيني الذي خطّ الشيب لحيته واحترقت يداه من نار الورشة، كان ذراع عبد التواب الأيمن. اعتزل العمل منذ سنوات بعد أن انتزع زنهم ورشته منه بثمن بخس. طرق *ياسين* الباب. فتح *عم عبده*، وعقد حاجبيه بدهشة: *عم عبده*: "ياسين؟! وبنت الحاج سالم؟! إيه اللي جابكم؟" تقدم *ياسين* خطوة، وحنى رأسه باحترام: *ياسين*: "جايين نطلب سند يا عم عبده. زنهم... هيهد القهوة." اسودّ وجه الرجل العجوز، وضرب كفًا بكف: *عم عبده*: "سمعت. الله يجحمه. عايز يبلع السبتيّة كلها." انهمرت دموع *رهف* رغمًا عنها، واقتربت تمسك بطرف جلبابه: *رهف*: "يا عم عبده... أبويا في المستشفى، والقهوة هتروح. مابقاش لينا غير ربنا... وغيرك." صمت *عم عبده* للحظة، يتأمل ملامح *ياسين*. رأى فيها وجه صاحبه الراحل عبد التواب. تنهد بعمق: *عم عبده*: "وأبوك... ورشته لسه باسمه؟" أخرج *ياسين* الشهادات القديمة من جيبه، قبض عليها بقوة حتى ابيضت مفاصله: *ياسين*: "أبويا مات والورق اتسرق. وزنهم إمبارح قالي إنه عنده. معترف. وشاهد" ضرب *عم عبده* على ركبته بقهر، وصاح: *عم عبده*: " كنت عارف إن الورق ماضاعش!" اقترب *ياسين*، وجثا على ركبة واحدة أمامه: *ياسين*: "عشان كده جاي لك. إنت، وعم مرزوق النجار، والحاج حسنين بتاع الحديد. صحاب أبويا. لو وقفتوا معايا... لو شهدتوا إن الورشة دي بتاعة عبد التواب... هنكسر عين زنهم قدام السبتيّة كلها." نهض *عم عبده*، واتكأ على عكازه، ووقف شامخًا رغم انحناء ظهره: *عم عبده*: "والله لو همشي على ركبي... لهنزل معاك. حق عبد التواب مش هيضيع تاني." --- في تلك الليلة، تكرر المشهد ذاته في بيت *عم مرزوق* وبيت *الحاج حسنين*. نفس الدموع، نفس الغضب القديم الذي اشتعل من جديد. وعند منتصف الليل، وقف *ياسين* في منتصف السبتيّة، وخلفه ثلاثة رجال طاعنون في السن، لكن ظهورهم مفرودة كالرماح. رفع *ياسين* صوته حتى هز سكون الحارة النائمة: *ياسين*: "يا أهل السبتيّة! يا ناس يا هوه! المعلم زنهم سارق ورث أبويا! وسارق شقى الحاج سالم! وبكره... جاي يهد بيوتنا!" تفتحت الشبابيك، وأطلت الرؤوس الحذرة. *ياسين*: "اللي ليه في الحق... واللي أكل عيش وملح مع عبد التواب... واللي شرب شاي في قهوة السلطنة... بكره بعد العصر... يقف معانا! مش عشان ياسين! عشان السبتيّة! عشان ماحدش يتطرد من بيته تاني!" ساد الصمت، ثم بدأت الأبواب تُغلق من جديد. الخوف كان أقوى. اقتربت *رهف* منه، ووضعت يدها على ذراعه المشدود، وهمست: *رهف*: "هيقفوا. هيخافوا دلوقتي... بس هيقفوا." نظر إليها *ياسين*، والقلق ينهش صدره: *ياسين*: "ولو ماوقفوش؟" رفعت *رهف* رأسها، وعيناها تلمعان في ضوء القمر: *رهف*: "يبقى نقف إحنا الاتنين --- في عصر اليوم التالي، أربع وعشرون ساعة فقط تفصلهم عن المهلة. المقهى ممتلئ، لكن ليس بالزبائن. رجال. *عم عبده*، *عم مرزوق*، *الحاج حسنين* يجلسون في الصدارة. *حمادة* و*عم سيد* يقفان عند الباب. حتى *زغلول* بائع الخضار جاء، مطأطئ الرأس. *زغلول*: "يا ياسين... أنا آسف. زنهم هددني. بس... الحاج سالم كان بيجيب لي شاي ببلاش لما ماكنش معايا. أنا معاك. وياروح م بعدك روح بقا ضربه الأعور ع عينه" نظر *ياسين* إليهم، وغصة تملأ حلقه. قبض على حافة الطاولة: *ياسين*: ". عايزكم تشهدوا. لما زنهم يجي... تقولوا الحق. تقولوا الورشة دي كانت بتاعة مين. وتقولوا الحاج سالم ده مين. ها " *عم عبده* ضرب بعكازه الأرض: *عم عبده*: "هنقول. حتي لو رقبتنا على السكينة." انفتح الباب ببطء. دخل *زنهم* وحده هذه المرة. دون حراسة. يبتسم بثقة. *زنهم*: "إيه؟ عاملين مؤتمر ياخيبتها انت وهو؟ بتلموا العواجيز تشهد زور؟" وقف *ياسين*، وتقدم حتى صار في مواجهته، لا يفصلهما سوى خطوة: *ياسين*: "لا بنلم أهل الحق. تعرفهم؟" لَوَى *زنهم* شفتيه بسخرية: *زنهم*: "أعرف إن مهلتك قربت تخلص. ها؟ قررت تبيع بالذوق؟" خرجت *رهف* من خلف الكاشير، وقفت بجانب *ياسين*، كتفها يلامس كتفه، وتحدت زنهم بعينيها: *رهف*: "مش هنبيع يا معلم. القهوة دي بيتنا. والبيوت... مابتتباعش." تفحصها *زنهم* من أعلى لأسفل، ثم ابتسم ابتسامة صفراء لـ *ياسين*: *زنهم*: "آه... فهمت. الدكش بقى له ضهر. وبقى له... حرمة" في تلك اللحظة، أمسك *ياسين* بيد *رهف* ورفعها عاليًا أمام الجميع، أصابعه تشتد على أصابعها: *ياسين*: "رهف بقت مراتي ياخلق." شهقت القهوة كلها. تجمدت *رهف* في مكانها، ونظرت إليه بذهول. عيناه ثابتتان، لا يمزح. لا يتراجع. ارتبك *زنهم* لثانية، ثم انفجر ضاحكًا: *زنهم*: "مراتك؟! من إمتى يا دكش؟" لم يرمش *ياسين*: ضغط على يد *رهف* أكثر، كأنه يعلن ملكيته لها أمام العالم. *ياسين*: "عايز تهد القهوة يبقي بعد موتي مش قبلها تلون وجه *زنهم*، وصر على أسنانه: *زنهم*: "إنت اتجننت؟!" هنا، ضرب *عم عبده* بعكازه على الأرض بقوة، وصوته الجهوري يهز الجدران: *عم عبده*: "لا ما اتجننش! الواد ده ابن عبد التواب! والورشة اللي إنت سرقتها... بتاعته! والورق اللي عندك... مزور!" *الحاج حسنين* وقف، وهو يرتعش من الانفعال: *الحاج حسنين*: "والحاج سالم... أنضف منك ومن عيلتك كلها! وقهوته دي... خط أحمر!" *عم مرزوق* هز رأسه مؤكدًا: *عم مرزوق*: "وإحنا... إحنا شهود! وهنروح القسم! وهنفضحك!" تقلب *زنهم* بنظره بينهم واحدًا واحدًا. الرجال العجائز واقفون كالجبال. الشباب متراصون. *رهف* واقفة بجانب *ياسين*، وأيديهما متشابكة. لأول مرة منذ عشرين عامًا، شعر زنهم بالوحدة. أشار بإصبعه مرتعشًا: *زنهم*: "ماشي... ماشي يا ياسين. كسبت جولة. بس الحرب طويلة. والورق... الورق هحرقه. ومالكش عندي حاجة.والشاطر اللي يضحك ف الأخر" استدار ليخرج. صرخ *ياسين* خلفه: *ياسين*: "والقهوة؟" رد *زنهم* دون أن يلتفت، وصوته يقطر حقدًا: *زنهم*: "المهلة لسه ماخلصتش. معاك لبكره المغرب. فكر... قبل ما أرجع بالبلدوزر." وانصرف، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا. --- ما إن أُغلق الباب، حتى تنفس الجميع *حمادة*: "الله أكبر! كسرنا عينه!" احتضن الرجال *ياسين*، و*عم عبده* يبكي على كتفه: *عم عبده*: "شوفت يا عبد التواب؟ ابنك راجل! ابنك سند!" كان *ياسين* واقفًا، يشعر بيد *رهف* ما زالت في يده. التفت إليها. *رهف*، واحمر وجهها، حاولت أن تسحب يدها: *رهف*: "سيب... سيب إيدي." *ياسين*: " قولتها عشانك. عشان ماحدش يقول عليكي كلمة. وعشان... عشان من يوم ما شربت الشاي بتاعك... وأنا مش عايز أشرب من إيد حد تاني عايزك تبقي حلالي يارهف." اغرورقت عينا *رهف* بالدموع: *رهف*: "ياسين. مسح *ياسين* دمعة هاربة بإبهامه: *ياسين*: "قلب يس والله ل اكتب عليكي وقتي سعل *عم سيد* ليقطع اللحظة: *عم سيد*: "إحم... يا ولاد... فيه ناس هنا. اتلموا عيب خلي عندكم حيا وخشا ." ضحك الجميع. انتزعت *رهف* يدها وجريت إلى الداخل، خجلها يغلبها. الفصل السابع والثامن رهان الدكش الفصل السابع مع غروب الشمس، كانت السبتيّة تغرق في حزن ثقيل. اليوم هو آخر ساعة في مهلة زنهم، والشمس تنزل حزينة كأنها تشاركهم المصير. اليوم إما أن تعيش القهوة... أو تموت. الشارع أمام "قهوة السلطنة" مغلق، ليس بأمر الشرطة، بل بالناس. رجال، نساء، أطفال. الجميع واقف يترقب، والوجوه شاحبة. في الداخل، كان *ياسين* يقف وسط المقهى مرتديًا جلبابًا أسمر نظيفًا. للمرة الأولى منذ سنوات تخلى عن التيشرت والكاب. وجهه حليق، وشعره مصفف بعناية. كان يشبه تمامًا الصورة المعلقة في شهادة "الأول على المدرسة". أما *رهف*، فكانت ترتدي عباءة سوداء جديدة وطرحة مكوية. يداها ترتجفان وهي ترص الفناجين على الصينية، لكنها واقفة. بجانبه. أخرج *حمادة* هاتفه من جيبه، وتأكد من الشاشة ثم اقترب منهما هامسًا، وجبينه يتصبب عرقًا: *حمادة*: "يا ياسين... كله تمام. الشحن 100%، والفيديو جاهز." هز *ياسين* رأسه، وعيناه لا تفارقان الباب، وقبضته مشدودة: *ياسين*: "خليك مستخبي. أول ما تسمع كلمة 'الورق عندي'... دوس تسجيل ضرب *عم عبده* بعكازه على الأرض، وصوته يرتجف قلقًا: *عم عبده*: "والبلدوزر يا ابني؟ سمعنا صوته على أول الشارع." التفت *ياسين* إلى *رهف*، وابتسم لها ابتسامة واثقة رغم الموقف، كأنه يطمئنها: *ياسين*: "البلدوزر مش هيتحرك... فجأة، دوى صوت فرملة حاد تبعه صوت باب سيارة يُغلق بعنف، ثم وقع أقدام ثقيلة تقترب. دخل *المعلم زنهم*. هذه المرة لم يكن وحده. خلفه ستة من الحراس ضخام الجثة، ومن ورائهم، على أول الحارة، يقف بلدوزر أصفر ضخم ومحركه يهدر. ضحك *زنهم* بصوت عالٍ ليصل إلى آذان الواقفين في الخارج: *زنهم*: "ها يا دكش... خلصت المهلة. هتبيع بالذوق... ولا أهدها على دماغكم؟" تقدم *ياسين* ووقف في منتصف المقهى، ثابتًا كالجبل، وكتفاه مفرودتان: *ياسين*: "قلت لك مفيش بيع يا معلم. وقولت لك الورشة دي بتاعة أبويا." اقترب *زنهم* منه حتى كاد يلتصق به، وهمس بصوت لا يسمعه سواه، وعيناه تقدحان شرًا: *زنهم*: "وورقها معايا. وهحرقه. وماحدش هيقدر يثبت حاجة. فاهم؟" من خلف الباب، جاء صوت *حمادة* خافتًا: *حمادة*: "دوسنا تسجيل يا معلم..." عندها، رفع *ياسين* صوته فجأة حتى تردد صداه في المكان: *ياسين*: "يعني إنت معترف إن الورق عندك؟! وإنك سارقه؟!" تفاجأ *زنهم*، واحمر وجهه، وصرخ بلا وعي: *زنهم*: "أيوه عندي! سرقته! وأبوك مات بحسرته! وأعمامك باعوهولي! وهرميكم في الشارع زي الكلاب!" ساد صمت مطبق. الكلمة خرجت، وسمعها الجميع. أشار *ياسين* بيده نحو *حمادة*، وصاح: *ياسين*: "سمعتوا؟ سمعتوا يا أهل السبتيّة؟!" قفز *حمادة* من مخبئه، رافعًا هاتفه عاليًا، وصوته يخترق الصمت: *حمادة*: "كله متسجل صوت وصورة يا معلم! الفيديو راح القسم دلوقتي!" امتقع وجه *زنهم*، وتلفت حوله بذعر. نظر إلى حراسه، ثم إلى البلدوزر، ثم إلى الناس الذين يرفعون هواتفهم ويصورون. ارتجف، وحاول أن يتمالك نفسه: *زنهم*: "إنت... إنت نصبت لي كمين يا ابن..." وقبل أن يكمل، شق صوت السرينة سكون الحارة. دخلت سيارة شرطة، وترجل منها *ظابط مباحث*، يصرخ: *الظابط*: "فين المعلم زنهم؟! انفرج الناس ليفتحوا له الطريق. أشار *ياسين* بإصبعه بثبات: *ياسين*: "هو ده.ياباشا" نظر *زنهم* إلى *ياسين*، وعيناه تشتعلان بنار الحقد: *زنهم*: "ماشي يا ياسين... كسبت الجولة دي. بس لسه الحساب طويل. ورحمة أمي... لأخليك تندم على اليوم اللي اتولدت فيه!" كبّله الظابط، وفر الحراس كالفئران. انطفأ محرك البلدوزر وتراجع إلى الخلف. --- بعد ساعة، غادر الظابط، وخفّت الزحمة، وبدأت زغاريد النسوة تعلو في السبتيّة. احتضن *عم عبده* *ياسين*، ودموعه تنهمر على لحيته البيضاء: *عم عبده*: "حق عبد التواب رجع! حق أبوك رجع يا ابني!" : *الحاج حسنين*: "القهوة فضلت مفتوحة! السبتيّة لسه فيها رجالة!" أما *حمادة*، فكان يرقص في وسط المقهى: *حمادة*: "الدكش بقى بطل قومي يا جدعان!" كان *ياسين* واقفًا في المنتصف، يشعر بالدوار من هول اللحظة. الناس تحتضنه، تقبّل رأسه، تربت على كتفه. لكنه كان يبحث بعينيه عن واحدة فقط. كانت *رهف* واقفة بعيدًا، عند الكاشير. الدموع تنساب على وجنتيها، لكنها تبتسم. ابتسامة راحة لم يرها منذ سنوات. شق *ياسين* طريقه بين الناس، ووقف أمامها. *رهف* رفعت عينيها إليه، وصوتها بالكاد يُسمع: *رهف*: "كسبنا... صح؟" اقترب *ياسين*، وصوته مبحوح من الانفعال: *ياسين*: "كسبنا. ايوا انفجرت *رهف* بالبكاء، ووضعت يدها على صدرها: *رهف*: "وإنت... ؟ مد *ياسين* يدها وأمسك بكفها أمام الجميع، وضمها بقوة: *ياسين*: "انا جمبك." صفر *عم سيد*، وضحك احنا لازم نستر العيال دي بسرعة مبروك ياعرسان مقدماً احمر وجه *رهف*، وحاولت أن تسحب يدها بخجل: *رهف*: "عرسان إيه يا عم سيد! شد *ياسين* على يدها أكثر، ولم يتركها: *ياسين*: ايوة احنا لازم نتجوز وبسرعة --- في المساء، أمام غرفة المستشفى، كان *الحاج سالم* جالسًا على السرير، وقد سمع الحكاية كاملة من *حمادة*. يضحك تارة، ويبكي تارة. *الحاج سالم*: "تعالى يا ياسين يا ابني." اقترب *ياسين*، وانحنى يقبّل يده ثم جبينه. وضع *الحاج سالم* يده على رأسه، وربت بحنان: *الحاج سالم*: "من يوم ما شيلتك وأبوك ميت... وأنا عارف إنك راجل. *ياسين*: "بفضل دعاك يا حاج... وبفضل بنتك انا ممتن ليها بجمايل كتير وعايزها ليا." نظر *الحاج سالم* إلى *رهف* الواقفة عند الباب: *الحاج سالم*: "وهي عايزة اي؟ طأطأت *رهف* رأسها، وفركت يديها بتوتر: *رهف*: "الرأي رأيك يا با." ضحك *الحاج سالم*، وسعل سعلة خفيفة: *الحاج سالم*: "لا يا بنتي. الرأي رأي قلبك. وأنا شايف قلبك... اختار خلاص." --- في آخر الليل، على كوبري السبتيّة، وقف *ياسين* و*رهف* وحدهما. النيل أسود تحتهما، ونور الأعمدة ينعكس على صفحته. كان *ياسين* يضع يده في جيبه، متوترًا. لأول مرة في حياته يشعر بهذا التوتر. *رهف* التفتت إليه، وعقدت حاجبيها: *رهف*: "ساكت ليه؟" أخرج *ياسين* علبة قطيفة صغيرة، فتحها بيد مرتجفة: *ياسين*: "عشان... عشان عمري م عملت كدا لواحدة بنت يعني اول مرة ف قلبي متوتر جامد داخل العلبة، كانت هناك دبلة فضة. رفيعة. بسيطة. ثمنها مئتا جنيه. تحويشة شغل أسبوع كامل في القهوة. وضعت *رهف* يدها على فمها، واتسعت عيناها: *رهف*: "إيه ده؟" ارتعش صوت *ياسين*: *ياسين*: "دي... دي ع قدي. وقد حالي. عارف إنها ماتسواش. وعارف إنك تستاهلي دهب الدنيا كله. بس... بس دي كل اللي أملكه دلوقتي." ثم، ودون مقدمات، نزل على ركبة واحدة. في منتصف الكوبري. *ياسين*: "رهف سالم... تتجوزيني؟ وتستحملي ياسين... لحد ما يبقى المهندس ياسين؟ وتستني عليا... لحد ما أجيب لك الدنيا كلها تحت رجليكي؟" نزلت دموع *رهف*، وارتجف جسدها كله: *رهف*: "إنت مجنون... الناس هتتفرج علينا اوم عيب ." هز *ياسين* رأسه، وعيناه تلمعان: *ياسين*: "خليهم يتفرجوا. خلصت أيام ما كنت بتكسف. أنا عايز السبتيّة كلها تعرف... إن ست البنات وافقت على الدكش." مسحت *رهف* دموعها، وضحكت من بين بكائها: *رهف*: "مابقتش الدكش. بقى. خلاص." مدت يدها المرتعشة. أمسك *ياسين* بها، وألبسها الدبلة. كانت واسعة قليلًا على إصبعها. لكنها كانت دافئة. نظرت *رهف* إلى الدبلة، ثم إليه: *رهف*: "دي... دي أحلى من دهب الدنيا. عشان... منك." نهض *ياسين*، وأمسك وجهها بين كفيه: *ياسين*: "أوعدك... أوعدك يا رهف. لا ورشة أبويا هترجع... ولا محل سكر الدكش هيتفتح... ولا هلبسك الدهب... إلا وأنا راجل بجد. راجل يستاهلك." من بعيد، دوى صوت كلاكس توك توك مألوف. *حمادة* يمر، ويخرج رأسه من الشباك صارخًا: *حمادة*: "هيييييه! الف مبروك يا عرسان! السبتيّة كلها عرفت! هاتوا الحلاوة!" ضحك *ياسين* ورهف ضحكا من قلبيهما. لأول مرة منذ سنوات... صار المرّ حلوًا. الفصل الثامن غمرت الفرحة أزقة السبتيّة. صارت "قهوة السلطنة" لا تخلو من الرواد. يتوافد الناس مباركين لـ *ياسين* و*رهف*، يحتسون الشاي ويتسامرون حول بطولة "الدكش الذي صار ياسين". خرج *الحاج سالم* من المستشفى. يجلس في البيت، وإن كان وجهه لا يزال شاحبًا. *رهف* تلازمه كظله، و*ياسين* يذهب كل صباح ليفتح المقهى بدلًا عنه، وفي الليل ينام في التوك توك أمام البيت ليطمئن عليه. وضع *ياسين* كوب الشاي أمام *الحاج سالم*، وابتسم: *ياسين*: "اشرب يا حا ضحك *الحاج سالم* بتعب، وربت على الكرسي بجواره: *الحاج سالم*: "بقيتي معلمة خلاص؟ طب كويس... عشان تستلم المحل بقى وارتاح." ضربته *رهف* بخفة على كتفه، وعيناها تلمعان: *رهف*: "يا با!" هز *ياسين* رأسه، وابتسامة خجولة ترتسم على شفتيه: *ياسين*: "لسه بدري يا حاج. لما أجيب الشبكة الدهب الأول." --- في العصر، رن الهاتف. ردت *رهف*. دقيقة واحدة... وتغير لون وجهها. سقط الهاتف من يدها وتحطم صمته على الأرض. ركض *ياسين* إليها، وأمسك بكتفيها: *ياسين*: "فيه إيه؟! مالك؟!" كان صوت *رهف* متهدجًا، متقطعًا كأنها تختنق: *رهف*: "الدكتور... بيقول... عملية بابا... لازم خلال أسبوع. الحالة بتسوء. القلب مش مستحمل." حاول *الحاج سالم* أن ينهض، وصدره يعلو ويهبط: *الحاج سالم*: "أسبوع؟! منين يا بنتي؟ منين 80 ألف جنيه؟!" داهمته نوبة سعال حادة، فتراجع إلى الخلف على وسادته. أسرع *ياسين* يملأ كوب ماء، وقلبه يسقط بين ضلوعه. في الليل، أمام المقهى، جلس *ياسين* على الرصيف، يمسك رأسه بين كفيه. اقترب منه *حمادة* وجلس بجواره. *حمادة*: "هتعمل إيه يا صاحبي؟" رفع *ياسين* عينيه إلى التوك توك المركون، وتنهد بعمق: *ياسين*: "مفيش غيره." *حمادة*: "إيه؟!" *ياسين*: "التوك توك. هبيعه. ده اللي حيلتي. يجيب 20... 25 بالكتير. ونتصرف في الباقي." انتفض *حمادة*، وأمسك بذراعه: *حمادة*: "تبيع التوك توك؟! ده أكل عيشك! ده بيتك! ده اللي بتنام فيه!" وقف *ياسين*، وعيناه تحمران من الغضب والقهر: *ياسين*: "وأبو رهف... ده أبونا كلنا. والراجل ده وقف جنبي لما الدنيا كلها داست عليا. لو هبيع هدومي... مش هسيبه يموت." *حمادة*: "طب وهنعيش منين؟ هتصرف على القهوة إزاي؟ هتجهز نفسك إزاي؟" *ياسين*: "ربك كريم. هشتغل شيال. هشتغل في أي ورشة. المهم... يعيش." توجه إلى التوك توك. أمسك بفوطة وبدأ يمسحه. لأول مرة يمسحه وهو يودعه. مرر يده على التاج الذهبي المرسوم على الباب، وهمس بصوت مكسور: سامحني في صباح اليوم التالي، وقف *ياسين* في السوق. علق ورقة على التوك توك كُتب عليها: "للبيع لظروف خاصة". المارة يتوقفون، يتفرجون، يفاصلون. وقلبه يتمزق مع كل كلمة. وصلت *رهف*، رأته، واندفعت تجري نحوه. صرخت: *رهف*: "إنت بتعمل إيه؟!" التفت *ياسين* متفاجئًا، وقطب حاجبيه: *ياسين*: "إيه اللي جابك؟" أشارت *رهف* إلى الورقة، ويدها ترتجف: *رهف*: "بتبيع التوك توك؟! إنت اتجننت؟! ! ده شقاك!" *ياسين*: "عمر أبوكي أهم من شقايا. ودي مش بتاعتك. ارجعي القهوة." أمسكت *رهف* بذراعه، وشدت عليه: *رهف*: "لا مش هرجع! ومش هسيبك تبيع حاجتك! هنتصرف! هنلم من الجيران! هنبيع دهب أمي الله يرحمها!" أزاح *ياسين* يدها برفق، لكن بحزم: *ياسين*: "دهب أمك خليه. ده آخر حاجة ليكي منها. انهمرت دموع *رهف*، وصوتها يعلو: *رهف*: " لو بعت التوك توك... هتشتغل إيه؟ هتنام فين؟ هنتجوز إزاي؟!" اختنق صوت *ياسين*، وأشاح بوجهه: *ياسين*: "نتجوز؟ الجواز ده حلم بعيد. دلوقتي... أبوكي أهم. لو مات... عمري ما هسامح نفسي. ولا إنتِ هتسامحيني." *رهف*: "مش هسامح نفسي لو عملت كدا اقترب تاجر، يتفحص التوك توك: *التاجر*: "بكام يا كابتن؟" *ياسين*: "25... نهائي." صرخت *رهف*، ووقفت بينهما: *رهف*: "لا! مش للبيع!" *التاجر*: "يا ست الراجل عايز يبيع!" اندفعت *رهف* ووقفت أمام التوك توك، وفردت ذراعيها لتحميه بجسدها: *رهف*: "قولت مش للبيع! بدأ الناس يتجمعون. شدها *ياسين* من ذراعها، وصوته منخفض لكنه محتد: *ياسين*: "رهف! كفاية فضايح! الناس بتتفرج!" انفجرت *رهف* بالبكاء في وجهه، وضربت صدره بقبضتيها: *رهف*: "خليهم يتفرجوا! خليهم يشوفوا إني مش هسيبك تضيع نفسك عشاني! أنا مش عايزة أبقى السبب في كسرتك تاني!" تجمد *ياسين*. "كسرتك تاني". الكلمة اخترقت قلبه كالخنجر. انسحب *التاجر* متمًا. سحب *ياسين* *رهف* إلى جانب، بعيدًا عن الأعين. *ياسين*: "اسمعي... أبوكي لو جراله حاجة... أنا اللي هموت. فهمتي؟ أنا اللي هموت. فسيبيني... سيبيني أنقذه. إن شالله أرجع أنام على الرصيف." رفعت *رهف* يديها، وأمسكت وجهه بين كفيها، وعيناها تفيضان بالدموع: *رهف*: "وإنت لو نمت على الرصيف... أنا هنام جنبك. فهمت؟ مش هسيبك. لا في فقر... ولا في مرض... ولا في موت." ساد الصمت. عيونهما متعلقة ببعض، في منتصف السوق، والناس تشاهدهم. --- في العصر، ببيت *الحاج سالم*. ما إن علم، حتى صرخ من فوق سريره، ولأول مرة منذ مرضه: *الحاج سالم*: "إنت اتجننت يا ياسين؟! تبيع التوك توك؟! جثا *ياسين* على ركبتيه أمامه، ورأسه مطأطأ: *ياسين*: "يا حاج... ده ديني. ده تمن اللقمة اللي أكلتها في بيتك." انهمرت دموع *الحاج سالم*: *الحاج سالم*: "دين إيه يا ابني؟! إنت ابني! بكت *رهف*، وتشبثت بذراع أبيها: *رهف*: "عشان خاطري يا با... قوله مايبيعوش." أمسك *الحاج سالم* بيد *ياسين*، وشد عليها: *الحاج سالم*: "اسمعني... أنا راضي بقضاء ربنا. لو ليا عمر... هعيش. ولو مليش... يبقى . بنتي... أمانة في رقبتك. ومش عايزك مفلس ومكسور. عايزك راجل... واقف على رجلك. عشانها." بكى *ياسين* لأول مرة أمامهم، وصوته يتهدج: *ياسين*: "بس... بس الـ 80 ألف يا حاج..." *الحاج سالم*: "ربنا هيدبرها. ربك كبير يا ابني. بس إوعى... إوعى ترمي نفسك في التهلكة. دي مش رجولة. ده انتحار." --- في الليل، على سطح القهوة. كان *ياسين* يجلس وحده، ظهره للحائط. الشهادات المدرسية بجواره، والدبلة الفضة في كفه، يقلبها. صعدت *رهف*، تحمل ترمس الشاي. جلست بجواره دون كلام، وصبّت له كوبًا. *رهف*: "مش هبيع دهب أمي. ومش هخليك تبيع التوك توك." *ياسين*: "أومال؟" أخرجت *رهف* شيئًا من جيبها، ووضعته في كفه، وأغلقت أصابعه عليه. فتح *ياسين* يده. كانت الدبلة الفضة. انتفض *ياسين*، وحدق فيها بذهول: *ياسين*: "إنتِ اتجننتي؟! دي... دي بتاعتك!" ابتسمت *رهف*، والدموع تنساب على وجنتيها: *رهف*: "ومالك إنت. دي دبلة بـ 200 جنيه. بس... بس دي أول حاجة جيبتهالي. وأغلى حاجة عندي. ولو بيعها هيكمل جنيه واحد في علاج أبويا... يبقى تتباع." قبض *ياسين* عليها، وصوته يرتجف: *ياسين*: "لا. اقتربت *رهف*، وأمسكت وجهه بيديها: *رهف*: " هنتصرف. سوا. هنروح للجمعية الشرعية. هنكلم الدكتور يقسط. هنلم من الحارة. بس... هنفضل إيد واحدة. من غير ما حد فينا يضيع." نظر *ياسين* إليها، إلى الدبلة، إلى السبتيّة النائمة تحتهما. *ياسين*: "وعد؟" وضعت *رهف* رأسها على كتفه، وهمست: *رهف*: "وعد. المرّ... هنشربه سوا. والـ 80 ألف... هييجوا. حتى لو جمعناهم جنيه جنيه --- مع الفجر، طُرق باب القهوة. كان *عم عبده* و*عم مرزوق* و*الحاج حسنين* واقفين. ومعهم *زغلول* و*حمادة* و*عم سيد*. كل واحد يقبض في يده على رزمة نقود. مئة... مئتان... خمسمئة. تقدم *عم عبده*، ومد يده بالمال: *عم عبده*: "يا ياسين يا ابني... السبتيّة كلها عرفت. وكل بيت طلع اللي فيه. دي 15 ألف... عشان عمليت الحاج سالم. والباقي...ربك يدبرها وقف *ياسين* و*رهف* عند الباب، والدموع تنهمر من عيونهما. من النافذة العلوية، جاء صوت *الحاج سالم*، متكئًا: *الحاج سالم*: "الله... الله يجبر بخاطركم. نظر *ياسين* إلى *رهف*. أخرج الدبلة الفضة من جيبه، وألبسها إياها من جديد، وأصابعه ترتجف. همس لها: خليها أمسكت *رهف* بيده، وضغطت عليها: الفصل التاسع والعاشر هاجر عبدالحليم الفصل التاسع مضى أسبوع على ما جمعته الحارة من مال. الخمسة عشر ألفًا ذهبت عربونًا للمستشفى. تبقى خمسة وستون ألفًا، وخمسة أيام فقط تفصلهم عن موعد العملية. الدنيا متوقفة. *زنهم* يقبع في الحبس، لكن رجاله يملأون السبتيّة. المقهى يعمل، لكن الهم يثقل صدور الجميع. كان *ياسين* يقف في المقهى من السادسة صباحًا حتى العصر. يغسل الأرضية وظهره محني، يمسح الطاولات وأصابعه ترتجف من الإرهاق، يعد الشاي ويتشاجر مع كل من يحاول استغلال الوضع. وجهه شاحب ونحيف، وتحت عينيه هالات سوداء. أما *رهف*، فكانت واقفة بجواره لا تبرحه. كلما حمل شيئًا ثقيلًا، مدت يدها لتساعده. كلما سعل من التعب، ركضت بكوب ماء تضعه بين شفتيه. هز *عم سيد* رأسه وهو يراها، وربت على الطاولة: *عم سيد*: "يا بنتي ارتاحي. الواد ده حمار شغل، مش هيشتكي." رتبت *رهف* الفناجين بعناية، وعيناها لا تفارقان *ياسين*: *رهف*: "ولو. الشغل سوا... بيهون." سمعها *ياسين*، فارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة متعبة: *ياسين*: "المعلمة بقت تقول حكم." رمقته *رهف* بطرف عينها: *رهف*: "وإنت بقيت تتكلم كتير. اشتغل." --- في العصر، عند ورشة *الأسطى "بشندي"* الميكانيكي. لأول مرة منذ عشر سنوات، عاد *ياسين* ليقف صبيًا في ورشة. نظر إليه *الأسطى بشندي*، وهو رجل عجوز كان صديقًا لأبيه، وهز رأسه بقلق: *الأسطى بشندي*: "متأكد يا ابني؟ إنت شغال في القهوة الصبح." عدّل *ياسين* الأفرول القديم على جسده، ومسح الشحم عن جبينه بظهر يده: *ياسين*: "متأكد يا أسطى. أبو رهف لازم يعمل العملية. ومش هخليه بستنى اكتر من كدا." ربت *بشندي* على كتفه بقوة، وعيناه تلمعان فخرًا: *بشندي*: "جدع. جدع يا ابن عبد التواب. حسابك اليومية 150. ولو إجدعنت... فيه بقشيش." *ياسين*: "على بركة الله." انحنى تحت سيارة نصف نقل. الشحم يغطي وجهه، والحر يخنقه، وظهره يكاد ينكسر من الانحناء. لكن في رأسه رقم واحد فقط: خمسة وستون ألفًا. كل مسمار يفكه، يهمس: "جنيه". كل عجلة يغيرها، يقول: "عشرة جنيه". --- عند منتصف الليل. أُغلقت الورشة. خرج *ياسين* مترنحًا، لا يكاد يرى أمامه. الأفرول أسود من الشحم، ويده تنزف من جرح صغير، وكتفه متصلب من الحمل. مشى في أزقة السبتيّة الخاوية. الشوارع صامتة، إلا من ضوء قهوة السلطنة. كانت *رهف* جالسة تنتظره على الكنبة الخشبية. أمامها ترمس شاي، وصينية طعام مغطاة بفوطة نظيفة. ما إن دخل، حتى انتفضت واقفة، وشهقت: *رهف*: "إيه ده؟! إيدك مالها؟! وضهرك كمان ياخرابي!" ألقى *ياسين* بجسده على الكنبة، وأغمض عينيه بتعب: *ياسين*: "مفيش... شوية شحم. هقوم أغسل نفسي." أمسكت *رهف* بذراعه، وأجبرته على البقاء جالسًا: *رهف*: "تتغسل إيه! إنت مش قادر تصلب طولك! اقعد!" أحضرت ماءً ساخنًا وفوطة، وجلست أمامه على ركبتيها. بدأت تمسح وجهه برفق، ثم يديه المتشققتين. ظل *ياسين* صامتًا، يختلس النظر إليها بخجل. هذه أول مرة تلمسه فيها فتاة بهذه الحنان منذ وفاة أمه. *ياسين*: "إنتِ إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟" لم ترفع *رهف* عينيها عن يده المجروحة وهي تمسحها: *رهف*: "مستنياك. إنت فاكرني هنام وإنت في الشارع متدغدغ؟" كشفت الغطاء عن الطعام. ملوخية خضراء، وقطعتا دجاج، وأرز أبيض تفوح منه رائحة السمن. *رهف*: "كل. عملتهالك بإيدي. عشان تقوى." بلع *ياسين* ريقه، ونظر للطعام ثم إليها: *ياسين*: "طب وأبوكي؟ أكل؟" *رهف*: "أيوه أكل ونام. دلوقتي دورك بقا." بدأ *ياسين* يأكل. مع أول لقمة، شعر أنها أطيب لقمة تذوقها في حياته. ليس بسبب الطعم، بل بسبب اليد التي أعدتها. قال وفمه مليء بالطعام، وعيناه تلمعان: *ياسين*: "وحياة ربنا... إنتِ جبارة ضربته *رهف* بالفوطة على كتفه، واحمر وجهها: *رهف*: " ضحك *ياسين* بتعب، ومسح فمه: ساد الصمت. هو يأكل بنهم، وهي جالسة أمامه، تسند خدها على كفها، تتأمله وعيناها تلمعان بحنان لم تخفه. همست *رهف* بعد برهة: *رهف*: "ياسين... إنت ليه بتعمل في نفسك كده؟" توقف *ياسين* عن الأكل، ووضع الملعقة: *ياسين*: "عشان... عشان لما قولت لك 'دوا أبوكي عليا'... ماكنتش بهزر. الكلمة دي... دين. والدين لازم يتسد." نزلت دمعة من عين *رهف*، وسألت بصوت مبحوح: *رهف*: "طب وأنا؟ دوايا مش عليك؟" ترك *ياسين* الملعقة، ورفع عينيه إليها: *ياسين*: "دواكي؟" اقتربت *رهف* وهمست، وكأنها تبوح بسر: *رهف*: "أيوه. دوايا... إنك تفضل كويس. إنك ماتقعش من طولك. إنك... إنك تفضل جنبي." مد *ياسين* يدها، وأمسك بكفها الملطخة ببقعة صلصة، وضغط عليها برفق: *ياسين*: "وأنا جنبك. مسحت *رهف* دموعها بسرعة، وابتسمت من بين شهقاتها: *رهف*: "طب كل في اليوم التالي، تكرر المشهد ذاته. قهوة في الصباح. ورشة في الليل. *ياسين* ينحف يومًا بعد يوم، وعظام وجنتيه تبرز. لكن النقود تزيد. مئة وخمسون... مئتان مع البقشيش. *رهف* تنتظره كل ليلة. بالأكل الساخن. بالشاي. بالفوطة المبللة بماء دافئ تدلك بها ظهره المتصلب. وفي ليلة، وهو عائد، خانته قدماه. سقط في منتصف الشارع، والأكياس تقع من يده. كان *حمادة* مارًا بالصدفة، فصرخ: *حمادة*: "يا نهار إسود! ياسين!" حمله على ظهره، وركض به إلى المقهى. ما إن رأته *رهف*، حتى صرخت ويدها على قلبها: *رهف*: "إيه اللي حصل؟! ماله؟!" *حمادة*: "وقع من طوله! جسمه مش مستحمل!" فتح *ياسين* عينيه بصعوبة، وهمس: *ياسين*: "سيبوني... أنا كويس... لازم أروح الورشة بكره..." انفجرت *رهف* بالبكاء، وهزته من كتفيه: *رهف*: "ورشة إيه يا مجنون؟! إنت هتموت نفسك؟! كفاية! كفاية بقى!" أمسك *ياسين* بيدها، وضغط عليها بوهن: *ياسين*: "فاضل... فاضل 40 ألف. 3 أيام... على العملية. لازم... لازم أكمل." ثم أغمض عينيه، وغاب عن الوعي. --- في المستوصف. خلع الطبيب نظارته، وقال بحزم: *الدكتور*: "إجهاد حاد. وأنيميا. ةضغط واطي. لازم راحة تامة 3 أيام على الأقل. لو كمل كده... مضمنش خالص حالته." كانت *رهف* تمسك بالروشتة، ويداها ترتجفان: فتح *ياسين* عينيه بصعوبة، وهمس: *ياسين*: "هقوم... بكره... هقوم..." أمسكت *رهف* بوجهه بين كفيها، ودموعها تسقط على وجهه: *رهف*: "هتقوم تروح فين؟! خلاص خلصت يادكش في الليلة نفسها، ببيت *الحاج سالم*. عندما علم، صرخ من فوق سريره، وصوته يهز جدران الغرفة: *الحاج سالم*: "! هاتي الواد ده هنا! حالاً!" دخل *ياسين*، متكئًا على *حمادة*، وبالكاد يقف. أشار *الحاج سالم* بعكازه، وعيناه تقدحان غضبًا وأبوة: *الحاج سالم*: "إنت يا واد! إنت فاكر نفسك مين؟! فاكر نفسك حديد؟!" *ياسين*: "يا حاج..." انهمرت دموع *الحاج سالم* على لحيته: *الحاج سالم*: "يا ابني... إنت بتموت نفسك عشاني. وأنا... أنا راجل عجوز. عشت حياتي. إنما إنت... إنت لسه شبابك. لسه فرحك. لسه عيالك. ماتضيعش نفسك!" نزل *ياسين* على ركبتيه بجانب السرير، وأمسك بيد الرجل العجوز: *ياسين*: " فرح!. إنتو أهلي. والأهل... بنموت عشانهم." احتضنه *الحاج سالم*، وبكى بحرقة: *الحاج سالم*: "ربنا... ربنا يجبر بخاطرك يا ابني. ويعوضك. بس أوعدني... أوعدني تبطل اللي بتعمله. هنتصرف. هنبيع القهوة لو اضطرينا.." نظر *ياسين* إلى *رهف*، التي تقف عند الباب تبكي بصمت: عند الفجر، أمام الجامع. كان *ياسين* يجلس وحده على درجات السلم، رافعًا يديه إلى السماء، وعيناه مغمضتان. همس، وصوته يختنق: *ياسين*: "يا رب... أنا تعبت. عملت كل اللي أقدر عليه. اشتغلت... واتكسرت... ووقعت. فاضل إنت. فاضل كرمك. ماتكسرنيش قدامها. ماتخدهوش منها. وماتخدهاش مني. يا رب... سمع صوت خطوات تقترب. فتح عينيه. كان *عم عبده* قادمًا، يحمل كيسًا أسود. *عم عبده*: "ياسين يا ابني... خد." ورمى الكيس في حجره. *ياسين*: "إيه ده يا عم عبده؟" *عم عبده*: "ده... ده ورث أبوك. أنا كنت شايله. لما أعمامك طردوكم... أبوك كان سايب معايا أمانة. سبيكة دهب. قاللي... لو مت، خليها لياسين لما يكبر. عشان يبدأ حياته." فتح *ياسين* الكيس بيد مرتجفة. سبيكة ذهب تلمع في ضوء الفجر الأول. شهق، ولم يصدق عينيه: *ياسين*: "أبويا...؟" بكى *عم عبده*، وربت على كتفه: *عم عبده*: "أيوه يا ابني. أبوك مات... وهو سايب لك سند. روح... روح بيعها. واعمل العملية للحاج سالم. واتجوز البت... وعيش. ده... ده كان حلم أبوك." ضم *ياسين* السبيكة إلى صدره، ثم احتضن *عم عبده*، وبكى. بكى وجع عشر سنوات، وذل عشر سنوات، وجوع عشر سنوات. --- بعد ساعتين، في الصاغة. وقف *ياسين* و*رهف* و*حمادة*. الصائغ يزن السبيكة على الميزان الحساس. *الصايغ*: "السبيكة دي... تعمل 70 ألف. بالسعر النهاردة." شهقت *رهف*، وأمسكت بيد *ياسين* بقوة: *رهف*: "70 ألف؟! نزلت دموع *ياسين* على وجنتيه دون خجل: أخذ النقود، وركض كالمجنون نحو المستشفى. --- غرفة العمليات — بعد يومين. كان *الحاج سالم* يُدخل إلى العمليات. *رهف* و*ياسين* واقفان، أيديهما متشابكة بقوة، والأصابع بيضاء من الشد. ست ساعات مرت كأنها ست سنوات. فُتح الباب. خرج الطبيب، يخلع الكمامة، وعلى وجهه ابتسامة واسعة. *الدكتور*: "العملية نجحت. الحاج سالم... بقي كويس الحمد الله حمد الله ع سلامته الفصل العاشر مضى أسبوعان على خروج *الحاج سالم* من المستشفى. لم تعد رائحة الخوف تفوح من "قهوة السلطنة"، بل عادت إليها رائحة البن والهيل. كان *الحاج سالم* يجلس خلف الكاشير على كرسي بعجلات، ضحكته تملأ المكان، والدم عاد إلى وجنتيه. أما *رهف*، فكانت تطير من الفرحة. تعد الشاي، وترص البسكويت للزبائن الذين يتوافدون للتهنئة. *ياسين*... كان واقفًا في المقهى، لكنه لا يحمل صينية. يحمل مقشة. يكنس الأرض بصمت، ورأسه منحنٍ. ضرب *الحاج سالم* على الطاولة بعكازه، وصوته جهوري: *الحاج سالم*: "يا واد يا ياسين! تعالى هنا." رمى *ياسين* المقشة، ومسح عرقه: *ياسين*: "نعم يا حاج؟؟" *الحاج سالم*: تعالى اقعد." جلس *ياسين*. وقفت *رهف* خلف أبيها، متكئة على الكاشير، تراقب بعينين تلمعان. أخرج *الحاج سالم* من تحت الكاشير حقيبة قماش قديمة، مغبرة: *الحاج سالم*: "خد." فتحها *ياسين*، وعقد حاجبيه: *ياسين*: "إيه دي؟" أخرج كتبًا. كتب ثانوية عامة. رياضيات، فيزياء، كيمياء. صفراء وقديمة، لكنها مغلفة بعناية، كأنها كنز. *الحاج سالم*: "دي... دي كتب ابني الله يرحمه. كان في ثانوي قبل ما يتوفى. شيلتها. وكنت مستني اليوم اللي أديها فيه للي يستاهل." تجمد *ياسين*. شعر بثقل الكتب في يده، وكأنها مسؤولية العالم: *ياسين*: "يا حاج... أنا... أنا بقالي عشر سنين مافتحتش كتاب." خبط *الحاج سالم* بعصاه على الأرض: *الحاج سالم*: "وإيه يعني؟! دماغك دي دهب! إنت الأول على الإعدادية! تقدمت *رهف*، والتقطت كتاب الرياضيات، وفتحته: *رهف*: "بابا عنده حق. إنت لازم تكمل يا ياسين." رمى *ياسين* الكتب على الطاولة، وتراجع بكرسيه: *ياسين*: "أكمل إيه؟! أنا عندي 26 سنة! هقعد في فصل مع عيال 17 سنة؟! هيقولوا عليا إيه؟!" *الحاج سالم*: "هيقولوا راجل! راجل وقع وقام! وبعدين مين قال فصل؟ هتذاكر منازل. وهتمتحن. وأنا... أنا هدفع مصاريف الدروس كلها." *ياسين*: "يا حاج..." *الحاج سالم*: "كلمة واحدة. ده مش طلب. ده أمر. ديني اللي في رقبتك... تسده بشهادتك. عايز أشوفك مهندس... قبل ما أموت." سكت الجميع. الكلمة كانت ثقيلة، نزلت على قلب *ياسين* كالحجر. اقتربت *رهف*، ووضعت يدها على كتاب الرياضيات: *رهف*: "وبعدين... أنا هديلك درس. أنا معايا بكالوريوس تجارة. وشاطرة في الرياضة." رفع *ياسين* حاجبيه بدهشة: *ياسين*: "إنتِ؟! هتبقي المدرّسة بتاعتي؟!" رفعت *رهف* حاجبها، وابتسمت بمكر: *رهف*: "أيوه. ولو مسمعتش الكلام... هضربك بالعصاية." في تلك اللحظة، دخل *حمادة*، وسمع آخر الحديث، فصرخ: *حمادة*: "يا نهار إسود! الدكش هيرجع تلميذ! والست رهف هتبقى الأبلة!" انفجرت القهوة كلها بالضحك. --- في الليل — أول جلسة مذاكرة. طاولة في آخر المقهى. لمبة صفراء تتدلى فوقها. كشاكيل، وأقلام، وكوبان من الشاي يتصاعد منهما البخار. جلست *رهف* ممسكة بالكتاب، تضع نظارة قراءة على طرف أنفها، وتعقد شعرها بقلم. أما *ياسين*، فكان يجلس أمامها، متصلب الظهر، متوترًا كطفل في أول يوم دراسي، يفرك يديه. خبطت *رهف* بالقلم على الطاولة، وصوتها جاد: *رهف*: "ركز يا أستاذ. دي معادلة من الدرجة التانية. لو المميز موجب..." كان *ياسين* سارحًا في وجهها، يتأمل ملامحها تحت الضوء الأصفر: *ياسين*: "لو المميز موجب... يبقى عينيكي بتلمع." احمر وجه *رهف*، وزمت شفتيها: *رهف*: "ياسين! احترم نفسك! إحنا في درس!" اتكأ *ياسين* بذقنه على يده، وابتسم: *ياسين*: "مانا بحترم نفسي. بس بحترمك إنتي أكتر. وبعدين... مين قال إن المدرس مايتغازلش فيه م انتي قمر؟" أغلقت *رهف* الكتاب بقوة، وضربت به الطاولة: *رهف*: "خلاص. مفيش مذاكرة. قوم روح." مد *ياسين* يده بسرعة، وأمسك بمعصمها برفق: *ياسين*: "خلاص... خلاص والله هركز. بس... بس ماتعمليش الوش ده. ده بيشتتني." سحبت *رهف* يدها، وأشارت إلى الكتاب: *رهف*: "حل المسألة دي. لو حليتها صح... هعملك شاي زيادة سكر." أمسك *ياسين* بالقلم، وعيناه تتنقلان بين الكتاب وبينها: *ياسين*: "اتفقنا. ضحك *ياسين*، وانحنى على الكشكول يبدأ الحل. --- بعد ساعة. انفتح باب القهوة. دخل شاب يرتدي قميصًا مفتوحًا وسلسلة ذهبية تلمع على صدره، تفوح منه رائحة عطر قوية. بدا واضحًا أنه ليس من أهل السبتيّة. غمز للـ *رهف*، وصوته لزج: *الزبون*: "الله... القهوة دي فيها قمر. واحد شاي يا قمر." انكسر القلم في يد *ياسين*، وصدر منه صوت واضح. تجاهلته *رهف*، وسألت بجفاء: *رهف*: "عايز الشاي إيه؟" اقترب *الزبون* من الكاشير، واتكأ عليه: *الزبون*: "عايزه من إيدك. وعايزه معاه رقم تليفونك. عشان أطلب ديليفري بعد كده." نهض *ياسين* ببطء. وضع الكتاب جانبًا. تحرك بهدوء دار *ياسين* حول الطاولة، ووقف بجسده كالحائط بين *الزبون* و*رهف*، وكتفاه مفرودتان: *ياسين*: عايز اي من مراتي؟." ساد الصمت المقهى كله. شهقت *رهف*، ووضعت يدها على فمها. بلع *الزبون* ريقه، وتراجع خطوة: *الزبون*: "جوزها؟! من إمتى؟" رفع *ياسين* يد *رهف*، وأشار إلى الدبلة الفضة في إصبعها، وعيناه لا تفارقان عيني الشاب: *ياسين*: "من دلوقت صار وجه *رهف* كحبة الطماطم. لكنها لم تسحب يدها. بقيت أصابعها مستسلمة في قبضته. رفع *الزبون* يديه مستسلمًا: *الزبون*: "خلاص يا عم... إحنا آسفين. رمى عشرة جنيهات على الطاولة، وخرج مسرعًا. صفر *حمادة* من آخر القهوة: *حمادة*: "الله أكبر! يا جدعان! غيرة دي ولا مش غيرة؟!" ضرب *عم سيد* كفًا بكف: *عم سيد*: "ده أسد! مش دكش!" التفت *ياسين* إلى *رهف*، وما زال ممسكًا بيدها، وأنفاسه متلاحقة: *ياسين*: "آسف... اتصرفت من دماغي نظرت *رهف* إلى الدبلة، ثم رفعت عينيها إليه: *رهف*: "عادي *ياسين*: "يعني... مش زعلانة إني قولت جوزك سحبت *رهف* يدها بالراحة، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها: *رهف*: "عايزاك تبقي فعلا جوزي شعر *ياسين* أن قلبه سيتوقف: *ياسين*: "يعني... يعني موافقة؟" عادت *رهف* تمسك بالكتاب، وأخفت وجهها خلفه: *رهف*: "حل المسألة الأول. وبعدين نتكلم في الموافقة. الأبلة قالت كده." جلس *ياسين*، ووضع يده على قلبه: *ياسين*: "يا رب صبرني. دي هتجيب لي جلطة قبل الامتحانات." -- مر شهر على نفس الروتين. قهوة في الصباح. مذاكرة في العصر. وبالليل، ينزل *ياسين* للعمل في الورشة عند *الأسطى بشندي* ليجمع مصاريف الدروس. صارت *رهف* "الأبلة رهف" بحق. كشكول تحضير في يدها، وعصا صغيرة ، وكراسة درجات لا تفارقها. *ياسين* ذكي. عقله نشيط. لكنه مرهق، والسواد تحت عينيه يزداد. في ليلة، عند الثانية بعد منتصف الليل. كان *ياسين* قد نام على الكتاب، رأسه فوق الصفحة. دخلت *رهف* تحمل كوب شاي. رأته، فاقتربت على أطراف أصابعها. فردت بطانية خفيفة على كتفيه. مررت أصابعها في شعره برفق، فتح *ياسين* عينه نصف فتحة، ورآها: *ياسين*: "إنتِ... إنتِ لسه صاحية؟" *رهف*: "مانمتش. قلبي كان مقبوض. أمسك *ياسين* بيدها، وقبل باطن كفها: *ياسين*: "... انا تمام ." *رهف*: "طب نام. كفاية النهاردة. كدا" *ياسين*: "ولو نمت... هحلم بإيه؟" ابتسمت *رهف*، ومسحت على جبينه: *رهف*: "احلم... احلم باليوم اللي هتتخرج فيه. وأنا... وأنا قاعدة في الصف الأول... بسقف لك." أغمض *ياسين* عينيه، وابتسم: *ياسين*: "وعد؟" انحنت *رهف*، وطبعت قبلة سريعة على رأسه، ثم جرت: *رهف*: "وعد." وضع *ياسين* يده مكان قبلتها. ظل مبتسمًا. ونام. --- بعد شهرين — يوم الامتحان النهائي. وقف *الحاج سالم* و*رهف* و*حمادة* و*عم عبده* ينتظرونه خارج اللجنة. خرج *ياسين*، ووجهه شاحب كأن الدم هرب منه. جرت *رهف* عليه، وأمسكت بذراعيه: *رهف*: "عملت إيه؟! طمني!" ظل *ياسين* صامتًا، يخفض رأسه. سقط قلب *الحاج سالم*، وربت على كتفه: *الحاج سالم*: "يا ابني... لو منجحتش مش مهم. المهم إنك حاولت." فجأة، صرخ *ياسين* بأعلى صوته، ورفع يديه للسماء: *ياسين*: "نجحت! جبت 88% يا حاج!" حمل *رهف* ودار بها في الهواء. *ياسين*: "بفضل الأبلة بتاعتي! الأبلة اللي غلبتني!" ضربته *رهف* في كتفه، وهي تضحك وتبكي في نفس الوقت: *رهف*: "نزلني يا مجنون! الناس بتتفرج!" أنزلها *ياسين*، ونظر في عينيها أمام الجميع، وأمسك بوجهها: *ياسين*: "خليهم يتفرجوا. عايزهم كلهم يعرفوا... إن الفضل... لست البنات. لمراتي." وضعت *رهف* يدها على فمها، ودموعها تنهمر: *رهف*: "ياسين!" بكى *الحاج سالم* وضحك في آن واحد، ورفع يديه للسماء: *الحاج سالم*: "الحمد لله... الحمد لله يا رب. ابني... بقى راجل. وبنتي... بقت في إيد أمينة." ... انقضت عشر سنوات وتبدل وجه السبتيّة. الشارع الذي كان يومًا يغرق في الطين صار مرصوفًا، والمحلات التي كانت تخشى الإغلاق صارت تتلألأ بالأضواء. وفي أول الشارع، نهضت عمارة شاهقة، حديثة البناء، من عشرة طوابق. وعلى واجهتها الرخامية، لوحة ذهبية كبيرة كُتب عليها: *"برج السلطنة — ملك الهندسة ياسين عبد التواب"*. في الطابق الأخير، كانت شقتهما. شقة واسعة، نوافذها تطل على النيل من جهة، وعلى السبتيّة كلها من جهة. الأثاث فاخر، والجدران مزينة بلوحات، لكن في الصالة، وبين كل هذا البذخ، تربعت صورة واحدة في إطار خشب قديم: صورة *ياسين* بالجلباب، و*رهف* بالعباية، يقفان أمام "قهوة السلطنة" يوم كتب الكتاب. كان *ياسين* يجلس في مكتبه الخاص داخل الشقة. يرتدي ساعة ثمينة، وقميصًا كحليًا مكويًا بعناية. أمامه على المكتب، عقود وتصاميم لمشاريع جديدة. وعلى الحائط خلفه، شهاداته كلها: الثانوية، والبكالوريوس، والماجيستير دخلت *رهف*. لم تعد تلك الفتاة النحيفة الخجولة. صارت سيدة، ملامحها تنضح بالنعمة والثقة. ترتدي عباءة حرير أنيقة، وشعرها مصف. في يدها أساور ذهب، لكن في إصبعها، لا تزال الدبلة الفضة تلمع بجوار خاتم سوليتير ضخم وضعت الصينية، ووقفت خلفه، ومررت يدها في شعره: *رهف*: "لسه صاحي يا بشمهندس؟ الساعة داخلة على 2. والدكتور قالك لازم تنام بدري." أمسك *ياسين* بيدها، وقبلها، وأغمض عينيه بتعب لذيذ: *ياسين*: "مشروع المول الجديد يا سكر انت. لازم أراجع المقايسة بنفسي قبل ما أسلمها بكره." سحبت *رهف* كرسيًا وجلست بجواره، ووضعت يدها على بطنها المنتفخة. في شهرها السابع. *رهف*: "وابنك... برضه بيقولك كفاية. عمال يرفس من ساعة. شكله وارث العند من أبوه." التفت *ياسين* كله، ولمعت عيناه. انحنى، ووضع أذنه على بطنها، وهمس: *ياسين*: "سامع؟ بابا بيقولك نام عشان بكره عنده شغل كتير. عنده عمارة يبنيها لابنه." ضحكت *رهف*، ومررت أصابعها في شعره: *رهف*: "إبنك ده... هيطلع شقي. زيك." ساد الصمت لحظة. صمت مليء بالشبع والرضا. رفع *ياسين* رأسه، ونظر حوله. للشقة، للمكتب، للبرج. ثم نظر إليها. *ياسين*: "تعرفي... عمري ما حبيت الفلوس. كنت بشوفها بتذل. بس حبيتها رفعت *رهف* حاجبها، وسندت خدها على كفها: *رهف*: "ليه؟" قام *ياسين*، وأمسك بيدها، وأوقفها. أخذها إلى الشباك الكبير الذي يطل على السبتيّة كلها. أشار بيده: *ياسين*: "عشان الفلوس دي... خلتني أشتري العمارة دي. والعمارة اللي جنبها بقت مدرسة. والورشة بقت شركة. وعشان... عشان كل ما أشوف الفرحة في عينك إنتي وأبوكي... بعرف إن الفلوس دي ليها لازمة. فرحتك... دي المكسب الحقيقي ليا يارهف." دمعت عينا *رهف*، وأسندت رأسها على كتفه: *رهف*: "وأنا... عمري ما حبيت الدهب. بس بحبه دلوقتي." *ياسين*: "ليه؟" رفعت *رهف* يدها، وأشارت إلى الدبلة الفضة، وإلى الخاتم الماس، وإلى الغوايش: *رهف*: "عشان كل حتة دهب في إيدي... إنت اللي جبتها. مش عشان غالية. عشان... عشان كل قطعة فيها قصة. فيها يوم وقفت فيه في ضهري. فيها مرة قولت 'دوا أبوكي عليا'. فيها مرة نمت على الكتاب عشاني وفيها مرة وقعت من طولك عشان توفر تمن العملية ل ابويا." ضمها *ياسين* إليه، ويدها على بطنه، ويده على بطنها: *ياسين*: "فاكرة... لما اتجوزنا. دفنت *رهف* وجهها في صدره: *رهف*: "كنت مرعوبة. مرعوبة منفرحش. مرعوبة منبقاش قد المسؤولية. مرعوبة الفلوس تغيرك. مرعوبة أخسرك بعد ما لقيتك." قبل *ياسين* رأسها، وصوته عميق: *ياسين*: "وأنا كنت مرعوب... مقدرش أصونك. مقدرش أبقى الراجل اللي تستاهليه. كنت خايف أبقى غني... وأنسى الدكش. أنسى التوك توك. وانساكي." *رهف*: "بس... محصلش." *ياسين*: "محصلش... عشان خفنا سوا. اللي بيخاف لوحده بيضيع. إنما إحنا... خوفنا خلانا نمسك في إيد بعض أكتر. المرّ شربناه سوا. عشان كده... ربنا سقانا الحلو كله سوا. بحبك ياسكر انت" تمت بحمد الله.