رواية رهان الدكش بقلم هاجر عبدالحليم

الفصل الخامس والسادس
رهان الدكش
هاجر عبدالحليم
الفصل الخامس
كانت القهوة مفتوحة كعادتها، لكن الهواء داخلها لم يكن طبيعيًا.
ثقل خفي يضغط المكان، وكأن شيئًا كبيرًا يقترب.
خبر مواجهة الأمس بين ياسين ورجال المعلم زنهم لم يبقَ سرًا، بل انتشر في السبتيّة كالنار في الهشيم.
لم تعد القهوة مكانًا للجلوس فقط، بل أصبحت مسرحًا للترقب والفضول.
الزبائن يدخلون ويخرجون بسرعة، لا يشربون بقدر ما يراقبون.
عيونهم تتحرك بين الأبواب والوجوه، كأنهم ينتظرون انفجارًا.
رهف تقف خلف الموقد، لكنها لا تطهو شيئًا حقًا.
نظراتها ثابتة على الباب، وصدرها يعلو ويهبط بقلق واضح.
كل حركة خارج القهوة تجعل جسدها ينتفض قبل عقلها.
أما ياسين، فقد كان واقفًا قرب الطاولة، يمسك فوطة دون حاجة،
لكن ملامحه كانت مختلفة تمامًا عن الأمس.
لا ارتجاف، لا تردد… فقط يقظة حادة، كمن يستعد لشيء لا مفر منه.
ذراعه المصابة ملفوفة، لكن وقفته ثابتة كأن الألم لا يخصه.
دخل حمادة فجأة، يركض، أنفاسه متقطعة، وكتفاه يهتزان من السرعة.
حمادة: “يا ياسين! يا ست رهف! مصيبة!”
تجمدت رهف في مكانها، وارتفع قلبها إلى حلقها.
رهف: “إيه تاني بقا؟”
بلع حمادة ريقه بصعوبة، وعيناه تتحركان يمينًا ويسارًا كأنه يخشى حتى قول الاسم:
حمادة: “زنهم… المعلم زنهم بنفسه… جاي على هنا! وعربيته السودا واقفة على أول الشارع! ومعاه بودي جاردات جتت ولا الشحات مبروك”
في لحظة واحدة، خيم الصمت على القهوة.
حتى صوت الملاعق توقف.
حتى أنفاس الناس بدت كأنها انقطعت.
رهف التفتت ببطء نحو ياسين.
كان هو الوحيد الذي لم يتحرك.
لكن عينيه ضاقتا قليلاً، وعضلات فكه تشددت.
ألقى الفوطة جانبًا، وشد قامته ببطء.
ياسين: “خليكِ ورا الكاشير.
أمسكت رهف ذراعه السليم بسرعة، كأنها تحاول تثبيته في الأرض.
رهف: “ياسين… ده مش زغلول. ده زنهم. الراجل ده هد بيوت ناس قبل كده.”
نظر إليها.
نظر طويلًا، كأنه يحفظ ملامح خوفها.
ثم أزال يدها برفق غير معتاد منه، وقال بهدوء مختلف:
ياسين: “احنا مش فيران عشان نخاف احنا صحاب حق ولازم ندافع عنه
استدار، ووقف في منتصف القهوة.
وحيدًا… لكن كجدار.
لحظة الدخول
لم يُفتح الباب بعنف.
لم يُكسر الصمت بالصراخ.
بل انفتح ببطء شديد…
كأن من يدخله يعرف أنه يملك المكان قبل أن يدخل.
دخل المعلم زنهم.
رجل في الخمسين، جسده ممتلئ، ملامحه هادئة بشكل مخيف.
جلابيته مرتبة، وسبحته تتحرك بين أصابعه ببطء محسوب.
خلفه رجلان ضخمان، يقفان كظلَّين لا يتكلمان.
في لحظة، فرغت القهوة تمامًا إلا من ثلاثة أشخاص:
ياسين، رهف، وحمادة.
كل شيء آخر انسحب.
تقدّم زنهم بخطوات بطيئة، عينه تمسح المكان باستهانة واضحة.
زنهم: “الله… قهوة السلطنة. لسه زي ما هي. نفس الكراسي المكسرة، ونفس ريحة الشاي المعفن اللي يوجع البطن.”
مرّر أصابعه على الطاولة، ثم ابتسم ابتسامة بلا حرارة.
زنهم: “الحاج سالم… فين ع كدا؟ سمعت إنه تعبان. ألف سلامة. عليه زعلت فعلا الراجل طيب وملوش ف المشاكل”
تقدمت رهف خطوة، لكن صوتها خرج متوترًا:
رهف: “خير يامعلم؟”
التفت إليها، ونظرته كانت أطول من الجملة نفسها.
زنهم: “اللهم صلي ع النبي هو القمر بيطلع بالنهار ولا اي؟. رهف السكرة بتاعتنا. كبرتي وبقيتي ست البنات. عرفت تربي بصحيح ياسالم بت بميت راجل
تحرك ياسين خطوة للأمام، جسده سدّ المسافة بينهما فورًا.
ياسين: “انت جاي ترغي يامعلم ولا تعاكس ولا اي حكايتك؟
نظر زنهم إليه ببطء، من أعلى رأسه حتى قدميه، ثم ابتسم:
زنهم: . ملك الحارة بقى بيغسل فناجين وبقا صبي قهوة. الدنيا دوارة. فعلا سبحان المعز المذل”
لم يتغير وجه ياسين، لكن عينيه أصبحتا أكثر حدة.
ياسين: “الدنيا دوارة فعلاً. واللي فوق… ممكن ينزل سابع أرض ف ثانية حكمة ربك بقا
ضحك زنهم، ضحكة قصيرة لا روح فيها، ثم جلس.
عرض البيع
وضع رجلًا فوق الأخرى، وأشار بعينه لرجاله بالوقوف.
زنهم: “. أنا جاي أتكلم في شغل. جاي أشتري.”
ارتجف صوت رهف دون أن تقصد:
رهف: “تشتري إيه؟”
أخرج زنهم نفسًا ببطء، ثم قال:
زنهم: “الخرابة دي. القهوة. بالبيت اللي فوقها كمان. جايب لك مليون جنيه كاش. دلوقتي. حالاً ع الطربازة فلوس حاضرة انا مش بهزر
سقطت الكلمة على المكان كحجر ثقيل.
ارتجفت يد حمادة.
واتسعت عينا رهف بصدمة.
رهف: “القهوة… القهوة مش للبيع يا معلم. دي بتاعة أبويا وانا مش هفرط فيها وبعدين طالما خرابة غيتك فيها اي؟”
ابتسم زنهم وكأنه يسمع طفلة.
زنهم: “يا بنتي… أبوكي عيان. محتاج عملية. بالمليون جنيه تقدري تعالجيه، وتفتحي كافيه في اطخن مكان فيكي يامصر ليه مسكة ف الفقر وبتبصي تحت رجلك؟”
اقترب قليلًا، صوته أخفض لكنه أخطر:
زنهم: “هنا يعني الفقر والذل اسمعي مني
تحرك ياسين خطوة للأمام.
ياسين: “واللي مش عايز؟”
نظر إليه زنهم دون أن يرفع صوته:
زنهم: “يبقي اشتري عدواتي بتمن بخس.”
ثم أضاف بهدوء أشد:
زنهم: “أنا حاطط عيني على الأرض دي من زمان.”
التهديد الحقيقي
اقترب من رهف، هذه المرة مباشرة.
مد يده ببطء نحو وجهها.
وفي لحظة خاطفة…
أمسك ياسين يده في الهواء.
ضغط.
تصلبت ملامح زنهم لأول مرة.
ياسين (بصوت منخفض قاتل): “عيب يامعلم حريمنا مش للمس
ارتجف أحد البودي جاردات، لكن زنهم أشار لهما بالتوقف.
ابتسم رغم الألم.
زنهم: “الدكش بيعرف بيمثل دور الراجل. كويس اوي.”
ثم مال قليلًا نحو ياسين:
زنهم: “عارف إن الورق عندي صح.”
تجمدت ملامح ياسين بالكامل.
زنهم: “ورق الورث… فاكره؟.”
ارتدت رهف خطوة للخلف، وكأن الأرض فقدت ثباتها.
زنهم: “72 ساعة. يا توافقوا… يا أهدها على دماغكم واطلعكم منها جثث.”
ثم استدار وخرج كما دخل…
هادئًا… كأن شيئًا لم يحدث.
بعد الخروج
سقط الصمت كجدار.
رهف انهارت على الكرسي، والدموع خرجت دفعة واحدة.
رهف: “هيهدها..يالهوي ياشقايا يايا.”
أما ياسين، فكان واقفًا، لكن داخله لم يكن واقفًا.
شيء قديم بدأ يتحرك لأول مرة منذ سنوات.
لم يعد “الدكش”.
ولا حتى “ياسين” فقط.
شيء ثالث بدأ يتكوّن.
اقترب منها، وانحنى قليلًا حتى صار أمامها مباشرة.
أمسك يدها.
ياسين: “رهف… .”
رفعت عينيها بصعوبة.
ياسين: “اوعي تتهزي دا راجل اخره كلام
ارتجف صوتها:
رهف: “هيقتلوك!”
اقترب أكثر:
ياسين: “العمر واحد
ثم أضاف:
ياسين: “القهوة دي ملكك وهتفضل ملكك وهحارب عشانها لأخر نفس.”
الفصل السادس
لم يكن ذلك الصباح كسابقيه في السبتيّة. مضت ثمانٍ وأربعون ساعة فقط على مهلة زنهم، والخبر ينتشر بين الأزقة كالنار في الهشيم: “المعلم زنهم سيهدم قهوة السلطنة بعد يومين”.
أبواب المقهى مفتوحة على مصراعيها، لكن المقاعد خاوية. لا زبائن. كل من يمر أمامها يطأطئ رأسه ويسرع الخطى، كأنها بيت أصابه الوباء.
كانت *رهف* تقف خلف الوابور، تعد شايًا لن يشربه أحد. أصابعها ترتجف وهي تمسك بالملعقة، وعيناها معلقتان بالباب.
أما *ياسين*، فكان يجلس على الكنبة الخشبية، ظهره ملتصق بالجدار وعيناه لا تفارقان المدخل. المطواة في جيبه، والشهادات المدرسية في الجيب الآخر. لم يذق طعم النوم منذ ليلة أمس.
اندفع *حمادة* إلى الداخل، وجهه شاحب وأنفاسه متقطعة:
*حمادة*: “يا ياسين… الحارة كلها بتتكلم. بيقولوا زنهم جاب بلدوزر واقف على أول السبتيّة. مستني المهلة تخلص.”
سقطت الكوباية من يد *رهف* وتحطمت على الأرض. شهقت، ووضعت يدها على فمها:
*رهف*: “بلدوزر؟!”
نهض *ياسين* ببطء، عيناه تظلمان كليلةٍ بلا قمر:
*ياسين*: “خليه يجيبه. هنشوف هيدوس على مين الأول.”
*حمادة* يفرك يديه بتوتر، ويقترب خطوة:
*حمادة*: “يا صاحبي إنت مجنون؟! هتقف قصاد بلدوزر؟! ده هيفرمك!”
التفت *ياسين* إلى *رهف*، يمد نظره إليها وكأنه يستمد منها القوة:
بلعت *رهف* ريقها، وارتعشت شفتاها:
*رهف*: بتفكر ف اي دلني ؟
اعتدل *ياسين* في وقفته، ورفع رأسه:
*ياسين*: ” الحاج سالم ماعاش في السبتيّة دي 30 سنة لوحده. كان ليه صحاب. كان ليه رجالة. لسه عايشين واكيد الكل عايز يوجب.”
—
مع أذان المغرب، كانا يسيران في الحارات الضيقة حتى توقفا أمام بيت قديم بابه من الصاج. *عم عبده الحداد*، الستيني الذي خطّ الشيب لحيته واحترقت يداه من نار الورشة، كان ذراع عبد التواب الأيمن. اعتزل العمل منذ سنوات بعد أن انتزع زنهم ورشته منه بثمن بخس.
طرق *ياسين* الباب. فتح *عم عبده*، وعقد حاجبيه بدهشة:
*عم عبده*: “ياسين؟! وبنت الحاج سالم؟! إيه اللي جابكم؟”
تقدم *ياسين* خطوة، وحنى رأسه باحترام:
*ياسين*: “جايين نطلب سند يا عم عبده. زنهم… هيهد القهوة.”
اسودّ وجه الرجل العجوز، وضرب كفًا بكف:
*عم عبده*: “سمعت. الله يجحمه. عايز يبلع السبتيّة كلها.”
انهمرت دموع *رهف* رغمًا عنها، واقتربت تمسك بطرف جلبابه:
*رهف*: “يا عم عبده… أبويا في المستشفى، والقهوة هتروح. مابقاش لينا غير ربنا… وغيرك.”
صمت *عم عبده* للحظة، يتأمل ملامح *ياسين*. رأى فيها وجه صاحبه الراحل عبد التواب. تنهد بعمق:
*عم عبده*: “وأبوك… ورشته لسه باسمه؟”
أخرج *ياسين* الشهادات القديمة من جيبه، قبض عليها بقوة حتى ابيضت مفاصله:
*ياسين*: “أبويا مات والورق اتسرق. وزنهم إمبارح قالي إنه عنده. معترف. وشاهد”
ضرب *عم عبده* على ركبته بقهر، وصاح:
*عم عبده*: ” كنت عارف إن الورق ماضاعش!”
اقترب *ياسين*، وجثا على ركبة واحدة أمامه:
*ياسين*: “عشان كده جاي لك. إنت، وعم مرزوق النجار، والحاج حسنين بتاع الحديد. صحاب أبويا. لو وقفتوا معايا… لو شهدتوا إن الورشة دي بتاعة عبد التواب… هنكسر عين زنهم قدام السبتيّة كلها.”
نهض *عم عبده*، واتكأ على عكازه، ووقف شامخًا رغم انحناء ظهره:
*عم عبده*: “والله لو همشي على ركبي… لهنزل معاك. حق عبد التواب مش هيضيع تاني.”
—
في تلك الليلة، تكرر المشهد ذاته في بيت *عم مرزوق* وبيت *الحاج حسنين*. نفس الدموع، نفس الغضب القديم الذي اشتعل من جديد.
وعند منتصف الليل، وقف *ياسين* في منتصف السبتيّة، وخلفه ثلاثة رجال طاعنون في السن، لكن ظهورهم مفرودة كالرماح.
رفع *ياسين* صوته حتى هز سكون الحارة النائمة:
*ياسين*: “يا أهل السبتيّة! يا ناس يا هوه! المعلم زنهم سارق ورث أبويا! وسارق شقى الحاج سالم! وبكره… جاي يهد بيوتنا!”
تفتحت الشبابيك، وأطلت الرؤوس الحذرة.
*ياسين*: “اللي ليه في الحق… واللي أكل عيش وملح مع عبد التواب… واللي شرب شاي في قهوة السلطنة… بكره بعد العصر… يقف معانا! مش عشان ياسين! عشان السبتيّة! عشان ماحدش يتطرد من بيته تاني!”
ساد الصمت، ثم بدأت الأبواب تُغلق من جديد. الخوف كان أقوى.
اقتربت *رهف* منه، ووضعت يدها على ذراعه المشدود، وهمست:
*رهف*: “هيقفوا. هيخافوا دلوقتي… بس هيقفوا.”
نظر إليها *ياسين*، والقلق ينهش صدره:
*ياسين*: “ولو ماوقفوش؟”
رفعت *رهف* رأسها، وعيناها تلمعان في ضوء القمر:
*رهف*: “يبقى نقف إحنا الاتنين
—
في عصر اليوم التالي، أربع وعشرون ساعة فقط تفصلهم عن المهلة.
المقهى ممتلئ، لكن ليس بالزبائن. رجال. *عم عبده*، *عم مرزوق*، *الحاج حسنين* يجلسون في الصدارة. *حمادة* و*عم سيد* يقفان عند الباب. حتى *زغلول* بائع الخضار جاء، مطأطئ الرأس.
*زغلول*: “يا ياسين… أنا آسف. زنهم هددني. بس… الحاج سالم كان بيجيب لي شاي ببلاش لما ماكنش معايا. أنا معاك. وياروح م بعدك روح بقا ضربه الأعور ع عينه”
نظر *ياسين* إليهم، وغصة تملأ حلقه. قبض على حافة الطاولة:
*ياسين*: “. عايزكم تشهدوا. لما زنهم يجي… تقولوا الحق. تقولوا الورشة دي كانت بتاعة مين. وتقولوا الحاج سالم ده مين. ها ”
*عم عبده* ضرب بعكازه الأرض:
*عم عبده*: “هنقول. حتي لو رقبتنا على السكينة.”
انفتح الباب ببطء. دخل *زنهم* وحده هذه المرة. دون حراسة. يبتسم بثقة.
*زنهم*: “إيه؟ عاملين مؤتمر ياخيبتها انت وهو؟ بتلموا العواجيز تشهد زور؟”
وقف *ياسين*، وتقدم حتى صار في مواجهته، لا يفصلهما سوى خطوة:
*ياسين*: “لا بنلم أهل الحق. تعرفهم؟”
لَوَى *زنهم* شفتيه بسخرية:
*زنهم*: “أعرف إن مهلتك قربت تخلص. ها؟ قررت تبيع بالذوق؟”
خرجت *رهف* من خلف الكاشير، وقفت بجانب *ياسين*، كتفها يلامس كتفه، وتحدت زنهم بعينيها:
*رهف*: “مش هنبيع يا معلم. القهوة دي بيتنا. والبيوت… مابتتباعش.”
تفحصها *زنهم* من أعلى لأسفل، ثم ابتسم ابتسامة صفراء لـ *ياسين*:
*زنهم*: “آه… فهمت. الدكش بقى له ضهر. وبقى له… حرمة”
في تلك اللحظة، أمسك *ياسين* بيد *رهف* ورفعها عاليًا أمام الجميع، أصابعه تشتد على أصابعها:
*ياسين*: “رهف بقت مراتي ياخلق.”
شهقت القهوة كلها. تجمدت *رهف* في مكانها، ونظرت إليه بذهول. عيناه ثابتتان، لا يمزح. لا يتراجع.
ارتبك *زنهم* لثانية، ثم انفجر ضاحكًا:
*زنهم*: “مراتك؟! من إمتى يا دكش؟”
لم يرمش *ياسين*:
ضغط على يد *رهف* أكثر، كأنه يعلن ملكيته لها أمام العالم.
*ياسين*: “عايز تهد القهوة يبقي بعد موتي مش قبلها
تلون وجه *زنهم*، وصر على أسنانه:
*زنهم*: “إنت اتجننت؟!”
هنا، ضرب *عم عبده* بعكازه على الأرض بقوة، وصوته الجهوري يهز الجدران:
*عم عبده*: “لا ما اتجننش! الواد ده ابن عبد التواب! والورشة اللي إنت سرقتها… بتاعته! والورق اللي عندك… مزور!”
*الحاج حسنين* وقف، وهو يرتعش من الانفعال:
*الحاج حسنين*: “والحاج سالم… أنضف منك ومن عيلتك كلها! وقهوته دي… خط أحمر!”
*عم مرزوق* هز رأسه مؤكدًا:
*عم مرزوق*: “وإحنا… إحنا شهود! وهنروح القسم! وهنفضحك!”
تقلب *زنهم* بنظره بينهم واحدًا واحدًا. الرجال العجائز واقفون كالجبال. الشباب متراصون. *رهف* واقفة بجانب *ياسين*، وأيديهما متشابكة.
لأول مرة منذ عشرين عامًا، شعر زنهم بالوحدة.
أشار بإصبعه مرتعشًا:
*زنهم*: “ماشي… ماشي يا ياسين. كسبت جولة. بس الحرب طويلة. والورق… الورق هحرقه. ومالكش عندي حاجة.والشاطر اللي يضحك ف الأخر”
استدار ليخرج.
صرخ *ياسين* خلفه:
*ياسين*: “والقهوة؟”
رد *زنهم* دون أن يلتفت، وصوته يقطر حقدًا:
*زنهم*: “المهلة لسه ماخلصتش. معاك لبكره المغرب. فكر… قبل ما أرجع بالبلدوزر.”
وانصرف، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا.
—
ما إن أُغلق الباب، حتى تنفس الجميع
*حمادة*: “الله أكبر! كسرنا عينه!”
احتضن الرجال *ياسين*، و*عم عبده* يبكي على كتفه:
*عم عبده*: “شوفت يا عبد التواب؟ ابنك راجل! ابنك سند!”
كان *ياسين* واقفًا، يشعر بيد *رهف* ما زالت في يده. التفت إليها.
*رهف*، واحمر وجهها، حاولت أن تسحب يدها:
*رهف*: “سيب… سيب إيدي.”
*ياسين*: ” قولتها عشانك. عشان ماحدش يقول عليكي كلمة. وعشان… عشان من يوم ما شربت الشاي بتاعك… وأنا مش عايز أشرب من إيد حد تاني عايزك تبقي حلالي يارهف.”
اغرورقت عينا *رهف* بالدموع:
*رهف*: “ياسين.
مسح *ياسين* دمعة هاربة بإبهامه:
*ياسين*: “قلب يس والله ل اكتب عليكي وقتي
سعل *عم سيد* ليقطع اللحظة:
*عم سيد*: “إحم… يا ولاد… فيه ناس هنا. اتلموا عيب خلي عندكم حيا وخشا .”
ضحك الجميع. انتزعت *رهف* يدها وجريت إلى الداخل، خجلها يغلبها.




