الفصل السادس والعشرون بعشق تملكها حتى تغلغل في الأعماق وصار يجري في عروقها كمجرى الدم، تحيا به؛ وقد أضحى النفس الذي تتنفسه، عبير الروح التي ارتقت بعشقه، لتصبح امرأة أخرى تليق برجل مثله، يُبهجها ولو ابتسامة صغيرة تعلو ثغره، ويحزنها ألا تكون هي السبب بها. ما أصعب هذا العشق حينما يعجز المُحب عن إسعاد المحبوب بما يستحق ويتمنى. هذا ما كانت تشعر به نور في وقفتها الاَن بوسط الدرج، تراقب زوجها المنشغل دائمًا على حاسوبه حتى في وقت استراحته بالمنزل، لكم الأعمال التي لا تنتهي معه، في جلسته بوسط البهو الكبير على اَريكته الاَثيرة وأبناء شقيقه يلعبن من حول بألعابهم، ويشاكسنه بالعبث بأشياءه كعلاقة المفاتيح والهاتف، وهو بكل ود وروية يجيب عن أسئلتهم التي لا تنتهي، رغم انشغاله، وكأنه يعوض الأطفال ولو قليلًا عن غياب أبيهم عنهم - هتجيبلي عربية اسوقها لوحدي زي عربيتك يا عمو؟ - حاضر من عيوني يا إياد، تكبر انت بس ويشتد عضمك وانا ليك عليا اجيبلك أحسن عربية. - طب وانا يا عمو هتجيبلي واحدة كمان؟ قالها الطفل الاَخر والذي كان منشغلًا باللعب على الهاتف، وكان رد مصطفى بحزم لا يخلو من اللطف: - هجيبلك اللي انت عايزه بس لما تخف من اللعب شوية ع التليفون، انت قولت شوية صغيرين واحنا دلوقتي عدينا النص ساعة. بتذمر وسخط اعتلت الملامح الصغيرة، هتف زياد: - ما انا اعمل ايه بس يا أنكل؟ ماما مانعة عننا العاب البلاي ستيشن بقالها كام يوم، وشايلة مننا التليفونات بتاعتنا، بصراحة بقى زهقت. - شايلة عنكم التليفونات ليه؟ سأله مصطفى بانتباه وقد ترك ما يعمل عليه، فجاء الرد من الطفل الأكبر: - أنا اقولك يا عمو، اصلها كذا مرة تنبه علينا نبطل نتصل ببابا ، بس زياد ما بيسمعش الكلام، بيتصل بيه وبيبلغه كل حاجة حصلت معاه في اليوم بتاعه..... قاطعه مصطفى بسؤاله الاَخر وقد اعتلى الغضب ملامحه: - طب وانت يا إياد ما بتتصلش انت كمان ولا هو واخد العقاب لوحده؟ - لا يا أنكل انا كبير على اني اتصل بيه كل شوية، زياد واخد العقاب لوحده بس انا ماما مضيقة عليا وبتديني الفون لما بطلبه منها بس وتعرف انا عايزه في ايه! الكلمات العفوية من الطفل جعلت مصطفى يتناسى ما كان يعمل عليه، ليزداد تجهمه بحالة من الشرود في هذا الأمر البغيض بغياب شقيقه عن ابناءه وزوجته، والتي من الواضح أن البرود الذي تدعيه أمامهم، جعله يغفل عن الشعور الحقيقي لامرأة يهجرها زوجها وهو بنفس المدينة معها، حتى لو كانت هذه المرأة هي ميسون، العرق التركي المتأصل بعنجهية متوارثة، تجعلها تتعالى حتى عن إظهار ما يعتمل بصدرها. - زياد. صدرت بقوة جعلته ينتفض مجفلًا ليرى انفجار ميسون هذه المرة على الطبيعة، وقد تخلت عن الواجهة الباردة لتخطو نحوهم بغضب، وتختطف الهاتف من يد ابنها قائلة بتوبيخ متعمد: - انا مش منبهة إن مفيش لعب في الفون غير بمواعيد منظمة مني انا شخصيًا، ولا انت قاصد تكسر تعليمات مامتك؟ ألقت الهاتف بعنف على الاَريكة التي كان جالس عليها مصطفى لتحدجه باتهام مقصود، مما اضطره للرد: - في إيه يا ميسون؟ دول يدوب عشر دقايق اخدهم الولد بس في اللعب، ما انت منعاه بقالك أيام ومحدش اعترض. مقارعته لها باعتراض واضح أمام أبناءها، ارتد بأثره عليها، لتكفهر تعابيرها ويعلو صوتها ولأول مرة بوجهه وبغضب مكبوت: - عشان محدش له حق فيهم قدي، أنا امهم واخاف عليهم من تأثير الحاجات دي، ولا انت متعرفش بخطورة الأجهزة دي على الأطفال ع اللي في سنهم، ولا صحيح انت هتعرف منين؟ قالت الاَخيرة بقصد وضح تأثيره جليًا على وجه مصطفى الذي وجم صامتًا ولجم لسانه عن الرد عليها، فلم تتحمل نور التي كانت تتابع من جهتها، لتجفلها بصيحتها الغاضبة: - مفيش داعي للكلام ده يا ست ميسون، ولادك اهم قدامك، جوزي مقربش منهم، دا هما اللي بيتلزقوا فيه عشان بيحبوه، وهما اللي بيمسكوا حاجته بإرادتهم، ولا يعني عشان هو مبيكسفهومش....... - خلاص يا نور . هدر بها بمقاطعة هو الاَخر لينهي الجدال من أوله، ثم نهض فجأة ململمًا أشياءه في يده، ليغادر المنزل، منسحبًا في هدوء، وتحركت ميسون بدورها ممسكة بولديها نحو مخدع جدتهم؛ المساندة لها على الدوام، فتبقت نور وحدها لتسقط بانهيار جالسة على درجة السلم التي كانت تقف عليها، فهي الأعلم الاَن بجرح حبيبها، وما يعانيه في هذه اللحظة بالذات. ❈❈-❈ ترجلت صبا من حافلة العمل، وفور أن وصلت لداخل المبنى التي تقطن به، توقفت محلها غير قادرة على المواصلة، وقلبها يأكلها من القلق، لهذا الغياب المريب من صديقتها وجارتها، مودة. شيء يحثها على الخروج نحو منزلها في الشارع الاَخر، لتسأل وتطمئن بنفسها، وشيء اَخر، يدفعها نحو التجاهل حتى تظهر لها، فغياب يومًا ليس بالأمر المهم، ولكن غلق الهاتف وعدم الرد على المكالمات يجعلها تعود لنقطة الصفر في تشتت الفكر. زفرت بضيق وهي تلمح الرقم المجهول الذي يطلبها للمرة الخامسة من وقت استقلالها حافلة العمل بعد انتهاء نوبة عملها. همت للتجاهل كالمرات السابقة ولكنها استدركت فجأة مع تذكرها لغياب مودة، لربما تكون هي، استجابت هذه المرة لحدسها وتوقفت قبل أن تضغط على زر مصعد البناية لتجيب باحتراس: - الوو السلام عليكم. - الووو يا صبا اخيرًا رديتي. صدر الصوت المتلهف من الجهة الأخرى لتتنبه كل حواس الأخيرة معها وتسألها بتخوف: - ايه ده معقول! هو انتي اللي بتتصلي يا مودة؟ سمعت الاَخيرة لتجيبها بصوت باكي: - ايوة يا صبا، دا انا اللي جرالي النهاردة يتكتب في الحواديت ، انا بكلمك م المستشفي.... قاطعتها صبا هاتفة بقلق متعاظم: - يا نهار اسود، مستشفى كمان؟ هو انتي إيه اللي حصل معاكي؟ حادثة لا قدر الله ولا إيه بالظبط؟ - هقولك على كل حاجة يا صبا، بس لما تيجي وانا هفهمك كل شيء، ارجوكي يا صبا متتأخريش عني. بحمائية ومروءة ليست بالغريبة عنها، ارتدت صبا للتحرك والخروج من المبنى ، فقالت وهي تشير بيدها نحو سيارة أجرة تقلها: - انا جيالك على طول، جوليلي اسم المستشفى اللي انتي فيها. ❈❈-❈ وإلى أمين الذي أنهى بتلذذ واستمتاع بالطعم؛ اَخر قطعة كانت متبقية من كيك الشكولاتة، ضمن المجموعة التي قد أتى بها في مقر عمله بداخل علبة بلاستيكية نكاية في شقيقه الذي خرج الاَن ليلهو ويمرح مع خطيبته، بعد أن تفنن في كيده مع مجيدة، باتفاق على اخراجه عن شعوره، فكان رده الحازم، أن حرم الأثنان من تذوق حلوى السيدة أنيسة، وبرغبة غريبة بداخله تجعله يشعر في الاستحواذ على كل ما يأتي من المرأة وكأنه يخصه، لا يعلم من أين استمد هذه الفكرة، ولكنها تكبر وتترعرع معه بدون سبب منذ معرفته بها. على خاطره الاَخير، تناول الهاتف ليطلب الرقم الذي حصل عليه مؤخرًا عن طريق معرفه شخصية بأحد الأصدقاء المختص بالآتصالات والشبكات في مجال عملهم، وبفضول استبد به طلب صاحبة الرقم برغبة شريرة في مناكفتها، وكانت المفاجأة ان جاءه الرد على الفور ودون انتظار: - الوو مين معايا؟ ردها كان بعملية بحتة ولكن صوتها الناعم اللعين رغم حدته، جعله يعض بأسنانه على شفته السفلى ليكبح لجام لسانه عن قصفها بتوبيخ قاسي حتى لا ترد على كل من هب ودب. يبدوا ان صمته قد طال ليصله هتافها بنزق: - الوو مين معايا بقول؟..... ما ترد يا بجم،..... ما ترد يا لوح...... هي الرزالة وقلة الأدب بقت هواية ولا إيه؟ دا إيه القرف ده؟. قالت الاَخيرة لتنهي المكالمة بعنف جعله يردد بسخط خلفها: - أهو انتي........ بقى كل دي شتيمة عشان بس واحد طلبك ومردش، امال لو رد ولا عاكسك كنتي عملتي إيه؟ القى الهاتف على سطح مكتبه بإهمال ليغمغم بغيظ: - اه يا ناري لو بس الاقي فرصة وافش غليلي فيها، ماشي يا لينا، ماشي . - أمين باشا ممكن ادخل قالها احد الضباط الصغار ويدعى عصام، مصحوبة بطرق خفيف على باب المكتب المفتوح من الأساس، أوما له سامحًا بالدخول، ليدلف الشاب ملقيًا تحية عادية بدون رسميات، وبادله الاَخر بود معتاد منه، قبل أن يأمره بالجلوس امامه، يتناولان الموضوعات المطروحة في العمل، ومن أبرزها كان ملف مودة، والذي تناوله امين سائلًا بعدم فهم: - مالها يعني البنت دي؟ دي واحدة سارقة يا عصام والجري\مة لابساها من كل جهة، مش بس تصوير الكاميرا. رد الاَخير بحدسه البوليسي: - معرفش ساعتك، بس انا حاسس ان الموضوع في حاجة غريبة مش مفهومة، وكأنها متلفقة رغم ان الق\ضية ثابتة عليها، اصل بصراحة كمان البنت اللي كانت معاها معجبتنيش........ - ليه يعني معجبتكش؟ مالها البنت ؟ سأله أمين باستفهام وكان رد الاَخر حازمًا رغم تشتته: - من الاَخر كدة يا فندم انا حاسس ان في حاجة مش مظبوطة. بدا الاهتمام جليًا على وجه أمين، ليتناول الملف يقلب في أوراقه بتمعن وتركيز، ثم سأله بانتباه: - هي البنت دي قاعدة في اي قسم في المستشفى؟ ❈❈-❈ توقف بالسيارة أمام إحدى الكافيهات المشهورة بالمدينة، ليلتف إليها سائلًا بمرح : - سيدتي الجميلة تسمح تنزل معايا هنا ولا نغير على مكان تاني يناسب جلالتها؟ رددت خلفه ساخرة رغم الدهشة التي اعترتها للوصف المبالغ فيه من وجهة نظرها: - كمان جلالتها! شالله يجبر بخاطرك يارب - أمين يارب. قالها بلهفة ليتابع بخبث امتزج ببهجته: - فاكرة لما قولتيها قبل كدة تحت شجرة النبق، وانتي عاملة نفسك مش واخدة بالك من مشاعري رغم انها كانت بتبوظ من عيوني، وأي عيل صغير يقدر يكشفها لوحده. - تبوظ من عيونك؟ قالتها بعدم مقدرة على كبت ضحكها، ليردف بحماس لم ولن يفتر في شرح ما يشعر به تجاهها: - ايوة يا شهد، انا كان باين عليا اوي على فكرة، لأني بجد اتعلقت بيكي اوي وكنت هموت لو الدنيا فرقتنا من غير ما نرتبط. رغم فرحها بكلماته التي تدغدغ مشاعرها من الأعماق، إلا انها لم تقوى على كبت سؤالها الملح: - ليه يا حسن؟ - ليه إيه؟ - ليه حبتني؟ إيه اللي جذبك في واحدة زي؟ - تقصدي إيه بواحدة زيك؟ صدر سؤاله عن قصد رغم فهمه لما ترمي اليه، ولكنه يريد المزيد من المعرفة عنها، انتابها الحرج في البداية ولكن الفضول القاتل داخلها جعلها تجيب بكل صراحة: - إنت فاهم يا حسن أنا اقصد ايه بكلامي، ولا تكون فاكرني مكنتش واخدة بالي من نفسي ولا الإهمال المقصود في شكلي. - أيوة بقى. تفوه بها وكأنه قد عثر على ما يبتغيه ليسألها مباشرةً - ليه الإهمال المقصود واللبس الرجالي الأوفر؟ انتي قمر يا شهد وانا بشوف ان إهدار حقك في الظهور كبنت، دا ملوش أي لازمة مع واحدة في شخصيتك. لاحت فجأة ابتسامة خفيفية على ثغرها، كبتتها على الفور قبل أن تجيبه: - انت بتتكلم عن شخصيتي اللي انت شايفها دلوقت، لكنك متعرفش شخصيتي القديمة زمان، دلوعة ابوها دي الصورة اللي الناس كانت واخداها عني. - إحكيلي عنها يا شهد. قالها حسن وقد اقترب برأسه منها يتابع بإلحاح: - أنا نفسي اعرف كل حاجة عنك يا شهد، وبتمنى منك تفتحيلي قلبك وتقولي. توقفت أمام رغبته بأعين زائغة، تدور في كل الجهات، نحوه وحوله، بتفكير عميق، قبل أن تحسم أمرها، لترد بالمزاح: - يعني انت عايزانى احكي كدة من اول خروجة وكمان في العربية، طب حتى بل ريقي بكوباية مية الأول . - يا سلام، يعني انتي جيتي في جمل. قالها حسن وهو يترجل من السيارة سريعًا، ثم التف نحو جهتها ليفتح الباب المجاور لها، قائلًا بفعل مسرحي: - ممكن تتفضل سيدتي وتدخل معايا الكافيه المتواضع ده. بخجل شديد انزلت قدميها على الارض الخارجية، لتعقب خلف غلقه للباب: - طب كنت اعملها وانا لابسة فستان، على الأقل كانت لاقت شوية عني وانا نازلة كدة معاك بالبنطلون. اثني ذراعه امامها بحركة مكشوفة لتتأبطه وتتشبث فيه بيدها، فعلت على حرج، ليسير بها نحو وجهتهم ورد على كلماتها: - عمر الأنوثة ما كانت بالفستان ولا الرجولة كانت بالجلبية البلدي ولا البدلة الرجالي، دي حاجة بتبقى طبع في البني ادم نفسه، وانتي خير مثال يا شهودتي، برغم الوش الخشب وكل البهدلة اللي كنت عاملاها في نفسك، إلا اني كشفتك من أول مرة وعرفت انك موزة جامدة كمان. هتفت من خلفه ساخرة، حتى تخفى خجلها : - موزة جامدة كمااان! انا كنت فاكراك طيب وبريء يا حسن. ضحك بصوت عالي يردد خلفها : - طيب وبريء! طب ازاي بس يا شهد؟ دا انا ابن مجيدة. عقبت تقارعه بمشاكسة: - ابن مجيدة، وكمان بتقولها قدامي، طب انا فتانة يا حسن وهنقل لها الكلام ده. ضحك باندماج واضح معها يقول: - قولي يا غالية ، وانا هبلغها اني فعلا انحرفت ولازم بقى تلمني وتجوزني بسرعة، واهو تبقي كسبتي ثواب فيا بالمرة. اكمل بضحكاته فلم تملك أمامها سوى أن تفرغ غيظها به بضربة بقبضة يدها الصغيرة على ساعده، وكان رده بميوعة جعلتها هي الأخرى تضحك: - اه يا دراعي، إيدك تقيلة اوي شهد . ❈❈-❈ بداخل المشفى الحكومي، والذي دلفته صبا على الوصف، لزيارة صديقتها الموجودة به في غرفة وحدها، وبحراسة رجل الأمن والذي وللمفاجأة لها، بمجرد أن أفصحت له عن هويتها ورغبتها في زيارة المريضة، سمح لها بالدخول بدون جدال او حتى مناقشات عادية، لتكتشف حقيقة الوضع بعد رؤيتها لها وسرد ما حدث: - بتقولي ايه؟ - بقولك اللي حصل يا صبا...... بس والله ما كنت اقصد........ بازبهلال خلى من الاندهاش او أي شيء اَخر، تجمدت تطالعها وهذه الموجة من البكاء التي غرقت بها، لتزيد على بؤسها، وتزيد من شعور الغيظ الذي ينمو داخلها نحوها، حتى انفجرت بها: - يعني ايه مكنتيش تقصدي؟ دا انتي بنفسك بتقولي ان الكاميرا صورتك بالحجم الطبيعي وانتي بتحطي الخاتم في جيبك، يبقى ازاي بقى متقصديش؟ ضغطت مودة بقوة على عينيها وهذه السيل من الدموع الذي لا يتوقف لتجيبها: - يا صبا افهميني الله يخليكي، انا الخاتم لقيته ع الأرض، يعني لا دورت في ادراج ولا حتى مديت ايدي في جيب الست، غلطت اني حطيته في جيبي، لكن والله ما كنت اعرف ان قيمته غالية كدة، كنت فاكراه انتيكة ولا تقليد زي اللي بجيبها وبشتريها..... - انتيكة إيه ولا زفت ايه؟ هدرت بها صبا مقاطعة، لتتابع بشدة غير مبالية لحالتها: - دي سرقة يا مودة، ومش سرقة حاجة هينة، لا دا الماظ يا غالية، يعني لو بعتي بيتكم والعمارة اللي انتي ساكنة فيها برضو مش هتجيبي تمنها. ردت مودة بتشدق عن قناعة ترسخت داخلها بوجود الحل: - بس اقدر أجيبه هو نفسه لو هما خرجوني، لأنه أكيد وسط هدومي اللي قلعتها أو حتى اتنتر تحت الدولاب أو السرير، انا بس اخرج وهقلب الاوضة واطلعه ان شاء الله. التوى ثغر صبا بحنق وضيق من سذاجة مودة التي أصبحت ترهقها ذهنيا بالفعل، لتوجه سؤالها لها بسأم: - ودا هيحصل ازاي بقى يا ناصحة، والق\ضية لابساكي لابساكي؟ هتقنعيهم ازاي يعمولها دي ويخرجوكي؟ ولا يكونش فاكرة ان الست صاحبة الخاتم هترضى تتنازل ولا تعمل معاكي صلح، على أمل انك ترجعيلها الخاتم. - لا ما انا عرضت الفكرة ع الست واتحايلت عليها، لكنها مرديتش. قالتها مودة لتصدمها صبا بردها: - ما هو دا الطبيعي على فكرة، مين هيصدق اساسًا واحدة بتقول هروح ادور، دي عاملة زي حين ميسرة كدة. صمتت مودة فجأة لتطالعها بنظرات غير مفهومة، أثارت الريبة بقلب صبا، قبل أن تخرج ما في جعبتها: - بس انا اعرف حل تاني يا صبا، واحد لو اتدخل بتقله مع الست دي، هيخليها ترضى بالصلح. انتظرت صبا باقي الحديث بأعين متسائلة، لتردف لها الأخرى: - صاحب المول اللي مأجرة فيه الست دي محلها، يبقى عدي باشا، مالك الفندق بتاعنا. رغم تفاجئها بالأسم وموقعه في هذا الشيء القاسم في مستقبل صديقتها، إلا أنها ما زالت لم تفهم بعد غرض الأخرى من ذكره، وسألتها مباشرةً: - أيوة يعني ودا هيحلها ازاي؟ دا مش بعيد يطردك لو عرف باللي حصل. - ممكن! دمدمت بها مودة وملامحها ازدادت غموضًا لتبتلع ريقها بتردد وتفكير، قبل أن تحسم امرها قائلة: - صبا انا واقعة في عرضك تساعديني. - اساعدك في إيه؟ والله لو في إيدي مش هتأخر، ولو ستك تسمحلي هدخل البيت واقلبه لحد ما الاَقي الخاتم. قالتها صبا بعفوية ونية صادقة في نجدتها، مما شجع الأخرى على المواصلة - لأ يا صبا، انا مش هطلب منك تدفعي ولا تروحي لستي، لأن انا عارفاها وعارفة طبعها كويس، دي ممكن تعمل فضيحة في العمارة كلها وتجرسني لو عرفت باللي حصل، انا بس هطلب منك تكلمي عدي بيه يخلي الست تتناز....... - أكلم مين؟ هو انتي اتجننتي؟ هتفت بها صبا بمقاطعة حادة وعدم تقبل للفكرة من الأساس، ولكن الأخرى انهارت تستجديها بالبكاء: - يا صبا انا مليش حد غيرك يساعدني في الموضوع ده، ابوس إيدك اقفي معايا، انا مش طالبة منك غير تقولي الحقيقية، يمكن قلبه يحن ويديني فرصة. فاض بها لتمسك بكفيها على جانبي رأسها تردد بعدم تحمل: - الله يخرب بيتك، الله يخربيتك يا شيخة، هو انتي فاكرة اللي بتقوليه ده سهل اوي كدة، ولا انا اساسًا ليا معرفة بيه اوي الراجل ده عشان يقبل وساطتي، ثم تعالي هنا، انتي مش قولتي ان اللي اسمها ميرنا كانت معاكي في المحل بتنقي هدوم هي كمان، ما تغور بقى تكلمه ولا تستعطفه، مش برضوا ليها كلام معاه. بنظرة منكسرة بواقع المغلوب على أمره، خرج صوت مودة بدمدمة متحشرجة بألم: - قولتلها بس هي مارضيتش، وقالتلي كفاية انك ورطتني معاكي وكنت هروح في داهية بسببك، يعني مليش غيرك يا صبا، لو سيبتيني محدش هيلومك، بس انا ساعتها هروح في داهية ومش هلاقي حتى حد يسأل عني، وحتى لو مت في السجن برضو محدش هيحس بيا. زفرت صبا، لتطرد حزمة كثيفة من الهواء مشبعة بمشاعر الحنق والغضب منها ومن هذه الصداقة التي جمعتها بها، وكأنه الحمل الثقيل التي ابتليت به، ومع ذلك لا تقدر على كرهها او حتى منع التأثر بما أصابها، لتردد في الاَخير بيأس وقنوط: - انا كان مالي ومالك بس، دا كان يوم مهبب يوم ما تعرفت عليكي. ❈❈-❈ - لدرجادي كنتي بتحبيه؟ سألها حسن وقد توقف عن تناول الطعام وعن الانتباه لأي شيء آخر دونها، وقد احتلت تركيزه، مع تمعنه بكل تعبير من ملامح وجهها التي كانت متألمة الاَن بتذكرها للماضي الذي حفر الجراح بداخلها، حتى أصبحت ندوبًا يصعب اندمالها، وجاء ردها على سؤاله: - ابويا كان دنيتي الحلوة، بعد ما توفت أمي ولما اتجوز مراته التانية، دايمًا كان بيعوضني ويحسسني اني نمرة واحد عنده، عشان متأثرش بفرحته بأي واحدة اتولدت من اخواتي، فضل يدلعني ويفتخر بيا قدام الناس، لحد ما في يوم وقع وراح مني في غمضة عين، عشان أصحى ع الكابوس الكبير، تعبه وشقاه في تأسيس مكتب المقاولات، مسؤلية اخواتي ووالدتهم معاهم، واحنا ملناش قرايب من طرف ابويا غير في البلد. قاطعها بتخمينه الطبيعي في هذه اللحظة: - عشان كدة نزلتي مكانه ولبستي لبس الرجالة؟ بضحكة خالية من أي مرح عقبت : - ياه يا حسن انت مستعجل أوي، دي كانت اَخر مرحلة على فكرة. قطب باستفهام سائلًا: - ليه بقى؟ هما كانوا مراحل؟ - أينعم . تفوهت بها، لتردف متابعة بالعد على أصابعها: - اول حاجة كانت مرحلة الحزن الشديد واحساس اني هموت من غيره؟ تاني حاجة كانت مرحلة التخبط في دنيا انا مش فاهمة هكمل فيها ازاي؟ تالت حاجة كانت الفوقان بقى. قالت الاَخيرة لتتوقف برهة بملامح اشتدت فجأة، ليردف هو متسائلًا: - فوقان من إيه بالظبط يا شهد؟ ردت ولمحة من القسوة والتصميم اعتلت تعابيرها: - فوقان على الدنيا الصعبة وغدر البشر، الناس اللي كانت محاوطانا من كل جهة وانا فاكرة انهم حبايبنا اللي بيواسونا، اكتشف انهم بيعملوا لمصلحتهم، وبيقسموا الورثة، لا وكمان جايبين اللي يشتري المكتب والمقاولات، حتى الشقة اللي احنا قاعدين فيها. - دول كانوا من أهل مرات ابوكي صح؟ قالها حسن بفراسة وذهن صاحي، وكان ردها بإماءة برأسها لتردف: - كانوا فاكرينها ميغة، ياخدوا بنتهم بالعيال وانا بقى اشوف نصيبي واتجوز بابن الحلال اللي يشيل..... ضغطت في الاَخيرة لتكظم غضبها، متذكرة ابن الحلال المقصود هذا....... ثم ما لبث أن تمالكت لتكمل: - ساعتها قلبت الطرابيزة على راس الكل ووقفت وقولت اللي لو شبر في ملك ابويا، يجي ويدب رجله فيه. - برافو يا شهد. قالها حسن بنبرة قوية امتزجت بالفخر، وجاء ردها بسخرية: - برافو على ايه يا عم؟ دا انا طلع عيني اول ما دخلت الكار الزفت ده، دا غير ان الكل كانوا بيستهزئوا بيا ومفتكريني لقمة طرية عشان بنت، وياما اتضحك عليا لدرجة اني كرهت نفسي وكنت هحلق شعري واعمل راجل بحق، عشان اغير صورتي قدام العمال وأصحاب العمل ويحترموني، لكن ابو ليلة ربنا يخليه كان معايا خطوة بخطوة، هو اللي وقف جمبي، وكان سندي وسط الديابة والكار الصعب ده، اكيد يا بشمهندس انت على علم بالبلاوي الزرقا اللي فيه. تناول كف يدها التي كانت باردة في هذا الوقت، لينقل دفئه إليها، وطبع قبلة تفخيم واجلال لها قائلًا: - اللي انا عارفه كويس دلوقتي يا شهد، هو اني بحبك، وربنا يقدرني أعوضك عن كل سنين الشقا اللي شوفتيها في حياتك، وبكرة الأيام تثبتلك إني سندك. ❈❈-❈ ظلت ساهرة محلها في الشرفة تنتظره بقلق يعصف بها ، وبرغم التأخير والبرودة التي اشتدت قسوتها في الليل، لفت جسدها بشال من الصوف وثبتت محلها دون كلل أو ملل حتى وصل والساعة تقترب من الثانية والنصف، بقلب متلهف تلقفته بالعناق فور دلوفه الغرفة مهونة بالكلمات: - الف حمد الله على سلامتك يا حبيبي، انا كنت هموت من القلق عليك. نزع يديها عن عنقه قائلًا بجمود: - ليه يعني؟ ما انا كل يوم بتأخر، ايه اللي جد؟ تلبكت باضطراب، وخرج صوتها بتلعثم: - اا أنا قصدي يعني عشان........ الكلام اللي قالته مي...سون. - قصدك يعني لما عايرتني بعدم الخلفة. باغتها بالرد، لتنتبه هي لهذه القسوة التي غلفت ملامحه، بواجهة ثلجية يحدثها وقد اختفى الدفء بعينيه الذي كان يحاوطها في كل نظرة منه لها، ابتلعت غصتها مقدرة حالته، لتسحبه من ذراعه قائلة بتهوين: - معلش يا حبيبي اعذرها، هي برضوا فراق عدي عنها مأثر فيها ومخليها زي القطة اللي عايزة تهبش في أي حد يقرب منها ومن ولادها. أجلسته على الاَريكة الاَثيرة، لتجلس بجواره متغاضية عن النظرات الحادة التي كان يحدجها بها، مرجعة السبب لغضبه من ميسون قبل أن يفاجئها بقوله: - طب هي واديها عذرها، انما انتي يا نور إيه عذرك؟ رفرفرت بأهدابها تستوعب وتعيد برأسها، معتقدة أنها سمعت خطأ، حتى سألته بعدم تصديق: - أنا إيه يا حبيبي؟ انا نور حبيبتك. مال بجسده نحوها، يخترق بسهام عينيه خاصتيها، وكأنه يصل بكل سهولة إلى اغوارها، وما تخبئه بهذا البئر العميق داخلها، فخرج صوته بخواء: - انتي فعلًا حبيبتي، بس بتعملي إيه عشان ترضيني؟ بتطبطبي، بتدلعي، بتحسسيني بحبك وخوفك عليا، تمام، لكن في المقابل بقى، بتحاولي مثلا تتخطي ولا تخرجي الصندوق الأسود اللي حفظاه جواكي، والمسبب الرئيسي لكل المشاكل اللي احنا فيها؟ لا يا نور، انتي لما تتزنقي بتاخدي الطريق السهل، وتقوليلي اتجوز وخلف ، وكأن انا راجل متاح كدة لأي واحدة تخش حياتي اتجوزها واخلف منها على طول، طب مفكرتيش الست دي لو جمعتني بيها مشاعر، ولا افرضي مجمعتش، ومرت كدة في حياتي، الطفل أو الطفلة، هربيهم ازاي من غير امهم؟ ولا اسيب امهم في حياتي بدون محل للأعراب؟....... توقف برهة يراقب الدموع التي تدفقت على وجنتيها، ليردف اخيرًا وهو ينهض بما يزيد على ألمها: - إنتي مش حاسة بيا يا نور. ❈❈-❈ في اليوم التالي وفي مقر عملها، بعد أن ذهبت إلى قسم النظافة، وبررت غياب مودة بحجة مرض شديد الزمها البقاء في منزلها، حتى لا يضيع عملها، بتمسك واهي لمستقبل على وشك الضياع هو الاَخر. كانت صبا على حالة من الشرود منذ الأمس، تعصف بها حيرة قاتلة، لا تدري ماذا تفعل؟ اتذهب لهذا الرجل تطلب منه المساعدة في واقعة مؤسفة كهذه؟ أم تتجاهل الرجاء والبكاء وتتركها لنصيبها، ولكن كيف؟ حتى وهي مخطئة بغباءها، لكنها الأعلم بهذا العيب الخطير بها، ف السبب الرئيسي هو الحرمان الشديد والظروف القاسية التي نشأت عليها، حتى وان كان هذا ليس بالمبرر، ولكن المحك الرئيسي الاَن هو مستقبلها، بدخول السجن سيضيع مستقبلها، وقد تركت الأمر بيدها في انقاذ مستقبلها، طردت من صدرها تنهيدة مثقلة ومشبعة بهم كانت هي في غنا عنه، ولكنها ورغم ذلك لا تجد خلاص منه. - مالك يا صبا؟ سألها شادي بقلق لحالها ارتد عليه، وقد توقف عن العمل متذ فترة طويلة، مركزًا انتباهه عليها، فهيئتها لا تقترب أبدًا من المعتاد منها، فجاء ردها باضطراب: - لااا مفيش حاجة، متشغلش نفسك انت. بإنكارها المتعمد ازداد تجهمه ليعاود السؤال مرددًا بعصبية هذه المرة: - إزاي يعني مخدتش في بالي؟ انتي شكلك بيقول ان في مصيبة حصلت. نفت بهز رأسها، وقبل أن تتفوه بكلمة سبقها بتخمينه: - هو ابوكي فاتحك تاني في موضوع الجواز من ابن عمك؟ فاجئها بقوله لتزبهل لبعض الوقت، باضطراب واضح عن رد مفيد له، فتابع بانفعال أكثر: - ما تردي يا صبا، انتي ساكتة ليه؟ - طب يعني عايز ارد اجولك ايه؟ اهو موضوع وخلاص شاغل بالي، لازم تعرفه؟! خرجت منها بعصبية لم تحسبها حسابها، فالتحقيق معها الاَن كان آخر ما ينقصها، مع وجع الرأس الذي يفتك بها من التفكير، ولم تدري بخطئها سوى بعد رؤية تأثير كلماتها عليه، وقد تبدلت ملامح وجهه، ليرمقها بنظرة لم ولن تنساها أبدًا قبل أن يتنحى عن جهتها، موجهًا انظاره نحو الحاسوب الذي يعمل عليه بصمت مهيب، جعلها تتراجع على الفور قائلة: - أنا أسفة والله مش جصدي بس..... قاطعها بحدة ضاربًا بكفه على سطح المكتب. - أنتي حرة......... كان يصلها صوت أنفاسه الهادرة وإظلام وجهه كان خير دليل، ليثبت لها خطئها في حقه، ابتعلت لتحاول مرة أخرى على استحياء: - يا مستر انا....... أوقفها هذه المرة ملوحًا بكفه أمامه لتصمت وتبتلع الباقي داخل جوفها، وبنظرة نارية مشتعلة بحالة الغضب الذي كان ينضح منها، أنتبهت أيضًا على الألم الذي رأته به، لينهض فجأة منهيًا الحديث متناولًا أحد الملفات التي يعمل بها، وخرج دون استئذان ليتركها محلها، ينتفض جسدها تأثرًا بما حدث، ليس خوفًا منه، ولكن كان شيئًا اَخر لا تعلم له أسم، شيئًا حفر بقلبها وجعًا، شيئًا جعل الدموع العزيزة من عينيها الجميلة تسقط. ❈❈-❈ - تحبي نروح فين يا هانم؟ سألها العم كريم سائقها المخصوص، بعد أن تنازلت اليوم لتخرج بصحبته وبصحبة الحارس المكلف بها، وقد يأست من تغيرهم في نفس اليوم من قبل كارم، فاضطرت على مضص أن تقبل مرافقتهم حتى يأتي لها بمن هم أكفأ على حسب قوله، ردت باستعلاء تقصده: - روح ع النادي بتاع العيلة ولو طقت في دماغي اغير السكة هقولك. قالتها والتفت نحو النافذة موجهة انظارها نحو الطريق، علها تزيح عن رأسها بعض التوتر الذي اصبح ينتابها بحضور هذان الرجلين، تلهي نفسها بتصفح الصفحات المنافسة، واخبار التريندات الجديدة على وسائل التواصل الإجتماعي، النظارة السوداء على عينيها لم تخلعها، متعمدة الظهور بمظهر القوة أمامهم، حتى لا يظن أحدهم أنها تخشى شيء، ولكن كان هذا ظنها، قبل أن تصلها رسالة هذا المجهول مرة أخرى: - " كدة برضوا للمرة التانية بتلبسي الطقم الضيق ده، طب أنا مش منبه عليكي ان البلوزة ضيقة اووي، وانا أعصابي من ساعة ما شوفتك بقت سايبة اوووووووي". - يا ولا ال...... تفوهت بها بغيظ تحدج الأثنان من ظهروهم بنظرات نارية، لتصرخ فجأة بعدم احتمال: - وقف العربية بسرعة، وقف العربية بسرعة إنت وهو ، اقف بقولك. - نعم يا هانم في إيه؟ قالها السائق، ليضيف الحارس أيضًا: - في حاجة يا رباب هانم؟ صرخت بشراسة بالإثنان ضاربة بقدمها المقعد المقابل لها: - في ولا مفيش، ملكش دعوة، اقف انت كمان، مش عايزة اشوف خلقة أي حد فيكم ، اقف بقولك. توقف السائق صاغرًا لأمرها في وسط الطريق، فترجلت بسرعة تأمره للخروج من محله كما لوحت بيدها للاَخر، لتتولى القيادة بنفسها، قائلة بتهديد: - أنا هقول لكارم يتصرف معاكم إنتوا الاتنين، وديني لخليه يربيكم. قالتها وانطلقت بالسيارة ليضرب السائق كفًا بالاَخر مدمدمُا: - لا حول ولا قوة الا بالله، هي الست دي جرا في عقلها ايه بس؟ ولا هي ناقصة يعني دلع نسوان كمان ع الصبح. ضحك حامد يردد له: - أديك قولت بنفسك دلع نسوان، تلاقيها عايزة تعمل نمرة على جوزها، تجر من وراها فايدة. عقب السائق وهو يخرج هاتفه: - انا هتصل بكارم بيه، يشوف صرفة معاها. تحرك حامد يلوح لسيارة أجرة أن تقف له، قائلًا: - وانا هروح له الشركة بنفسي، مش ناقص انا تحميل مسؤلية، الست هي اللي طردتنا، ايه ذنبنا إحنا؟ وبداخل السيارة ضغطت رباب تقود بالسرعة الفائقة، فغضبها كان قد وصل لاَخره، وطاقتها قد نفذت، فلم تعد لديها قدرة على التحمل، حتى حينما اتصل بيها كارم وقد خمنت بذكائها ان أحد الملعونين قد أبلغه بأمرها، تجاهلت عن عمد لتغلق الهاتف بوجهه، وبوجه الحقير الذي يرسل لها الرسائل، وقد احتل عقلها التمرد، غيرت طريقها عن النادي الذي كانت تقصده، متجهة لناحية أخرى، علها تجد الس\كينة بصحبة من فارقوها، لتغمغم بغل: - وانت بقى يا كارم خليك كدة، دوق شوية من القلق، يمكن تحس. ❈❈-❈ خرجت صبا تبحث بعينيها عنه، في جميع الأرجاء حولها، فقد طال انتظارها له، وزاد القلق الذي ينهش قلبها، ذهبت في الأماكن المعروف تواجده بها الاَن، كمطبخ الفندق مثلًا ليجمع البيانات المطلوبة، كما عادت الكرة لقسم النظافة وغيرها من الأماكن ولكن لم تصل لشيء، وقد أكد لها الجميع عدم حضوره اليوم من الأساس، ليزيد صداع رأسها، بشعور الذنب أيضًا، وهي التي لم تنتهي بعد من موضوع مودة والمشكلة التي تطوق رقبتها بها، شعور بالاختناق، يحجب عن صدرها الهواء، وهذا الحمل الثقيل لا تجد منه مهرب. تنهيدة متعبة صدرت منها حينما وقعت عينيها على غرفة هذا الرجل مالك الفندق، ماذا ستفعل؟ وبماذا تخبره؟ عقلها توقف على الإطلاق، حتى تحركت يدها على غير إرداتها وبجرأة لم تتخيل أن تصدر منها قبل ذلك، في الاتصال برقم رجل غير أباها واخوتها الرجال، بقلب وجل كانت تنتظر الرد حتى انتهت نغمة الاتصال دون رد، همت لتعاود الكرة لتفاجأ هذه المرة بإغلاق الهاتف. أغمضت عينيها لتفتحهم على وسعهم بعد ذلك وقد حسمت أمرها، فلا داعي للإنتظار أكثر من ذلك في أمر منهي، وهي تعرف من البداية انه لا مناص من التهرب أو التأجيل. سحبت شهيقًا طويلًا حتى تتمالك وتفكر بعقلانية في خطاب هذا الرجل، سارت ببعض الثقة وقد أجمعت أمرها أن نيتها الأساسية هي المساعدة في فك كرب صديقتها، ومن قصد الخير ف الله المستعان في توفيقه . .... الفصل السابع والعشرون على مقعد له وحده جلس خلف السور الحديدي لشاطئ النيل، بعد أن تعب من سير طويل دون تحديد وجهة له، من وقت أن تركها وترك العمل بعدم تحمل وهو على هذه الحالة من الوجوم والشرود، يلوم نفسه، لا يلومها، فتصرفها كان طبيعيًا لتدخله في شأن خاص بها، بعصبية وانفعال جعل مخزون اللطف لديها نحوه ينفذ لتضع الحد الفاصل حتى يعود لصوابه، وقد بدا أنه نسي نفسه ونسي الفارق الذي يمنعه من التقرب، هو المتعوس المبتلى بالمسؤولية من وقت بلوغه، وهي الصغيرة الجميلة التي لم ترى من هموم الدنيا سوى شجار الرجال من ابناء عمومتها للفوز بها، وإصرار أبيها على العودة إلى القرية التي تكرهها وتكره أن تكون نسخة مكررة من أخواتها. زفرة متعبة اخرج بها كتلة كثيفة من الهواء من صدره، وعينيه اتجهت نحو المياه الزرقاء الراكدة بهدوء، يتمنى أن يجد الس\كينة ليستريح، لقد تشعب هذا الوباء الخطير بقلبه حتى جعله لا يرى من النساء غيرها، رغم كل التحذيرات التي يتخذها على نفسه، لا هو بقادر على المضي قدمًا بحياته واختيار امرأة أخرى تشاركه رحلته، ولا هو يملك الجرأة لاقتحام حصونها، لو كان الأمر مرتكزًا على المواجهة مع أبيها فقط، لاستطاع التحدي بكل قوة للدفاع عن حقه بها، وحقها في الحياة باختيار الشريك المناسب لها، هذا لو كان مناسبًا، فهو الأعلم أنه أبعد ما يكون عن هذه الصفة، حتى وقلبه يحدثه أحيانًا بوجود مشاعر تطل من عينيها نحوه، فتجعله ينتشي بسعادة وقتية قبل أن يستعيد عقله، مذكرًا نفسه، أنها مجرد خيالات يرسمها من الا شيء، حتى لا يصدم بواقع يخشاه كالذي حدث صباح اليوم، نزل بعينيه نحو الهاتف الذي يمسكه بيده، وقد فتحه بعد غلقه، علّها تعاود الكرة والاتصال به، هذه المرة سوف يرد حتى وهو يعلم انها تتصل بدافع بعيدًا تمامًا عما يتمناه، ترى هي الاَن ماذا تفعل في غيابه؟ أتكون حزينة لحزنه ام أنها تتابع عمل رئيسها الذي اهمله برعونته؟ يا لهذا العذاب الذي لا ينتهي، ارتفعت عينيه للسماء برجاء مدمدمًا لرب الكون علّه يجد الخلاص: - يارب، يااارب. ❈❈-❈ - إدخلي يا صبا. قالها عدي بلهجة تبدوا طبيعية ولكنها تخفي من وراءها، سعادة ممتزجة ببهجة لا مثيل لها، لا يصدق أنه نجح هذه المرة لتأتي إليه بقدميها، رغم عدم استحسانه لهذا الأسلوب الرخيص في البداية، إلا أن النتيجة تستحق، هذه العنيدة المتمردة تدخل إليه الاَن، طالبة المساعدة وهو لن يتأخر معها، يتابعها بعينيه وهي تخطو بتردد، ويجاهد بكل قوة حتى لا تخونه تعابير وجهه، جميلة وبهية لدرجة تحبس الأنفاس بالصدر، فتجعل رؤياها قبلة للنظر. توقفت فجأة وقبل أن تصل للمكتب على وسط السجادة التي تغطي الأرضية، لتجعله يجفل بخوف أن تغير رأيها وتعود أدراجها، فقال مشجعًا: - نعم يا صبا، كنتي عايزاني في إيه بقى؟ همت لتتكلم، ولكنه سبق بقوله: - طب اتفضلي اقعدي الأول وبعدها اتكلمي، انتي مش هتاخدي اوامرك مني وتمشي، دا انتي طالبة رؤيتي في طلب على حسب كلامك ولا إيه؟ اومأت برأسها صامتة وتقدمت تقطع الخطوتين لتجلس أمامه خلف المكتب، فعاد بجسده للخلف يبادرها بالحديث حتى يسهل عليها المهمة: - اتفضلي يا ستي، انا سامعك كويس اهو رفعت عينيها الجميلة إليه بتشتت في اختيار بداية مناسبة للحديث، وهو يتابعها بوله صامتًا، حتى همست قائلة: - يا فندم انا طالبة حضرتك في أمر... يخص واحدة صاحبتي - صاحبتك مين يا صبا؟ اتكلمي انا سامعك، ولا اقولك ثواني لحظة. انتظرت لتجده يتصل بأحدهم قائلًا: - ايوة يا بني، اتنين عصير لو سمحت، تحبي تشربي إيه يا صبا؟ قال الأخيرة بسؤال مباشر لها، وكان ردها باعتراض واضح: - لا ما انا مش عايزة اشرب حاجة. تجاهل حدتها وتابع لمحدثه في الهاتف: - هات اتنين لمون. - بس انا حضرتك قولت مش عايزة. انهى المكالمة ليرد بحزم: - وانا مطلبتش غدا، دا مجرد عصير يا صبا. ادهشها هذا الهدوء المبالغ فيه، وهذه الأريحية في خطابها، قبل حتى أن يعرف السبب الحقيقي لقدومها، وكأنه شخص عادي ومتفرغ، لديه من الوقت ليستضيف موظفيه ويطلب العصائر لهم أيضًا. - ها يا صبا، كنتي عايزاني في إيه بقى؟ سألها لتستفيق من شرودها متذكرة أمرها الجلل، فخرجت إجابتها هذه المرة بشكل مباشر ودون مماطلة، حتى تنهي هذه الزيارة: - حضرتك انا كنت طلباك في أمر مودة. رد مستهبلًا يدعي عدم المعرفة: - مودة دي اللي البنت بتاعة النظافة صاحبتك، مالها بقى؟ اشاحت عينيها عنه بحرج، تلعن الأخيرة لتسببها في هذا الوضع المخزي الذي وضعتها به، فخرج صوتها بصعوبة تجيبه: - بصراحة انا مش عارفة اقولهالك ازاي بس هو أصل...... توقفت تبحث عن كلمات فتابع يحفزها وعينيه تنهل عن قرب من جمالها، فلا يفصله عنها سوى مسافة المكتب: - قولي يا صبا متتكسفيش، لو صاحبتك عايزة أجازة مرضية ولا سلفة انا على استعداد... - لأ هي مش عايزة سلفة ولا أجازة مرضبة..... قالتها سريعًا لتبتلع ريقها قبل أن تتابع وهي تنهج بانفعال: - حضرتك مودة طالبة مساعدة مختلفة خالص، وانت ممكن ترفض عادي على فكرة، دا شيء انا متوقعاه، بس انا جيتلك بناءًا عن رغبتها. تقلصت تعابير وجه ليبدوا أمامها مفكرًا بحيرة قبل أن يسألها: - صبا جيبي م الاَخر، بجد أنا مش فاهم حاجة. عاد بها لنفس النقطة التي تجعلها تكره مودة وتكره اليوم الذي عرفتها به، ظهر الإضطراب على قسماتها، ورأسها مطرق نحو الأرض بضيق وانزعاج، فقال ملطفًا ليخفف عنها: - ليه التفكير الكتير ده يا صبا، قولي عن مشكلة صاحبتك وانا مستعد للمساعدة مهما كان الأمر، كفاية انها من جهتك. قال الاَخيرة لترفع عينيها إليه غير مستسيغة الجملة، مما جعل الرد هذه المرة يكون بسؤال: - صحيح هو انت ازاي حضرتك مش عارف بالمشكلة وهي تمت في المول بتاعك؟ ببراعة اخفى ارتباكه، ليرد بلهجة عادية قاربت الإقناع: - المول دا مجرد رقم في أملاك العيلة يا صبا، وانا راجل بدير مية حاجة تانية معاه، يعني مش بتابعه يومي زي الفندق مثلا عشان اعرف كل اللي بيحصل فيه، المهم دلوقتي بقى، ايه المشكلة اللي عملتها صاحبتك في المول بتاعي؟ عبارته الاخيرة كانت مستفزة لتجعلها ترد على الفور: - صاحبتي معملتش مشكلة في المول، دي هي اللي اتحطت فيها بغباءها، م الاَخر كدة هي كانت بتشتري فستان من محل هناك، وعلى حسب كلامها يعني، هي لقت خاتم مكنتش تعرف بقيمته، حطيته في جيبها ، وتاني يوم الست صاحبة المحل بلغت عنها. - يعني هي سرقته يا صبا. قالها بلهجة ماكرة منتبهًا لهذا التجهم الذي غطى معالم وجهها لترد بقوة: - ممكن يكون هو كدة زي ما انت بتقول، بس المهم بقى في الموضوع، هو أنها عايزة ترجعه ومش عارفة لانها مسجونة طبعًا، ودا اللي هي قصداك فيه، انك لو تقبل يعني، تستخدم نفوذك أو علاقتك مع الست وتخليها تخرجها، عشان تروح بيتها وتدور على الخاتم بنفسها. انشق ثغره فجأة بابتسامة أثارت توجسها، قبل أن يفصح لها قائلًا: - صاحبتك دي جريئة اوي يا صبا، يعني تسرق وعايزاني أنا صاحب المول كمان اتدخل لها. إلى هنا وقد فاض بها، نهضت تفاجئه برد فعلها قائلة: - تمام يا عدي باشا، انا كدة عملت اللي عليا، وع العموم صاحبتي كان طلبها منك انساني مش جراءة ولا حاجة، لكن طبعًا انت معاك حق، عن إذنك..... - استني هنا..... هدر بالاَخيرة ليوقفها قبل أن تغادر نهائيًا، فهذه المجنونة كادت أن تضيع فرصته بفعلها، ونهض منفعلًا ليلتف حول المكتب فيقابلها بقوله: - إنت ماشية كدة على طول، هو انا لسة اديت رأيي؟ وترها هذا القرب وهذه النظرات التي لا تريحها منه، ولكنها تغاضت لترد بعزة من شيم شخصيتها المعروفة: - سعادتك انا عارفة من الأول ان الموضوع صعب، وأدخلت فيه مضطرة تحت إلحاح مودة وخوفي على مستقبلها، ولتاني مرة بقولك، أنت لك حرية الأختيار ، في أنك تقبل أو ترفض، المهم ان انا عملت إللي عليا. أنهت جملتها ونزلت بعينيها على الأرض، متكتفة الزراعين في انتظار قراره، ولا تعلم أنه قد سرح في ملامحها، بعد أن تقلصت المسافة بينهم، لتزيده انبهارًا بها، مميزة وفريدة في كل شيء، ليته قابلها منذ زمن. حينما طال شروده رفعت عينيها إليه بتساؤل جعله يتحمحم مستجمعًا نفسه ليرد برسمية لا تخلو من المماطلة: - خلاص يا صبا، انا هبحث الموضوع ده بنفسي واشوف اتصرف فيه ازاي؟ اومأت برأسها لتخرج تنهيدة مثقلة، وكأنها أزاحت همًا من صدرها، لتستأذن خارجة، فتتركه يراقب سيرها حتى خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها، فاستطاع التحرك اخيرًا، ليجلس على حافة مكتبه بانشداه ظل ملازمه لعدة لحظات، وهو يعيد برأسه اللقاء من أوله، ليردد بعد ذلك بذهول مع ابتسامة ارتسمت على ملامحه: - دي حتى مدتنيش فرصة عشان اشد ولا ارخي، يا نهار أبيض، قال وانا اللي كنت راسم وحاطط خطط. ❈❈-❈ توقفت بسيارتها في مكان قريب من المدافن، لتكمل الباقي سيرًا على أقدامها، حتى وصلت للجزء المخصص لمقابر العائلة، طربت أسماعها بالصوت الملائكي الذي كان يصدح بترتل أيات القرآن الكريم وكانت المفاجأة حينما علمت بهوية القارئ الذي كان جالسًا بالقرب من قبر أبيه يتلو اَخر ألأيات من سورة ألرحمن، فظلت واقفة محلها تتابعه بقلب يخفق بقوة تقارب القفزات في صدرها، لا تصدق أن شقيقها الصغير كبر وتغير في هذه السنوات القلائل التي غابتها عنه ليصبح بهذه الصورة الرائعة وهذه النضج الأخلاقي والديني ايضًا، لقد اضحى شخصًا اخر رغم سنوات عمره الصغيرة يسر العين ويسعد القلب. يبدوا أنه قد شعر بها، وذلك لالتفاف رأسه نحوها فور انتهائه من القراءة، فكانت فرصتها لتهجم عليه بشوقها وفرحها، تعانقه بذراعيها وتقبله على وجنتيه مرددة: - ميدو يا روح قلبي، بسم الله ما شاء الله عليك، ايه الجمال ده، ربنا يحفظك يا حبيبي، ربنا يحفظك حينما انتبهت اخيرًا على جموده، وقد كان كالتمثال يطالعها متوسع العينين بجزع، فابتعدت بإجفال تسأله: - إيه يا قلبي، هو انت هتعمل زي المرة اللي فاتت ولا إيه؟ مش معقول كمان تكون المرة دي معرفتنيش. رده خرج بفظاظة لم يقصدها: - لا يا رباب عرفتك، بس للأسف بعد ما اتخضيت في البداية من هيئة الست الغريبة اللي هجمت عليا تحضني وتبوسني ابتلعت ريقها بحرج تستنكر قوله باستهجان: - يااه ست غريبة كمان! مش لدرجادي يعني، انا اه اتغيرت، بس انت أكيد عارفني يا ميدو ، لو مش بشكلي ولا حتى صوتي، يبقى ع الأقل تعرفني بشهرتي، ولا انت هتنكر دي؟ نهض فجأة ليحدثها من مستوى طوله المقارب لطولها الاَن: - لا يا رباب مش هنكر انك مشهورة حسب ما بسمع، بس بصراحة أنا مش متابع حساباتك، لأن المحتوى اللي فيها لا هو هادف عشان يعجبني، ولا حتى هينفعني في دراستي، يبقى اضطر اتابعه ليه؟ - هو صغير ولا يعلم بتأثير كلماته الحادة عليها. هذا ما كانت تردده بداخلها لتعطيه المبرر لتسامحه، شقيقها الصغير الذي تربى على يديها، يقرعها بكلمات قاسية والاَن يزيد عليها بنظرات غير مريحة تشمل ملابسها حتى ما ترتديه في قدميها في الأسفل، ليفاجئها بقوله: - ايه اللي انتي لابساه وجاية بيه دا يا رباب؟ بتعالي مقصود سألته: - وماله بقى لبسي؟ ما هو دا استايلي اللي مشهورة بيه، ما انت لو متابع هتعرف. - ومش عايز اعرف؟ قالها بحدة وأعين مشتعلة متابعَا: - يا ست يا مشهورة، إستيالك ده ع الشاشة، مش ع الأرض، وفي حتة طاهرة زي دي، طب قدري حتى رهبة المكان، جيالي ببنطلون تحت الركبة، وبلوزة محددة معالم....... استغفر الله العظيم يارب. - تمتم بالاَخيرة يتنحى بوجهه عنها ليزيد على حزنها، فردت بأعين دامعة: - على فكرة انت اخويا الصغير، وانا اللي مربياك مش انت اللي مربيني. تجعد وجهه بامتعاض وتهكم واضح لجملتها، فهتفت بدافعية: - ويكون في علمك بقى، انا جيت على غفلة من غير تحضير، حسيت نفسي مخنوقة وسوقت عربيتي على هنا، يعني مكنش عندي وقت افكر في اللي لابساه. عاد برأسه إليها وملامح وجهه ما زالت معقدة ليردف في حنق: - انتي حرة يا رباب، يعني انا ما ليش حق احاسبك . دنى ليتناول حقيبة مدرسته، فتح السحاب ليضع المصحف الشريف بداخلها، قبل أن يغلقها ويعلقها خلف ظهره قائلًا اَخيرًا: - ارجو منك بس المرة الجاية تديني تنبيه وانتي جاية تسلمي، على ما اتعود ع الشكل الجديد يعني. تحرك خطوتين ثم التف برأسهِ نحوها قائلًا: - حاجة اَخيرة أحب افكرك بيها للمرة الثانية، انا أسمي محمد، معدتش ينفع معايا دلع ميدو، عن اذنك. ختم بالاَخيرة ليغادر نهائيًا، وتسقط هي على عقبيها منهارة بالبكاء بجوار قبر والدتها، وحيدة، منبوزة، لا تجد أحد بجوارها يؤازرها بقلب المحب في محنتها، إلى من تلجأ؟ وقد ضيعت نفسها، بعد ان استبدلت دفأ الأسرة بمال وعشق مزيف، هانت عليها نفسها، فهانت في أعين الجميع . ❈❈-❈ بوجه ناعس، خرج من غرفته يبحث عن والدته بعد أن استيقظ قرب العصر، وقد قرص الجوع معدته، ويريد سد حاجته بأي لقيمة من الطعام، وصله صوتها من داخل غرفة المعيشة، ليحدد وجهته نحوها، تلتقط أسماعه ما تتفوه به: - حلو اوي الطقم الفوشيا يا حسن، اشتريه يا حبيبي، مهيمكش من اعتراضها........ وهي عايز تجيب إيه؟........ لا لا يا حسن، بلاش الالوان الكاتمة والغامقة، متطاوعهاش على جنانها. دلف إليها متعقد الحاجبين باندهاش، ليجلس بالقرب منها بوجه متسائل رغم أثر النوم عليه، يدلك بكفه على خلف عنقه، تجاهلته مجيدة عن عمد لتتابع مكالمتها باهتمام: - أيوة يا روح قلبي، وهاتلها كمان فساتين، البت المجنونة دي، جسمها مظبوط وبيليق عليه.... - جسمها! خرجت من أمين باندهاش، لتحدجه مجيدة بشراسة، تبرق عينيها نحوه بتحذير، بعد أن التقط هفوتها، ليعقب متهكمًا: - وانا مالي يا ست، ما تنقي انتي كلامك الله. زفرت بقنوط لتنهي المكالمة على عجالة حتى تفرغ له: - تمام يا حسن، أي جديد بلغني وابعتلي الصور ع الوتساب، اعتبرني ماشية معاكم في السوق....... إيه الحاجات التانية دي ال......؟ قطعت لتطلق ضحكة رنانة أثارت اهتمام أمين ليتيقن من حدسه بعد قولها: - مش دلوقتي يا منيل اصبر شوية، للبت تكش منك، دا احنا مصدقنا انها فكت شوية... ختمت بضحكة قبل أن تلتفت نحو الاَخر، فوجدته يرمقها باستنكار رافعًا طرف شفته، غارزًا سبابته في وسط وجنته، كادت هيئته أن تضحكها، ولكنها تماسكت لتخاطبه بجدية: - نعم يا حليوة، وشك مقلوب كدة ليه؟ بغيظ شديد كان يصدر مع كل حرف يتفوه به، رد يجيبها: - على فكرة بقى، أنا صاحي أوي ووصلني الجزء الأخير من المكالمة، قولي لابنك السافل قليل الأدب يلم نفسه، دا احنا لسة ملبسناش دبل، أمال لما نكتب الكتاب هيحصل إيه؟ اللي كنا فاكرينه مؤدب وبيتكسف، طلع مية من تحت تبن. كبحت طيف ابتسامة عابثة كادت أن تفضحها لتتخصر قائلة بمقارعة: - اسم الله يا حبيبي واقوله ليه بقى يلم نفسه؟ ما هو قاري فاتحة، وكدة كدة هنلبس دبل الأسبوع اللي جاي، ووعد عليا يا حسن لاكون كاتبة كتابك في أسرع وقت، ثم كمان يعني الشقاوة مطلوبة بين كل اتنين مخطوبين، عشان ياخدوا على بعض وكدة. ردد صائحًا خلفها باستهجان: - ايه؟ ياخدوا على بعض من دلوقتي! في إيه يا ست الناظرة، دا انتي كنتي شديدة زمان، ليه بقى جايا ترخي دلوقتي وابنك في سن خطر والوضع ميسمحش. هذه المرة لم تقوي على الكبت أكثر من ذلك، لتضحك ملء فمها مرددة له: - لأ يا حبيبي يسمح، مش هيتجوز ويخلصني من مسؤليته، يبقى يعمل اللي هو عايزه، قال يسمح قال. قالت الأخيرة لتنهض مكتفية بهذه الجرعة، وقد اعتلى الحنق قسماته، لتتمتم ببرائة تدعيها: - ها عقبال يارب كل اتنين بيحبوا بعض. تحركت خطوة لتلتف إليه سائلة: - أحضرلك غدا يا أمين؟ اكيد يا حبيبي جعان، امال يعني قايم كدة بخلقتك المقلوبة دي ليه؟ اكتفى بالصمت مضيقًا عينيه، وزفير سخطه يخرج الدخان من إذنيه وفتحتي منخاريه. ادعت التغافل لتكمل في الخروج مرددة: - هروح احضر غدا، بس انت افرد وشك شوية. وصلت لنصف المسافة لتعود إليه مرة أخرى قائلة: - اه صحيح يا أمين، انا خارجة بعد شوية، لو مش فاضي توصلني معاك، اتصلي بتاكسي يجي ياخدني. - ليه رايحة فين؟ سألها بخشونة يظهر انزاعجه، وردت تجيبه بتنهيدة أسى: - مشوار مهم والنبي يا بني، حكم الست أنيسة لما اتصلت بيها من شوية، بلغتني ان ضغطها واطي وحاسة ان عضمها متكسر. علق على الأمر وكأنه حدث جلل: - يا نهار أبيض، ضغطها واطي وحاسة كمان ان عضمها متكسر... لا انا هروح معاكي اطمن ع الست، ميصحش برضوا. أومأت بابتسامة جانبية وهي تستدير عنه مدمدمة: - اه يا حبيبي ميصحش امال ايه، دا كفاية صنية الكيكة اللي هبشتها لوحدك ❈❈-❈ - بسسسس اوقف هنا. قالتها شهد ليذعن حسن لطلبها ويوقف السيارة بالقرب من الشارع المتواجد به منزلها، قائلًا: - طب ما احرك العربية شوية واوقفها قصاد البيت، ولا هو الشارع ضيق ومش هينفع اخرج منه يعني؟ بابتسامة ردت وهي تتناول الأكياس الممتلئة عن أخرها بالملابس: - لا يا حبيبي الشارع يسمح طبعًا، بس انا مش عايزة الفت نظر الجيران، ويمسكوا سيرتي بقى، راحت مع خطيبها، رجعت مع خطيبها . اوقف محرك السيارة والتف لها يقول باستهجان: - طب وفيها ايه يعني يا شهد؟ ما يقولوا اللي يقولوه. - مش انا خاطبك وقاري فاتحة قدامهم كلهم. تنهدت تشيح بوجهها وابتسامة عزبة تزين ثغرها، قبل أن تعود إليه شارحة: - يا حسن افهمني، انا بتكسف والله من تعليقاتهم، يعني مش كفاية منظري النهاردة قدام العمال لما سحبتني من أيدي قدامهم، قال إيه، عشان ابعد عن الشمس لا تحرقني، انا كدة هبان طرية في نظرهم يا حسن. بابتسامة عبثية ارتسمت على ملامحه علق بمكر زاد من خجلها: - ومالوا بقى لما تبقي طرية، هي دي صفة وحشة يا شهد؟ ضحكت لتخبئ بكفها على عينيها فجعلته يضحك هو الاخر، لتعلق بقلة حيلة: - يا عم ارحمني بقى، اقسم بالله انا بجد مستغرباك، هو انت كدة من الأول ولا انا اللي مكنتش واخدة بالي منك ولا إيه بالظبط؟ رد بضحكة مشاكسة: - ما انا قولتلك يا ست البنات، أنا ابن مجيدة، يعني تتوقعي مني أي حاجة. اضزداد اتساع ابتسامتها لترد ببهجة تغمرها كل ما ذكر لها اسم والدته، والتي منذ أن تمت خطبتها به، وهي تحاوطها بحنانها والسؤال الدائم عنها وعن أخبارها، باهتمام في أقل تفاصيل يومها، حتى في انتقاء الملابس الاَتي تخصها، وذلك بإصرار من حسن ليعيدها إلى عهدها القديم في الدلال الذي تناسته برحيل والدها: - ماشي يا بن حضرة الناظرة، هنفوت لك لاجل خاطرها بس. همت أن تترجل، ولكنه أوقفها فور أن وضعت يدها على عتلة الباب قائلًا: - طب مش تخلي عندك دم بقى، وتعزميني حتى على كوباية شاي. طالعته بتحذير تهز رأسها قائلة: - ما احنا قولنا مينفعش، دا غير ان احنا اساسًا معظم اليوم مع بعض، وبالليل بنبقى ع التليفون، خليها قريب بقى نعزم ابلة مجيدة على عشا او غدا. يفهم وجهة نظرها التي تزيد من قدرها في قلبه ولكنه يصر على منكافتها بقوله: - ماشي يا ست شهد، نصبر على ما تيجي ميعاد العزومة، قرب رأسه منها متابعًا بهمس ومرح: - حتى عشان بالمرة نستعجل بميعاد الجواز، ما هو انا لازم الاقيلي منفعة. ابتعدت برأسها عنه لتترجل على الفور قبل أن تلقي قولها الاَخير: - خلاص يبقى هنأجل العزومة يا حسن. اغلقت الباب ليتمتم من محله خلف عجلة القيادة: - دا على أساس ان أبلة مجيدة هتسيبك، غلبانة والله يا شهد. ❈❈-❈ تركته وسارت بقلب يخفق بسعادة تحاول جاهدة للملمة ابتساماتها مع تذكرها لكل كلمة جميلة أو مشاكسة منه لها، تلقي التحية على هذا، وتتلقى سلام هذا من أهل المنطقة، برزانة تخشى اهتزازها، بسبب ابن مجيدة الذي يدهشها كل يوم بأفعاله المجنونة معها. حمدت الله أنها وصلت المبنى لتدلف إليه بخطوات مسرعة وما همت أن تضع قدمها على أول درجة من سلم البناية حتى تفاجأت بذراع قوية تجذبها بقوة، وقبل أن تستوعب وجدت نفسها في الجزء المظلم المطل على المنور. شهقت بفزع بعد أن تفاجأت بصاحب الوجه البغيض أمامها يحادثها: - إزيك يا سيادة المقاول ولا نقول يا عروسة أحسن؟ قال الاَخيرة وعينيه هبطت على الأكياس الممتلئة بيدها بنظرة كارهة حدجته، غير مبالية بهذا الغضب الذي يشتعل بعينيه لترد: - عروسة ولا مش عروسة، انت مالك؟ لا انا عايزة كلامك ولا عايزة سلامك، والحركة الزبالة دي أنا هحاسبك عليها. قرب وجهها منها وعينيه العميقة تصدح بالتحدي وأشياء أخرى لم تفهمها ليقول: - طب ما تحاسبيني دلوقتي على طول يا شهد، مستنية إيه؟ توقف وعينيه تجول على ملامحها قائلًا بنبرة متمهلة: - يعني لو عايزة تضربي مثلًا اضربي، ولو عايزة تصرخي وتلمي عليا الجيران، برضوا اعمليها، انا مشتاق أوي لحسابك يا شهد. لأول مرة ينتابها الخوف منه، لقد رأت به تحفزًا لأقل هفوة منها وكأنه على استعداد، أو بالأصح مرحبًا لغرض ما في نفسه، هي منذ البداية تعلم بطبيعته الغير سوية، لكنها لم تتخيل أن تطرفه يبلغ إلى هذا الحد من العداء نحوها، أو ربما هو الشيء الاَخر، والذي ترفضه بشده من شخص مثله. تحركت فجأة تريد تجاهله وتركه ولكنه سبق بوضع ذراعه أمامها يمنعها من المضي، فهدرت هامسة به بغضب: - ابعد عن وشي يا إبراهيم، انا لا فاضيالك ولا فاضلة للعته بتاعك. - امال فاضية لمين؟ قالها ليعدل من وقفته ويصبح أمامها متابعًا: - للمهندس اللي بيتسرمح بيكي ويشتريلك هدايا وبعدها يقف على اول الشارع زي الحرامية وينزلك. برقت عينيها بإجفال غير مستوعبة لمراقبته لها، استغل صمتها ليردف: - هو انتي مش كنتي حالفة انك مش هتتجوزي يا شهد، رديتي يمينك بكفارة، ولا هو مكانش فيه حلفان أصلًا؟ قال الاَخيرة ليزداد اشتعال عينيه، واظلام وجهه بإجرام كان يبث بقلبها الرعب في هذه اللحظة، وهو يذكرها بإهانتها له قديمًا حينما رفضت الإرتباط به، بأسلوب جاف يقارب الطرد، ابتلعت ريقها متجنبة الخوض في هذه الواقعة، لتتبادل معه حرب النظرات دون رد حتى وصل إلى أسماعها صوت إحدى الجارات تنزل على الدرج لتستغل هفوته في النظر لأعلى، فأزاحته لتسرع الخطا وتقابل المرأة التي كانت تقترب من وسط الدرج، والتي من جهتها قابلتها بابتسامة مرحبة: - يا أهلا يا ما شاء الله بالعروسة، شكل المقاول بتاعنا بتجهز نفسها، صح ولا أنا بكدب؟ باضطراب جاهدت لأخفائه، ردت شهد تدعي الإندماج مع المرأة: - صح يا أم مروة، عقبال مروة يارب. توقفت لتتبادل معها المزاح وظل إبراهيم محله في هذا الجزء المظلم، بيده سيجارة كان يهم بإشعالها، ولكن الحريق بداخله جعله، يلقيها على الأرض ويدعسها بعنف، وكأنه يفرغ بها طاقة غضبه. ❈❈-❈ عاد اَخيرًا من الخارج، ليدخل بخطواته السريعة نحو مكتبه، متجاهلًا النظر نحوها، وقد انتفضت واقفة بمجرد رؤيته، لتبادره القول: - هو انت كنت فين من الصبح؟ أنا جلجلت عليك. أجفلته لهفتها وهذه الرقة في استقبالها له، ابتلع ريقه، ليجيبها بنبرة عادية متجنبًا النظر نحوها على قدر ما يستطيع: - عادي يعني كان واريا مشوار مهم. - مشوار مهم في إيه بالظبط؟ دا انت سيبت الشغل فجأة من غير حتى ما تبلغ بسبب انصرافك. جلست على الكرسي المقابل لمكتبه لتصعقه بفعلها، وتزيده توترًا، طرد من صدره كتلة من الهواء مشبعة بإحباطه، يعيد بذهنه بمجموعة الوعود التي قطعها على نفسه، ليتماسك في الرد عليها وهو يشغل نفسه بالعمل على الحاسوب: - ما انا قولتلك يا صبا، كان مشوار مهم، يعني مكنش عندي وقت استئذن ولا اقول لحد. ردت بيقين ترسخ داخلها: - لأ هو مكانش مشوار، انت زعلت مني، بس انا والله..... - خلاص يا صبا، الموضوع دا انتهى، ارجوكي متفتحيش فيه تاني قاطعها بقوله، لينهي هذا الحديث الثقيل على قلبه من بدايته، ولكنها لم تستسلم وتابعت بلهجة نادمة: - حتى لو كان خلص زي ما بتجول، دا ما يمنعش اني غلطت معاك وانت رئيسي وو....... توقفت وتوقف عقله هو بانتظار القادم منها، لتردف: - والله العظيم انا من ساعة ما طلعت وانا لا على حامي ولا على بارد، كنت منتظرة عودتك على نار عشان اجولك، أنا أسفة يا مستر شادي، حجك على راسي من فوج. قالها بلهجتها الجنوبية لتنزل على أسماعه بمفعول السحر، لم يشغله اعتذارها، على قدر ما شغله الرقة التي تتحدث بها، مجبرًا لا مخيرًا، ارتخت تعابير وجهه ليرد مهونًا وقد أشفق أن يجعلها بهذا الحزن، وهو المخطيء من وجهة نظره: - خلاص يا صبا، مفيش داعي لدا كله، انسي ارجوكي. تابعت تستجديه أعينها برجاء: - يعني انت مش زعلان مني؟ ماذا يفعل؟ تطلب منه الصفح وهو المتيم، تناجي غفرانه، وهو المذنب في حق نفسه بعشقه المستحيل لها، ماذا يفعل وسحرها يكاد أن يذهب بعقله، ويفقده اتزانه؟ ماذا يفعل وبنظرة واحدة منها تجعله ينسى عهودًا ووعود، بل وتجعله ينسى تاريخه؛ إن ترك نفسه لهواها، في الإنسياق خلف الوهم الذي ينسجه خياله، أن تكون قد تعلقت به. نفض رأسه فجأة من أفكارها لينهي الحديث: - خلاص يا صبا مش زعلان منك والله، قومي بقى خليني استغل الساعة دي واكمل الشغل اللي ورايا. قال الاخيرة، واتجه عائدًا ينكفئ على العمل به باندماج جعلها تنهض بحرج لتجلس على مكتبها، واحساس الذنب في حقه ما زال يحزنها ❈❈-❈ بعد أن فرغت من بكاءها تمكنت رباب من قراءة الفاتحة على والديها لتخرج بعد ذلك مغادرة، تسير بين القبور سريعًا باستحياء وقد اثرت فيها كلمات شقيقيها، بعد نقده لما ترتديه وكان رأيه صوابًا هي فعلا أخطأت وكان يجب عليها أن ترتدي شيئًا ما فوق ملابسها المكشوفة تلك، لتراعي على الاقل حرمة المكان. كانت منشغلة بحالها، غافلة عن ثلاثة شبان خلفها يلاحقنها بخفة حتى تفاجأت بهم يعترضون طريقها، في منطقة خالية تقريبًا من البشر، وقبل أن تصل لسيارتها التي كانت مصطفة خارج المدفن، فصرخت بهم بغضب: - ايه يا بني آدم انت وهو؟ أبعدوا عن طريقي أحسن لكم، انا مش ناقصة قرف الثلاثة كانت هيئاتهم غير متزنة على الإطلاق، بالإضافة إلى اتساخ ملابسهم بشكل جعل معدتها تنقلب، مع قرفها الواضح لتشوه وجوههم بندبات وحفر، دب،بقلبها الرعب وهي تجد أوسطهم يضحك لها بابتسامة قميئة أظهرت أسنانه البارزة باعوجاج، وهو يخبرها بأعين مشتعلة تطوف على جسدها باشتهاء: - لو قرفانة نستحما يا قمر، ولا يكون عندك فكر. عقبت بعدم فهم: - تستحمى ولا تقعد بوسخك، انا مالي يا زفت انت، إبعد عن وشي ياللا انت والأوباش اللي معاك دول، خليني اعدي بقولك. بسخرية واضحة خاطب الشاب زملائه: - إللحق، دي بتقول عليكم أوباش. استجاب الأثنين الآخرين لاستظراف صاحبهم بضحكات بلهاء لتكمل الصورة الغبية عنهم، طالعتهم رباب بعدم احتمال لتصيح بهم: - يخرب بيتك غبائكم، إبعد يا بني انت وهو خلوني اروح . عاد أوسطهم بالضحك مرددًا لها: - في إيه يا عروسة، ما احنا قولنالك هنستحمى، يعني هتنبسطي معانا متخافيش، فكي كدة دا احنا هنروقك. صعقت بجزع وهي ترى الرغبة الظاهرة في أعين الثلاثة بتصميم واضح، فكانت ترتد بأقدامها للخلف، تبحث بعينيها في الأرجاء حولها عن أي بشري، إن كان رجل أو امرأة، لا تصدق أن تكون هذه نهايتها، تلعن غباءها في طرد الحارس والسائق، تلعن تهورها ان تأتي إلى هنا في هذا الوقت . شجعت نفسها حتى لا تبدوا بهذا الضعف أمامهم، فقالت بقوة تدعيها، رغم اهتزاز صوتها: - اقسم بالله لو ما اختفيتوا من قدامي دلوقتي لا اكون مبلغ جوزي وهو اللي هايخفيكم ورا الشمس، انتوا مش عارفين أنا متجوزة مين؟ وجوزي من عيلة مين؟ أصدر أحدهم صوت شخرة ساخرة ليقول بتهكم: - طب ما تعرفينا طب يا مرات المهم، خلينا نتأنس معاه هو كمان. صاحت به تخرج الهاتف من حقيبتها: - ماشي خلي الشجاعة دي تنفعك، انا هاعرفكم من هي رباب، مرات كارم رجل الأعمال، ابن اللوا حمدي فخر. - شيلاه يا لوا. هتف بها أحدهم وهو يختطف منها الهاتف بقفزة أذهلتها، وقبل ان تصرخ عليه، وجدت نفسها محاصرة بين ذراعي احدهم من الخلف والاَخر أطبق على قدميها يهم برفعها معه، لتخرج منها صرخة عليه شقت حلقها، مفضلة الموت على هذا المصير، قطعها صوت عياري ناري اطلق بالقرب منهما، جعل الثلاث يتركونها لتقع على الأرض وتفاجأ بالجسد الضخم لحارسها، يطلق واحدة أخرى وهو يركض نحوها ونحو الثلاثة الفارين يردد بالسباب والتهديد والوعيد عليهم، بأعين خاوية كانت تطالع حالة الكر والفر أمامها، شهقات مستمرة بتقطع، وقد دمر الفزع اعصابها، لتظل على جلستها على الأرض الترابية التي لوثت ملابسها الفاخرة، ممسكة بكوع يدها الذي اصيب من الوقعة. وصل إليها حامد أخيرًا، ليطمئن عليها ويسألها: - العيال ولا الكلب هربوا وسط المقابر، انتي عاملة إيه دلوقتي يا هانم؟ بصوت خرج بصعوبة ردت وهي ترفع يدها إليه: - ساعدني يا حامد، ساعدني اقوم. اعطى لها كفه لتنسند عليها وتحرك اقدامها بصعوبة تجرها جرًا حتى اقترب بها ليجلسها على نصف حائط غير مكتمل البناء، يصلها ظل شجرة قديمة في المنطقة، وعاد ليخاطبها: - سامحيني يا هانم اني جيت متأخر، بس انا روحتلك ع النادي ملقتكيش، ولولا الباشا، قالي ادور عليكي هنا مكنتش هعرف طريقك، بس الحمد لله قدر ولطف. استوعبت الكلمات لتسأله: - يعني هو كارم اللي قالك تجيني على هنا، طب هو مجاش ليه؟ انا عايزة اكلمه خليه يجيني دلوقتي ويربي الاوباش دول، خليه يجيني يا حامد. - ماشي يا هانم، بس هو انتي فين تليفونك طيب؟ سألها لتجيبه ببكاء مختنق: - خدوه مني يا حامد وكانوا هياخدوني أنا كمان، ياريتني ما جيت هنا، ولا طردتكم من العربية، الحيونات دول اتحرشوا بيا ورموني ع الأرض...... واصلت ببكاء حارق، وأقترب حامد يقول مهونًا: - معلش يا هانم، نحمد الله انها جات على قد كدة، بقولك ايه، خدي اشربي العصير ده، انا كنت جايبوا لنفسي وهشربوا قبل ما اتفاجأ بالعيال الهبلة دي. رفعت رأسها تقول رافضة: - لا انا مش عايزة اشرب حاجة، انا عايزة اروح. لوح لها بالعلبة المغلفة ليغزر الأنبوب المجوف الصغير داخله، ويعطيه لها قائلًا بحزم ولطف: - يا هانم اشربي وخدي نفسك عشان تتمالكي اعصابك وتقدري تمشي الخطوتين دول لحد العربية، وانا من جهتي، هاشوف أي طريقة اجيبلك بيها تليفونك من العيال دي. تناولت منه وتخاطبه برجاء قبل أن تضع الأنبوب في فمها وترتشف منه العصير: - اتصل بكارم الأول، انا عايزة كارم . أومأ لها ليتلاعب على شاشة الهاتف ثم يضعه على أذنه، يتابعها وهو ترتشف بنهم، وقد أثر فيها الخوف والعطش مجتمعين. حتى أذا توقفت وطالعته بتساؤل، رد عليها بعجالة: - بتصل يا هانم بس هو مبيرودش، ححاول تاني. كان التوتر والألم مبلغ مبلغه منها، فقالت وهي تهم بالنهوض: - طب خلاص بقى، أنا تعبانة أوي.......و..... مش هستني .... انا..... قطعت لتطالعه بجزع فسألها باستفهام: - مالك يا هانم؟ زاد هلعها وهي تحاول تحريك القدمين التي لم تعد تشعر بهم، لتتدمدم بعدم استيعاب: - رجلي...... - مالها رجلك يا هانم؟ قالها حامد وهو يجلس بجوارها على نصف الحائط، وهي تشعر بخذر ينتشر من أسفل الأقدام لأعلى حتى وقعت علبة العصير منها، وترنحت بجلستها حتى كادت أن تسقط بظهرها للخلف، لولا ذراع حامد التي تلقفتها، ليربت بكفه على خديها: - حاسة بأيه يا رباب هانم؟ وكأن لسانها اصابه الشلل كما أصاب باقي اعضائها، ولم يتبقى سوى عينيها التي ترفرف بأهدابها برؤية مشوشة، تبسم حامد ليزيد بضمها إلى صدره قائلًا بنبرة تغيرت عن سابقيها: - ايه اللي حصلك يا رباب هانم؟ ما ترودي يا رباااب. دوى الهاتف ليضعه على أذنيه يجيب المتصل: - أيوة يا جميل كله تمام وعال العال. خطف قبلة من وجنتها بصوت عالي وصل للمتحدث من الجهة الأخرى قائلًا: - جهزي كل حاجة عندك، الليلة دخلتي ع العروسة. .... الفصل الثامن والعشرون توقف اَخيرًا بدرجاته النارية، لينزع عن رأسه خوذة الحماية وإحساس الإختناق يجثم على أنفاسه وكأن قيدًا يلتف حول عنقه ويمنع دخول الأوكسجين بصفة منتظمة أو عادية لداخل صدره، اشتياقها الحقيقي له وفرحته به، وكلماتها التي تنعاد بذهنه بشكل مزعج، ثم هيئتها المكسورة حينما وجه انتقاده القاسي لها، لقد أعماه الغضب عن سماعها وقد بدا أنها في حاجة إليه أو إلى أي فرد من العائلة، كان يجب عليه التريث قليلًا، شقيقته المتهورة التي كانت تشاركه اللعب قديمًا نظرًا لأنها الأقرب إليه في سنوات العمر عن باقي أفراد العائلة، لقد كانت منطفئة، أين ذهب المرح والإنطلاق عنها؟ اين هذه الصورة المزيفة التي تبرع في تأديتها على الشاشة؟ أين كان عقله هو ليتغافل عن كل ذلك ويتركها في هذا الوقت من النهار وحدها في المدافن والمقابر . على خاطره الاَخير انتفض مستدركًا خطئه ليضرب بقدمه على إطار الدراجة مصدرًا صوت زمجرة عالية، لاعنًا غباءه وهذه الصدفة الغريبة التي جعلته يذهب اليوم في زيارة لوالده الراحل، والذي جاءه في المنام برؤية غريبة لم يفهمها، زفرة قوية بعنف أخرجها، قبل أن يدير محرك الدراجة ليعتليها مرتديًا خوذته مرة أخرى وقد نوى بداخله على العودة، على الأقل يريح ضميره من ناحيتها وحتى وان لم يلحق بها. استدار نحو الطريق الذي قطعه منذ دقائق، ليعاود الرجوع به بسرعة تفوق سرعته العادية في القيادة من الأساس، رغم تحذيرات كاميليا الدائمة وتوبيخها له عدة مرات ، لكنه اليوم يؤجل التفكير في ذلك، فشيء ما بداخله يجعله غير قادرا على تنفيذ هذه النصائح، شعور بعدم الارتياح يدفعه للطيران حتى يكون معها الان ويخفف من حدته، ربما تكون في حاجة إليه. وصل إلى المدافن، ليوقف الدرجة ويهبط منها بخطوات مسرعة، مخترقًا طريقه ما بين المقابر مرة أخرى ، حتى دخل إلى الجزء الخاص بعائلته، اكتنفه أحباط شديد حينما رأى الفراغ بدونها، تمتم بكلمات حانقة ليعاود ادراجه، وقد باءت محاولته بالفشل بعد ذهابها، باستياء متعاظم، كان يسير ويدفع الحصى بقدمه، حتى خرج من منطقة القبور فتذكر أنه أخلف طريق عودته الى الدراجة، غمغم داخله بكلمات ساخطة لهذه المعاكسات التي تحدث معه بشكل غريب، استدار متوجهًا إلى الناحية الأخرى، لتقع عينيه عن بعد بهذا الرجل الضخم الذي يسير ناحية السيارة السوداء حاملًا بين ذراعيه امرأة كالج\ثة أو ربما تكون مريضة، وذلك من هيئتها الساكنة بغير حراك، ذلك المشهد أثار فضوله ليقف متابعًا لهما ، رغم أن الظهر العريض للرجل لم يمكنه من رؤيتها جيدًا سوى بعد أن فتح باب السيارة ليدخلها في المقعد الخلفي، فتدلت رأسها بشعرها الحريري الطويل المتساقط منها وهو..... جحظت عينيه بعدم استيعاب وقد رأى صاحبة الوجه ... - رباب . دمدم الأسم بهلع ليعدو نحو الرجل ليعرف ما بها، وما صفة هذا الرجل إليها ، ولكن المسافة كانت بعيدة والسيارة انطلقت بسرعة لم تمكنه من الوصول إلى شقيقته والاطمئنان عليها. ضرب قدمه بالأرض ليستدير راكضًا نحو دراجته ، ليعلتليها ويتحرك بها، حتى إذا وصل إلى الطريق الممهد زاد بالسرعة الفائقة وعينيه تتطلع أمامه بتمعن شديد بحثًا عن السيارة التي اختفت عن أنظاره، فيبدوا أن قائدها هو أيضًا يقودها بسرعة تضاهي سرعته، وربما أكثر ❈❈-❈ عادت نرجس وابنتيها إلى المنزل، بعد زيارة لمنزل إحدى أقاربها في مناسبة عائلية وذلك بصحبة شقيقتها سميرة أيضًا، أولهن كانت رؤى التي هتفت فور ولوجوها لداخل الشقة حينما تفاجأت بشهد التي كانت جالسة على الاَريكة متكتفة الذراعين وأعينها في الفراغ بحالة من الشرود جعلتها لم تنتبه لمجيئهن إلا على صوتها: - ايه ده شهد! إنتي هنا من إمتى؟ انتفضت الأخيرة بجزع واضعة كفها على صدرها، متمتمة: - بسم الله الرحمن الرحيم، خضتيني يا رؤى. - خضيتك ليه؟ ما انتي اللي سرحانة. قالتها رؤى قبل أن تنتبه على الأكياس المحتلة الاَريكة بجوار شقيقتها لتركض نحوها قائلة بفضول وهي تتفحصهم بعد أن جلست بجوارها: - ايه ده؟ هو انتي جيبتي الحاجات دي النهاردة يا شهد؟ أومأت لها بابتسامة قبل أن تنتبه على تحية زوجة أبيها وأمنية التي رشقت عينيها على الأكياس: - مساء الخير يا شهد، هو انتي مروحتيش النهاردة الشغل ولا إيه؟ قالتها نرجس بإشارة نحو الأشياء التي ابتاعتها، بابتسامة ضعيفة ردت على سؤالها: - لا يا مرات ابويا، انا روحت الشغل بس كان نص يوم وخرجت بعدها مع حسن ع السوق. شهقت رؤى بلهفة معقبة: - يا لهوي ياما يعني انتي النهاردة خرجتي مع حسن؟ قبل أن تجيبها تدخلت أمنية بفضول قاتل توجه لها السؤال: - يعني خطيبك هو اللي اشترالك الحاجات دي؟ تغاضت شهد عن نظرات الأخيرة الغير مريحة لها، وردت تجيبها بتسامح: - أيوة يا أمنية، تعالي شوفيهم مع رؤى، وانتي كمان يا مرات ابويا. تلقفتا الاثنتان الدعوة بحماس جعلهن يهجمن سريعًا على الأكياس يتفحصن المحتويات دون التغافل عن أي شيء بها. نرجس وكعادتها تطالع بصمت وبملامح مبهمة غير مقروءة على الإطلاق، إن كانت إعجاب أو شيء اَخر، أما رؤى فكانت تهلل بطفولية كلما أعجبتها قطعة اتجهت للأخرى بصيحة أعلى: - يا لهوي ع الطقم الفوشيا، دا هيهبل عليكي يا شهد، وانا اللي افتكرت ان الفستان الفيروزي يجنن، طلع فيه اللي أجن منه. - والله ما في حد أجن منك. قالتها شهد ضاحكة، ثم اتجهت بعينيها نحو أمنية، منتبهة جدًا لهذا التقلص بملامح وجهها وفي نظرتها للمشتريات، حتى لو ادعت العكس أو التعامل بشكل طبيعي، فهي أعلم الناس بها، يلوح برأسها بعض الشفقة عليها، رغم رؤيتها لهذه المنطقة المظلمة بداخلها، شعورها الدائم بالنقص مهما ابتاعت من الأشياء، عينيها على ما يمتلكه الاَخرون، مشكلة لا تجد لها حل، وهي التي ظنت رغم كل شيء ان ارتباطها بإبراهيم رغم كل تخفظاتها عليها سيساهم ولو قليلًا في حل معضلتها على اعتبار أنها تحبه، لتجدها الاَن توسعت وتشعبت، بعد أن اصبح لهذا المعتوه موطئ قدم له المنزل بسببها، ثم يُظهر وجهه القبيح الاَن، حقدًا عليها وعلى خطيبها. ❈❈-❈ خرج بها من المصعد، وفور أن وصل للشقة المقصودة، وجد شريكته التي كانت بانتظاره، تفتح له ليلج بما يحمله لداخل الشقة، وتتقدمه هي بلهفة نحو إحدى الغرف : - تعالي هنا ورايا بسرعة. دلف للغرفة ذات الإضاءة الوردية، والفراش المزين بالورود ليعلق متهكمًا: - يا حلاوة، دا انتي عاملة جو رومانسي كمان، حلاوتك يا جوجو. ردت على عجالة وهي ترتد لخارج الغرفة: - حطها عندك ع السرير ، على ما اجيب الحاجة ورجعالك. - براحتك يا عسل . علق بها حامد وهو يريح جسد رباب على الفراش، وهي ما زالت بأعين مفتوحة لا ترى شيئًا ، واعضاء مرتخية بعقل غائب تمامًا عن الواقع، تطلع لها بأعين مشتعلة فهيئتها بهذه الصورة كادت أن تفقده عقله، ليعتليها كالحيوان يفترس ثغرها، وكل ما يصل إليه بشفتيه على الأنحاء المكشوفة من جسدها، ويده تعبث بحرية وعشوائية، يريد استغلال الفرصة الذهبية في نيل الهانم امرأة الباشا الذي يعمل تحت إمرأته، الجميلة التي تبهر الرجال بمفاتنها البارزة أمام الشاشة، بملابس تحدد منحياتها بسفور وكأنها خلقت للمشاهدة، والاقتراب فقط من حق المجنون زوجها، ولكن ها هو الاَن قد تحققت أمنيته في مشاركته بها، ولن يتركها بعد الاَن. - بتعمل ايه يا غبي؟ مش قولتلك استنى. قيلت مصحوبة بضربة قوية على ظهره جعلته يرفع رأسه مجفلًا، يهتف بها محتجًا: - الله في ايه يا بقى؟ هو احنا هنرجع في كلامنا ولا إيه؟ زادت مرات اخرى بضيق تنهره: - يا غبي بقولك قوم، عايز تبوظ الشغل اللي انا بعمله، دي حتى لسة بهدومها. اعتدل حامد يقول بمهادنة لهذه المجنونة - يا ستي ودي صعبة يعني؟ اخلعها عنها وبالمرة اقلع انا كمان ، وخدي احلي اللقطات براحتك. مالت برأسها مقربة وجهها من هذا الأحمق تخاطبه كازة على أسنانها علّ عقله الفارغ يعمل ولو مرة واحدة: - هو انا هفضل افهم فيك لحد أمتى؟ بقولك عايزة كل حاجة تبان طبيعية، يعني واحدة بتخون جوزها مع عشيقها، يبقى لازم اظبطها كويس، قوم ياللا خليني البسها حاجة تليق . نظر حامد للقطعة الوردية بيد المرأة ليهلل مصفقًا بكفيه: - طب ياللا بسرعة بقى، وانا كمان هروح اغير هدومي. قالها وانتفض يفسح لها المكان على الفراش، لتعقب من خلفه بازدراء: - تغير هدومك برضوا ولا تشربلك حاجة؟ غبي. قالتها ثم التفتت للمستلقية على الفراش بلا حول لها ولا قوة تخاطبها وهي تخلع عنها ملابسها: - وانتي يا روح قلبي، دا انا هروقك، بحق الليالي اللي خدتها في رعب وخوف يا رباب لخليكي تكلمي نفسك، انتي لسة شوفتي حاجة، دا انا هحولك جارية للاهبل اللي جوا ده . ❈❈-❈ توقف بدراجته أمام السيارة التي كانت تفوقه بالسرعة لدرجة جعلته يتوه عن ملاحقتها عدة مرات، وفي المرة الأخيرة دخل شارع اخر قبل أن يرتد ويدخل المجاور له في هذه المنطقة السكنية الجديدة في العاصمة، والقليلة بعدد السكان، الشيء الجيد في الموضوع، حتى لا يتوه في الشوارع الزحمة، وقف أمام البناية ذات العدد الكثيف من الطوابق، بحيرة تفتك برأسه، ما الذي يجعل الرجل ذا الهيئة المقاربة للحراس الشخصين، أن يأتي بشقيقته إلى هنا؟ هذا ليس منزلها، ولا هو مشفى لعلاجها، مما جعل الشك يتسرب لقلبه، ف اتجه على الفور إلى حارس البناية، والذي كان جالسًا على أريكته يرتشف الشاي من الكوب الزجاجي بتلذذ، بقلب يضرب كالمطارق في صدره لهذا الشعور الجديد من الخوف، اقترب يسأله بلهاث ويده تشير للخلف: - يا أخ انت، الراجل صاحب العربية السودة او اللي كان سايقها يبقى مين هنا في العمارة؟ رد الرجل بسماجة بعد أن القى نظرة عابرة نحو ما يشير إليه الاَخر: - راجل مين وعربية سودة ايه؟ ما تفسر يا أخينا. برود الرجل وطريقة الرد الغير مبالية ، جعلته يفقد أعصابه ليهدر صائحًا به: - بقولك اللي كان سايق العربية السودة، البني ادم الضخم، كان شايل اختي فيها، اقسم بالله لو ما قلتوا لبلغ جوزها ابن اللوا حمدي فخر ، يجي ياخدك انت معاه ويعلقك من رجليك. برعب حقيقي وعدم معرفة رد الرجل بدفاعية: - والله ما اعرف يا ولدي انت تقصد مين بالظبط؟ - يقصد حامد يا بابا. تفوهت بها الفتاة ذات العشر سنوات لتكمل مخاطبة محمد: - بابا مكانش قاعد ساعة ما حامد خرج من العربية دي وهو شايل ست شكلها زي الهوانم وطلع بيها على شقته. سألها سريعًا وبلهفة: - قوليلي اللي اسمه حامد ده ساكن في اي شقة بسرعة . ❈❈-❈ - يا حلاوة المهلبية، ايه الجمال ده يا ناس؟ هلل بيها حامد فور أن اخترق الغرفة، ووجد رباب بهيئتها الجديدة مرتدية المنامة الوردية القصيرة جدًا، والشعر المسترسل حول وجهها وقد مشطته المرأة سريعًا، فبدات بصورة كاملة للجمال. تطلعت المرأة باستنكار نحو حامد الذي ولج يفرك بكفيه مرددًا: - احنا كدة بقينا تمام وفل اوي، وسعي بقى خليني اشوف شغلي قبل ما تصحى ولا تفوق، انا عايزة اخد وقتي مع لهطة القشطة دي. علقت باستهجان وهي تنهض عن التخت، بنظرة من أعلى للأسفل: - لا اطمن يا خوي هتاخد وقتك وبزيادة كمان، المادة اللي في جسمها بتفضل ساعات، يبقى اصبر بقى دقيقة كمان. - كمان! ليه بقى؟ صاح بها بنفاذ صبر وجاء ردها بغيظ يفتك بها وهي تلوح له بالهاتف: - عشان عايزة اخدلها كام لقطة الأول، افهم بقى ووسع من وشي. زمجر حامد ليتخصر منتظرًا على مضض، وهي تلتقط عدة صور من عدة جهات، ولسانها يردد: - انا لسة ما استكفيتش من اللعب معاها، ما انا مش هكشف ورقي مرة واحدة، لازم اسويها على نار هادئة الأول. - لسة كمان فيها لعب، دا انتي دماغك سم. علق بها حامد قبل ان يصدح صوت جرس المنزل، مع طرق متواصل على الباب الخارجي فزفر مرددًا بسخط: - عاجبك كدة اهو الباب بيخبط، ناقص عطلة انا ولا وقف حال. توقفت المرأة على الصوت المزعج تدمدم بارتياب شديد: - وانتي مين بيجيلك دلوقتي عشان يخبط عليك بالشكل ده؟ رد حامد بتخمين من رأسه : - يعني هيكون مين يعني؟ وانا اساسًا ما حدش يعرفني في العمارة دي، أكيد البواب الزفت، انا هطين عيشته. قالها وتحرك ذاهبًا، فهتفت عليه ناصحة: - براحة يا حامد مع الزفت ده، مش عايزين شوشرة في العمارة سمع منها واتجه بخطوات مسرعة نحو باب الشقة الخارجي حتى إذا فتحة تفاجئ بفتى في عمر المراهقة يخاطبه بأمر أجفله: - أختي هنا بتعمل ايه؟ اندهلي عليها خليني اشوفها. بيده الضخمة دفعه حامد لييتعد عن باب الشقة قائلًا بعنجهية وغشم: - اختك مين يا شاطر اللي جاي تدور عليها، امشي ياض مش ناقصة شغل عيال. هم أن يغلق الباب بوجهه، ولكن محمد منعه صارخًا بوجهه: - انا بتكلم عن اختي رباب اللي جيبتها من المدافن شايلها على إيدك، انا فضلت ماشي وراك لحد اما جيت هنا. شعر حامد بالخطر ولكنه تعالى عن اظهار الخوف أو الاستسلام، ليدفعه بعنف جعله يبتعد عن الباب وهو ينهره بالقول: - انا لا اعرف رباب ولا اعرف كباب، غور من وشي هي مش نقصاك. لم يستلم محمد، وظل يصرح ضاربًا بكفيه على خشب الباب: - بقولك افتح يا حيوان انا اتأكدت دلوقتي انك خاطف اختي، طلع لي اختي يا حرامي. خرجت المرأة من الغرفة إلى حامد تردد بزعر: - يا نهار اسود ايه اللي بيحصل ده؟ مين اللي ع الباب يا حامد وعايز يعملنا فضيحة؟ تجاهلها الاَخر وقد انتفخت أوداجه بغضب عاصف، ليلتف عائدًا نحو الباب يفتحه مرة أخرى ليسحب محمد من تلباب قميصه ويجره للداخل بغضب وحشي: - دا انت باينك جاي على قضاك. انتفض محمد وهيئته بدت كالعصفور بيد هذا الرجل الضخم، ليعلم انه يستطيع القضاء عليه بضربة واحدة من يده، فكر سريعًا ليجد الرد المناسب له، بصوت جاهد ان يخفي به ارتجافه: - قولتلك من الأول اديني أختي، عشان انا اتصلت اساسًا بجوزها كارم وهو زمانه على وصول عشان يعلمك الأدب من جديد يا استاذ حامد. بالطبع كان يكذب في الأخيرة، فهو لا يملك رقم كارم، ولكن الخدعة أتت بثمارها، على حامد الذي اظلم وجهه واستوحشت ملامحه، لتجفله المرأة بصرختها وهي تركض نحو غرفتها كي تتناول أشيائها لتلوذ بالفرار. - يا نهار اسود، دا بيقولك انه اتصل بكارم، الله يخرب بيتك وبيت معرفتك المهببة. كذئب بري زأر حامد بشراسة وهو يهزهز محمد يكبح نفسه حتى لايفتك به، بعد أن استبد به الغضب من فعلته، وقد خرب عليه كل تخطيطه: - أعمل فيك إيه؟ اقطع من جسمك نساير ولا اخلص عليك بضربة من كف ايدي، وانت مش مستاهل غلوة اساسا. برغم الرعب الذي كاد أن يشل أطرافه، والهزهزة بعنف تجعل العظام وكأنها تنخلع من محلها قبل أن تعود في نفس الدقيقة برحلة مؤلمة وقاسية، حاول محمد أن يحافظ على رباطة جأشه، ليرد بثقة أبعد ما تكون عن حالته الاَن: - اعمل اللي انت عايزه، كدة كدة كارم هيخلص عليك دلوقتي . وصلت صيحة المرأة مرة أخرى وهي تعدو سريعًا ذاهبة: - انت لسة واقف مكانك يا غبي؟ عايز تقعد وتستنى قضاك؟ قالتها لتخرج من باب المنزل على الفور، وزمجر حامد من خلفها بأعين محتارة ما بين المستلقية بداخل الغرفة في انتظاره الاَن، وما بين أمنه المهدد بالخطر، وقد أفسد هذا الصغير ما كان يحلم به منذ أيام، وفي الأخير وبعد تيقنه أن لا سبيل أمامه الاَن سوى الهروب، طير محمد بدفعة عنيفة جعلت الاخير يسقط على الأرض ليقع على ذراعه ويصدر صرخة قوية مع سماع صوت العظمة التي كسرت. شعر حامد ببعض الراحة، ليأخذ طريقه نحو الخروج حتى يلحق بالملعونة التي سبقته، على الأقل يحصل على بقية حقه من المال، يكفيه خسارة الحصول على النجمة الجميلة. لتخلو الشقة على الشقيقين، حاول محمد النهوض رغم الوجع الرهيب، ليستند على الذراع الاَخر متأوهًا: - اه اه. - يا بيه يا بيه، حامد هرب ومعاه ست تانية غير اللي جه بيها. قالتها الصغيرة ابنة الحارس، طالعها محمد صامتًا حتى تمكن من النهوض بسرعة، ممسكًا ذراعه المكسور، ليقول اخيرًا : - متشكر اوي يا اسمك ايه؟ ممكن تيجي تدوري معايا في الشقة هنا ع الست اللي شوفتيها. - من عنيا يا بيه، انا هروح الناحية الشمال ع الاوضة دي والحمام، وانت روح الناحية اليمين. قالتها الفتاة وذهبت على الفور، ليدمدم محمد من خلفها وأقدامه تتحرك نحو الجهة المقصودة: - اجدع من ابوكي اللي ما تحركش من مكانه، صحيح الشجاعة مش بالسن. واصل محمد طريقه متجهًا نحو الغرفة التي دخلتها السيدة الهاربة منذ قليل، وما هم بفتح الباب حتى وجده اندفع بسهولة، ليصعق بالمشهد الذي جعل شعر رأسه يقف، جحظت عينيه في البداية قبل يتدارك ليتحرك سريعًا بأنفاس لاهثة يبحث عن أي شيء يستر به شقيقته، وجد سترة بحجم كبير ملقاة بإهمال على الأرض، خمن أنها تخص هذه الضخم الذي خرج، تقدم بها ليلقيها على شقيقته التي في كانت حالة غير متزنة على الأطلاق، هيئة أدخلت الرعب بقلبه، حتى إحساس الألم بذراعه لم يعد يشعر به، جلس على ركبتيه ليربت بكفه على وجنتيها يرى ما بها: - رباب هو انتي مالك؟ انتي شيفاني ولا حاسة بيا؟ رباب انتي صاحية ولا نايمة؟ ضغط بكفه على وجنتيها ليجبرها على النظر إليه، ولكن لم يحدث، أمسك بذراعها يرفعه ليجده يرتخي ساقطًا بشكل جعل قلبه يقع تحت قدميه، ليصرخ عليها بدمعة فرت من عينيه : - رباب الناس دي عملت فيكي إيه؟ رباااب دخلت الفتاة ابنة حارس البناية على صرخته لتسأله بعفوية: - إيه ده هو انت لقيتها؟ طب ما تقومها ياللا عشان تروح بيها يا بيه. تطلع نحوها محمد ليستعيد ذهنه، وتماسك ليتناول هاتفه من جيب سترته، يطلب صاحبة الرقم التي كالعادة لا تتأخر عن الرد عليه: - ألوو... يا حبيبي عايز ايه؟ بدون تفكير أو تردد صرخ بها: - كاميليا، تعالي اللحقي اختك يا كاميليا. ❈❈-❈ - ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، شالله ما اشوف فيكي شر أبدًا. قالتها مجيدة في جلستها مع أنيسة التي كانت تضيفها مع ابنها في منزلها، وردت المرأة ببشاشة معتادة منها: - تسلمي يا حبيبتي ويسلم حضرة الظابط معاكي، انا مكسوفة أوي والله اني تعبتكم معايا. تدخل امين قائلًا بلطف للمرأة: - لا يا ست أنيسة مفيش أي تعب طبعًا، أهم حاجة بس تطمنينا عليكي، هو انتي حاسة بنفس الأعراض دلوقتي ولا لسة؟ بنظرة تحمل داخلها الكثير كانت أنيسة تطالعه بها، لترد بابتسامة ممتنة: - الحمد لله يا حضرة الظابط، اهي الاعراض بتروح وتيجي، واحنا بنقضيها بالعلاج او الأكل المطلوب وبتعدي، المهم انا بلغني من مجيدة ان الكيكة عجبتك، صح ولا هي بتجاملني؟ القى أمين بنظرة خاطفة ذات مغزى نحو والدته التي لا تكتم سرًا ابدًا، قبل أن يعود لأنيسة ليرد بحرج يحاول إخفاءه: - يا ست أنيسة، انتي كل حلوياتك ما شاء الله يعني، لا يعلى عليها، دي أحلى كمان من المحلات والله، انا راجل زواقة زي ما قالت والدتي، يعني كييف أوي. ردت أنيسة بابتسامة ازدادت اتساعًا وبهجة تغمرها من الداخل: - دا من زوقك يا زوق، انا هدوقك حاجة جديدة عملتها النهاردة.... قالتها وهمت أن تنهض ولكن مجيدة اوقفتها بالسؤال الذي يداعب ذهنها من قت مجيئها مع ابنها والذي كان هو الاَخر جالسًا بأعين زائغة وتوتر تعلم سببه: - طب قبل ما ندوق الحلويات، مش تندهي انتي ع الحلويات اللي بجد، ولا هي الست لينا مش عايزة تقابلنا؟ - لا والله هي مش موجودة أصلًا، دي لسة مرجعتش من الشغل. - شغل ايه اللي يقعد لحد دلوقتي؟ الساعة داخلة على تسعة. خرجت من أمين بعفوية لم يقصدها، وغضب لاح على صفحة وجهه، لترتسم ابتسامة خبيثة على وجه مجيدة، اخفتها سريعًا وهي تراقب رد فعل أنيسة التي استدركت لتنظر بساعة هاتفها ثم قالت بقلق، قبل أن تضغط على أحد أرقامه: - هي بصراحة مش بعادتها تتأخر للوقت ده، ولو حصل بيتجي مع طارق . غمغم بسخط وحنق لم تنتبه له المرأة: - ومين طارق دا كمان؟ زجرته مجيدة بنظرة محذرة رغم استمتاعها بغضبه، ليغلق فمه موجهًا انتباهه لرودود المرأة على الهاتف: - ايوة يا لينا اتأخرتي ليه يا بنتي؟........... بتقولي ايه؟ طب وطارق مجابكيش معاه ليه؟............ يا نهار اسود، يعني انتي معرفتيش اللي حصل؟........... طب شوفيليك صرفة بقى وحاولي تلاقي أي مواصلة. قاطعها امين بلهفة سائلًا: - أنا اسف لو بتدخل، بس هو ايه اللي حصل يعني؟ أبعدت الهاتف عن أذنها لتشرح الوضع باختصار: - أصلها بتقول انها مزنوقة بقالها ساعة في عربيتها ومش عارفة تتحرك بيها، الشارع مسدود عشان في شخصية مهمة بمركز حساس هتعدي فيه، ولما تطلب أوبر برضوا مش بيعرف يدخلها. من تحت أسنانه خرج صوته بانزعاج وتهكم: - ولما هو كدة، استنت ليه لما تتأخر بالشكل ده؟ ولا اللي اسمه طارق اللي بتقولي عليه ده موصلهاش معاه ليه؟ همت أن تجيبه ولكن صراخ لينا من الناحية الأخرى جعلها تعود إليها قائلة: - أيوة يا لينا انا معاكي يا بنتي، انا بس محتاره هترجعي ازاي دلوقت؟......... يعني هتفضلي مستنية؟ - تستنى فين؟ معلش يا ست أنيسة اديني التليفون معلش. فاجئها بطلبه كما صعقت مجيدة لرد فعله وهو يتناول الهاتف من المرأة بسلطة دون انتظار موافقتها ليرد بخشونة نحو المتحدثة من الجهة الأخرى: - أيوة يا أستاذة خليكي قاعدة في عربيتك واقفلي عليها لحد اما اجيلك......... انتي لسة هتجادلي؟ انا بقولك استني مكانك لا توقعي نفسك في مشاكل، وانت اسم الله عليكي متتوصيش....... استنى بقولك. قالها لينهي المكالمة بعنف ثم تحول نحو المرأة بتحول أدهشها: - أنا أسف لو اتعصبت عليكي...... بنظرة ساهمة طالعته أنيسة بصمت قطعته مجيدة بسؤالها: - يعني انت بجد رايح تجيبها؟ تناول علاقة مفاتيحه والهاتف خاصته ليرد بعملية وهو يتحرك بأقدامه ليتركهما: - يدوبك يا ماما عشان اللحق اروح اجيبها، عن اذنكم بقى. - إذنك معاك يا حبيبي. تمتمت بها مجيدة بذهول وهي تتابع اثره حتى اختفي، قبل ان تعود لأنيسة التي ما زالت صامتة بازبهلال تخاطبها بابتسامة متوترة : - اطمني يا حبيبتي، هو هيعرف يجيبها ان شاءالله ويرجع بيها. خرج صوتها اخيرًا لتردد بتمني: - أن شاء الله، يارب. غمغمت مجيدة بداخلها: - ربنا يستر بس وما يلبسوش هما الاتنين بجنانهم ده قض\ية امن دولة، او يعكروا صفو العلاقات مع دولة اجنبية. ❈❈-❈ بداخل المشفى وخارج الغرفة التي كانت تُسعف بداخلها شقيقتها، كانت كاميليا تقطع الردهة ذهابًا وايابًا، تفرك بكفيها مرددة بقلق وصوت باكي، رغم المحاولات المضنية منها للأحتفاظ بقوتها حتى لا تنهار وتسقط، نتيجة هذه الأحداث التي تمس ألنقطة الحساسة إليها وهي اشقاءها. - يا رب استر يا رب، نجيلي اختي يا رب، نجيهالي والنبي يا رب. علقت زهرة بتهوين، فقد كانت جالسة بابنها الصغير على مقاعد الانتظار: - يا حبيبتي اهدي، اختك هتقوم وتبقى بخير ان شاء الله. بأعين تسيل منها الدموع بعدم توقف، تطلعت إليها تردف بألم : - اصل انتي جيتي متأخر وما شوفتيهاش يا زهرة، دي كانت عاملة زي العروسة البلاستيك، مفتحة عنيها وفاقدة وعيها في نفس الوقت، لا تعرفيها صاحية ولا نايمة، في حياتي ما شوفت كدة، دا انا هموت لو جارالها حاجة، مكانش لازم اسيبها خالص. ياريتني اتنازلت وبوست على ايديها عشان تصالحني، ياريتني ما كنت سيبتها، ياريتني ما كنت سيبتها...... قطعت بالبكاء بحرقة، تغلق فمها بقبضتها لتكتم صوت شهقاتها، فنهضت زهرة بقلب موجوع عليها لتضمها إليه بذراعها الحرة من كتفيها تهون بالكلمات الحانية: - يا حبيبتي براحة على نفسك، سيبي امرك لله وهو القادر على رجوعها بخير ولم الشمل من تاني. - يا رب يا رب. تمتمت بها بتمني مع استمرار بكاءها، وقد وجدت الاَن قلبًا يشاطرها الحزن، وكتفًا تستند عليه في أصعب الأوقات التي تمر بها، ثم ما لبثت أن ترفع رأسها منتبهة على رجوع شقيقها بصحبة طارق الذي رافقه في القسم الاَخر من المشفى، لإسعاف ذراعه المصاب، وقد التفت الأربطة الطبية حوله، تحركت لتقصر المسافة بينهما وتحتضنه بكفيها من وجهه سائلة بجزع: - عامل ايه دلوقتي يا حبيبي؟ لسة برضوا دراعك بيوجعك، وليه مجبسه؟ هو الدكتور قال ايه؟ تكفل طارق بالرد يخاطبها بتماسك: - احمدي ربنا انه كسر عادي مش مضاعف، لكان زمانه في العمليات دلوقتي، كلها كام اسبوع ويبقى عال، الدكتور طمنا، اطمني انتي كمان. - أطمن! قالتها بعدم تصديق وكأن كلماته جاءتها على الجرح الملتهب عادت للبكاء مرة أخرى لتحتضن شقيقها وتقبله مرددة: - يا رب يخليك ليا يا حبيبي، ويطمني عليك انت واختك. تنهد طارق باستياء وعجز يقت\له، لعدم قدرته على رفع الحزن عنها، تدخلت زهرة مخاطبة محمد بفخر: - حمد الله ع السلامة يا بطل، جاسر حكالي ع اللي عملته، هو قاعد دلوقتي في الشقة اياها مع إمام عشان يعرفوا مين حامد ده، ومش هيستريحوا ولا يهدالهم بال غير لما يجيبوه، هو والست اللي كانت معاه. - بس احنا بلغنا البوليس يا زهرة. قالها طارق لتقارعه زهرة برغبة قوية في بث الاطمئنان بقلب محمد وصديقتها: - وماله يا طارق، البوليس يدور واحنا كمان ندور. ردت كاميليا بعدم اكتراث الاَن سوي بصحة شقيقتها: - انا المهم عندي دلوقتي اختي، أي حاجة تيجي بعد كدة. همت زهرة أن ترد ولكن خروج الطبيب من الغرفة جعلها تتوقف لتعدوا مثل الجميع في اتجاهه لمعرفة الجديد. - ها يا دكتور طمنا. نطقت بها كاميليا تسبق ثلاثتهم في السؤال، وجاء رد الطبيب بعملية لا تخلو من اللطف: - اطمنوا يا جماعة متقلقوش، احنا ولله الحمد قدرنا نتعامل مع الحالة ونتصرف مع المادة اللي دخلت جسمها وسببت كل اللي عليها من اعراض. سأله طارق بقلق شديد: - هي ايه المادة دي يا دكتور؟ زفر الطبيب يخرج كتلة من الهواء بصدره ليجيبه باستياء: - في الحقيقة يا استاذ طارق المادة دي خطيرة جدًا، وما حدش بيقدر يجيبها إلا من الخارج ولازم يكون حد واصل كمان، بإذن الله البوليس يقدر يجيب الناس المجرمين اللي عملوا فيها كدة ويتحاسبوا على جريمتهم. سألته زهرة أيضًا: - طب هي صاحية يا دكتور عشان نقدر ندخلها؟ - اكيد طبعُا هتشوفها، بس نص ساعة كدة ع الاقل على ما تفوق، عن اذنكم بقى. قالها الطبيب وتحرك مغادرًا لتغمغم كاميليا في اثره بغضب: - أكيد المجرمين دول لهم علاقة بجوزها، أنا قلبي حاسس ، بل أكاد اكون متأكدة من كدة. ❈❈-❈ بخطوات مسرعة والغضب يتطاير من عينيه، اقترب حتى وصل إلى سيارته ليفتح بابها بعنف قائلًا بنزق: - اتفضلي يا ست هانم، اتفضلي يا برنسيسة، خلصينا بقى. طالعته بأحجار الفيروز الاَتي تتوهج نيرانهم بغضبها هي الأخرى لتقول بتأفف: - كلمني كويس لو سمحت، يا إما والله لكون..... - تكوني إيه؟ صاح بها مقاطعًا وقد فاض به ليتابع بهيئة المغلوب على أمره: - تكوني إيه يا لينا؟ عايزة ترجعي تاني ولا تتخانقي مع افراد الأمن اللي مضايقينك، اللطم على خدي عشان تستريحي؟ هو انتي لسة ما ستكفتيش؟ صرخ الأخيرة بأسلوب كوميدي جعلها تتماسك بصعوبة عن الضحك بوجهه، فلانت لهجتها في الرد عليه: - أنا مبحبش اتخانق مع حد ولا قصدي اعمل مشاكل، وع العموم هركب اهو عشان نقفل خالص ع الكلام . اعتلت السيارة لتجلس في المقعد الأمامي بجواره، ليتخذ مقعده هو الآخر خلف عجلة القيادة، فخرج صوته بنصح هذه المرة: - انا مش بتحشر في اللي ميخصنيش، بس انتي كان لازم تقدمي في انصرافك، التأخير ده هو اللي عك الدنيا معاكي. عادت لحالتها الأولى في الغضب لترد بشراسة قطة متحفزة لأي كائن حي يمر من أمامها: - اولا أنا متأخرتش بخطري ولا عمري قعدت للساعة دي اصلًا، احنا كان عندنا اجتماع وطارق حصل معاه ظرف وحش خلاه يجري مع مراته ع المستشفى، ف اضطريت انا اقفل الملفات المطلوبة على قد ما اقدر، وبعدها اتفاجأت بالوقت، ولولا الإجراءات الزفت دي كان زماني في البيت من ساعتين. اقترب برأسه منها مقربًا وجهه بعدم تردد ليرد ببعض المنطق علّها تفهم: - الإجراءات دي مش تعسف من الجهات المسؤلة، دا تأمين لشخصية دبلوماسية، ودي حاجة ضرورية، دا غير انهم محددين طريق بديل، ما رجعتيش فيه ليه؟ تكتفت تقول بحرج مبتعدة بعينيها عنه: - الطريق التاني طويل أوي، وانا النهاردة مكنتش عاملة حسابي في البنزين، يمكن كنت وقفت في نص السكة، ساعتها كانت هتزيد العكة معايا. ناظرها قليلًا بصمت قبل ان يتركها ليشعل محرك السيارة ، ويركز انتباهه على القيادة ، وصبت هي اهتمامها على ربط حزام الأمان الذي حاولت به عدة مرات وفشلت في ربطه مما جعل الاَخر يصيح بها: - في ايه ؟ مش عارفة تربطي الحزام. - لأ مش عارفة، ومش فاهمة هو ليه كدة بيعك معايا . - تاني يعك، احنا مش هنخلص في الليلة دي؟ قالها ليضرب بقبضته فجأة على عجلة القيادة بسيارته وتوقف فجأة ، ثم مال نحوها ليربطه بنفسه، غمره عطرها ليستشعر قربه منها وهذه الهالة من الجمال الاَسر، جميلة لدرجة اللعنة، كما أنها مشاكسة بدرجة غير عادية، على قدر ما تستفزه، على قدر ما تجعل الدماء تضخ بأوردته وكأنها تحيه حياة فوق الحياة التي يعيشها،، شعر بالأرتباك في البداية، ولكنه استطاع التماسك، ليرد بمناكفة وانفاسه الحارة تشعر بها على بشرتها: - هو جامد اه وشديد، بس لما تتعاملي معاه بحنية، بيفك بسرعة ويلين. قالها ليبتعد فجأة وقد نجح فيما فشلت به، ابتلعت ريقها بتوتر شعرت به جراء قربها منها، وكلماته الأخيرة تنعاد بذهنها، شاعرة انها بقصد اَخر، ربما يكون غير بريء على الإطلاق. ❈❈-❈ إيه من الأمانى ناقصنى تانى وأنا بين ايديك عمرى ما دقت حنان فى حياتى زى حنانك و لاحبيت ياحبيبى حياتى إلا علشانك و قابلت آمالى وقابلت الدنيا وقابلت الحب اول ما قابلتك واديتك قلبى يا حياة القلب أكتر من الفرح ده ما احلمش أكتــر من اللى أنا فيه ما أطلبش كانت الكلمات تصدح من المذياع الذي يشعله أبو ليلة في هذا الوقت ككل يوم بشرفته، يدخن شيشته ويردد من خلفها، ولا يدري بالجالس في الشرفة المجاورة يردد معه، وكل حرف من المعاني يمس وجدانه بقوة، وصورة اميرته تداعب خياله في سعادة لا ينكرها، حتي لو كان ارتباطه بها دربًا من دروب المستحيل، يكفيه القرب منها، وسماع نفس الشيء الذي تسمعه. ❈❈-❈ وفي الناحية الأخرى كانت هي الأخرى مندمجة مع لحن الكلمات التي بدأت تعجبها هذه الأيام، رغم انها لم تكن ابدًا من محبي الأغاني القديمة، صدح هاتفها فجأة برقم غريب ومميز قطبت تنظر إليه قليلًا قبل ان تستجيب لفضولها وترد: - الوو مين معايا: - الوو يا صبا عاملة ايه؟ انتفضت مجفلة وقد علمت بهوية المتصل من نبرة الصوت التي أصبحت معروفة لها الان، ابتعلت لترد برسمية: - اهلا يا فندم، حضرتك عايزني في حاجة ضحك يزيد من غيظها قبل ان يرد : - كدة على طول يا صبا حتى من غير ما تردي على سؤالي، ع العموم يا ستي انا متصل عشان اطمنك. - تطمني على ايه؟ - اطمنك على صاحبتك يا صبا، هو انتي نسيتي ولا ايه؟ صدحت صوت ضحكته مرة أخرى قبل أن يختم: - مستنييكي بكرة الصبح عشان تعرفي التفاصيل، تصبحي على خير يا صبا. قالها وأنهى المكالمة، وقد تجهم وجهها وتعقدت ملامحها بغضب لتعلق: - والله عال، وكمان عرفت نمرتي عشان تتصل بيا؟ الله يخرب بيتك يا مودة . .... الفصل التاسع والعشرون على الكرسي المجاور للسرير الطبي المستلقية عليه شقيقتها منذ الأمس، وكأنها التصقت به، فقد طالت جلستها في السهر عليه حتى سقطت رأسها على الفراش حينما غلبها النُعاس، وقد أصرت على المكوث بجوارها حتى تطمئن عليها جيدًا، رغم استفاقتها بالأمس والتي لم تدم إلا دقائق معدودة، فلم تكن فترة كافية لتريح قلبها الملتاع عليها. كان لضوء النهار الذي اخترق النافذة الزجاجية الفضل في استيقظها لتحرك رأسها يمينًا ويسارًا، حتى تفك التشنج الذي قلص عضلات الرقبة، توقفت فجأة عن الحركة، وقد وقعت عينيها بخاصتي الأخرى والتي كانت مستندة بجسدها على الوسادة خلفها بنصف نومة، ومتابعة لها بوعي واضح، منصب كل تركيزها عليها ، على تخوف وتردد اقتربت منها تخاطبها: - رباب، انتي معايا؟ بصوت مبحوح يرافقه دمعه ساخنة سالت على جانب وجهها: - معاكي يا كاميليا، انا من امبارح وانا معاكي، حتى لما فوقت بنص وعي ومقدرتش اتكلم ولا ارد على حد منكم، برضوا كنت معاكي قبل التعب ما يغلبني واعود للنوم من تاني، عشان اصحى من الفجر والاقيكي جمبي بالوضع ده، واعرف قد ايه انا كنت غبية. نهضت كاميليا لتقبلها على أعلى رأسها ووجنتيها، قائلة بصوت متأثر هي الأخرى امتزج بحنانها: - الحمد لله انك فوقتي يا حبيبتي، انا كنت خايفة قوي عليكي امبارح، حتى وانا شايفة عيونك مفنجلة دلوقتي، والله ما كنت مصدقة غير بعد ما سمعت صوتك كويس. - ليه يا كاميليا؟ ردت على سؤالها بسؤال: - ليه إيه؟ - ليه تتعبي نفسك وتسهري مع واحدة باعتك وباعة أهلها عشان نفسها، دا غير انها رمت كل اللي عملتيه معاها ورا ضهرها؟ الصدق الذي كان ينبع من فحوى كلماتها جعل كاميليا تنتبه لهذا التغير المفاجيء من شقيقتها، حتى وهي تعلم انه ربما يكون عرض وقتي نتيجة ما حدث، وربما يعود كل شيء لوضعه السابق بمجرد الوقوف على قدميها، ولكنها ومع ذلك رحبت مستبشرة الخير لتجيبها بابتسامة: - السؤال ده ما ينفعش اساسًا يا قلبي، لأن انتي مهما عملتي أو أي حد من خواتك عمل، أو حتى مهما يحصل ما بينا؟ ف احنا ف الأول والآخر اخوات، والضفر عمره ما يطلع من لحمه. هذه المرة كانت المفاجأة أكبر من توقعها، طالعت كاميليا شقيقتها وهذا الصمت المطبق، النظرة الكسيرة بعينيها، ارتعاش شفتيها مع دموع لم تنتظر الإذن لتنهمر على وجنتيها، هيئة ادخلت الروع بقلبها، لتردف بنظرة استجداء اَلمتها: - انا عارفة اني غلطانة وكلي عيوب، لكني بشر والبشر خطاء........ انااا..... تابعت بلهجة راجية اوجعتها بحق - ما تسبنيش يا كاميليا، والنبي ما تبعدوني تاني عنكم. إلى هنا وانفلت زمام امرها، اطبقت الأخيرة بذراعيها، لتضمها بلوعة واشتياق مرير مرددة: - والله ما هاسيبك، عمري ما هاسيبك تاني، حتى لو انتي مش عايزة كمان، انا هفرض نفسي عليكي، ومش هبعد عنك تاني أبدًا. قالتها بدموع حارقة كانت تسيل منها هي الأخرى، يعتريها اندهاش غير عادي لهذا الضعف، لقد كانت تظنها سعيدة وغير مهتمة، تظنها استغنت عن العلاقة الأخوية بالمال والشهرة، وذلك لمتابعتها لكل فيدو وكل صورة تصدر منها عبر وسائل التواصل الإجتماعي، وقد نست أن العالم الأفتراضي ليس هو المقياس الحقيقي لواقع الشخص. - إيه ده؟ إيه ده؟ طب براحة طيب وسيبولنا شوية يا شباب. تفوه بها طارق والذي حضر في غمرة الأحضان بين الشقيقتين بصحبة محمد اللذي قال هو الاَخر فور أن ارتفعت رؤسهما إليه: - على رأي طارق، سيبولنا شوية طيب، عاملة إيه يا رباب. أجابته بوجه مشرق رغم التعب: - كويسة يا حبيبي، يا ريتك ما كنت مشيت، مكنش كل كل ده حصل. قالتها لينتبه إليها طارق فيسألها بفضول: - هو انتي فاكرة كل اللي حصل يا رباب؟ ردت تعصر بذهنها: - لأ طبعا انا عايزاكم تحكولي عشان افهم، أنا كل اللي متذكراه دلوقتي؛ هو الأولاد اللي حاولوا يخطفوني وحامد أنقذني منهم وبعدها اداني عصير.... - اولاد مين تاني كمان؟ صاح بها محمد بعصبية جعلتها تستدرك منتبهة لتسأله أيضًا: - هو انت ايه اللي كسرلك دراعك؟ وقبل أن يجيبها اندفع الباب بقوة أجفلت الجميع، ليلج إليهم كارم بوجه متجهم، مظلم بغضب جحيمي، وقف أمامهم متخصرًا يوزع النظرات المشتعلة على أربعتهم، ليتوقف عند رباب بأنفاس خشنة يصدر صوته: - ممكن افهم ايه اللي بيحصل؟ والقصة الغريبة اللي سمعتها من البوليس عن خطف الهانم حرمنا.... ايه أصلها ؟ ❈-❈-❈ أمام الموقد الذي كانت تقف عليه لتسوية الفول بالشكل الذي اعتادت، كطبق رئيسي لوجبة الفطور التي تعدها الاَن في وقت الصباح، دوى هاتفها الذي كانت تسنده على الرخامة بالقرب منها، تناولته لترد بعدم انتباه لصاحب الرقم: - الوو... مين معايا؟ - الوو صباح الخير يا طنت. قطبت مجيدة لتبعد الهاتف عن اذنها لتتأكد من صاحبة الصوت، قبل ان تجيبها باستغراب: - صباح الفل يا لينا عاملة ايه انتي؟ - كويسة يا طنت والحمد اا..... قالتها وقبل أن تكمل قاطعتها بسؤال فضولي نبع من خوف حقيقي ان يكون خلف الاتصال هو حدوث شيء ما: - طب ماما هي كمان كويسة يا حبيبتي، ولا يكونش التعب زاد عليها؟ فهمت لينا المغزى من خلف السؤال فردت على الفور تدخل في الموضوع مباشرةً: - كويسة والله طنت والحمد لله، انا كنت بتصل بس عشان اكلم حضرة الظابط ابنك. - حضرة الظابط ابني أنا؟ قالتها مجيدة بعدم تصديق فاغرة فمها، بأعين اتسعت على اَخرها وهي تسمع رد الأخرى: - أيوة يا طنت طبعًا، أمين ابن حضرتك، كنت عايزة اسأله سؤال بس. بلهفة مكشوفة تحركت من امام الموقد لتخرج من المطبخ نحو غرفة الاَخر مرددة: - سؤال واحد، قولي اتنين تلاتة زي ما تحبي دا انتي تسألي مجموعة اسئلة يا حبيبتي ولا يغلي عليكي الظابط ولا ام الظابط كمان. ردت لينا ضاحكة بحرج من جهتها: - مرسي يا طنت ربنا يخليكي، يكفي السؤال، مش عايزين اكتر من كدة. سمعت منها مجيدة وهي تلج إلى الاَخر، والذي كان واقفًا يصفف شعر رأسه أمام المراَة بعد ان ارتدى ملابسه للذهاب إلى العمل، ليفاجأ بوالدته، وهي تهزهز كتفيها بما يشبه الرقص الغريب، بضجكات مكتومة تلوح له بالهاتف، ليردد لها بعدم فهم: - إيه في إيه؟ اقتربت تهمس له بصوت واضح: - دي لينا بت ام لينا، عايزاك في سؤال. - لينا مين؟ خرجت منه بصوت عالي جعل والدته تلكزه بالقبضة التي ما زالت ممسكة بملعقة التقليب، والتي كان بها من اثر الطعام الذي لوث كم القميص المنشي، مما جعل الاَخر يصيح بها بنزق: - يا ماما حسبي بقعتي القميص الله. عضت مجيدة على شفتها السفلى تردف من تحت أسنانها لابنها ثقيل الفهم كما جاء برأسها في هذا الوقت: - كلم البت واعرف مين لينا؟ وان كان ع القميص غيره بواحد تاني، وانا رايحة اشوف أكلي اللي ع النار، جاتك نيلة. قالت الأخيرة وهي تحدجه بنظرة حانقة، قبل أن تتركه وتذهب، رفع الهاتف لمستوى اذنه مغمغمًا: - هي مالها اتنفرزت اوي كدة ليه؟ الوو.... جاءه الرد من الناحية الأخرى بلهجة متهكمة: - الوو يا حضرة، انا لينا اللي وصلتها امبارح بنت الست أنيسة يارب تفتكرني؟ رغم حالة التعجب التي انتابته مع سماع نبرة صوتها الناعمة بحدتها كالمعتاد، والتي جعلته لا يصدق في البداية أنها صاحبة الاتصال بالفعل، إلا أنه تمالك سريعًا ليرد بمناكفة مستهبلًا: - أيوة أيوة يا شاطرة افتكرتك، انا مش نساي أوي لدرجادي يعني؟ قالها ليفاجأ برد لم يتوقعه على الإطلاق: - طبعًا أكيد ما هو باين من سؤالك فاكرني أوي..... لهجتها الساخرة جعلت حاجبًا واحدًا منه يرتفع بشك قطعته بجملتها متابعة: - المهم بقى أنا كنت بتصل عشان أسألك، اصلي بدور على سلسلة كانت في رقبتي وانا راجعة من الشغل امبارح، ودلوقتي بدور عليها في كل حتة مش لقياها... قاطعها باستظراف يستفزها رغم علمه بما تقصده: - اه بقى، وانتي دلوقتي متصلة عشان اعملك محضر ولا اخلي الشرطة تبحث عنها. - هه هه هه. ضحكة سخيفة اطلقتها بغيظ جعلته يضحك بصوت مكتوم بعدم مقدرة على التوقف، فمشاكستها أصبحت من أحب الهوايات لديه، ف استطردت بسأم: - يا حضرة الظابط انا قصدي تشوف العربية، لتكون سقطت مني وانا مش واخدة بالي اثناء توصيلك ليا. - امممم زام بها بفمه، ليكمل بلمحة من الجدية يتصنعها عن قصد: - خلاص يا لينا فهمت قصدك، على الرغم اني مش مقتنع بس حاضر، هدور واشوف. تنهيدة نزقة خرجت منها لتصله عبر الاثير أنفاس حاده قبل أن تنهي بما يشبه الإمتنان: - ماشي يا حضرة الظابط، ع العموم لو لقيتها يبقى شاكرين افضالك. ردد خلفها بتشدق: - لو لقيتها يا لينا هتصل واقولك ؟! - لو لقيتها يا سيدي اتصل وبلغني، سلام بقى - سلام . انهى المكالمة ليضع كف يده داخل جيب بنطاله، ثم يخرج هذا الشي الأنيق والذي وجده منذ الأمس بالصدفة بعد رجوعه للمنزل بعد زيارتهم، على المقعد الذي كانت تحتله، سلسال ذهبي يتدلى منه قلب مع عين زرقاء وكف فضي أيضًا لمنع الحسد، غمغم بمرح وهو يتأمله ويلفه حول سبابته: - ودا هندور عليه ازاي بقى؟ دا انا كدة لازم ادور بضمير عشان القاه. ❈-❈-❈ خرج من الغرفة ليجد والدته وشقيقه على مائدة السفرة في انتظاره، القى التحية على عجالة بدت كغمغمة وهو يسرع الخطا ليقترب ويجلس سريعًا، حتى سبقهم في تناول الطعام، عقب حسن محتجًا لوالدته: - بقالك ساعة لطعاني استنى الحليوة عشان نجتمع وناكل مع بعضينا، اديه خرج يحف من غير ما يستنانا ولا يقول بسم الله حتى. - والله العظيم سميت. قالها أمين يلوك في الطعام الذي يمتلأ به فمه، لتعلق مجيدة وهي ترمقه بابتسامة خبيثة: - معلش يا حبيبي اصل ما بينش عليك ابدًا انك نطقتها، اللي يشوفك ما شاء الله عليك يعني، يقول انك بتاكل لناس تانية معاك. تقلصت تعابير وجهه يدعي الضيق ليلوك ببعض التمهل حتى يسلم من السنتهم، ولكن مجيدة لم ترحمه: - لينا بتتصل عايزة تسألك في إيه يا أمين؟ توقف فجأة عن المضغ، وبدا وكأنه يفكر، قبل يعود للطعام مرة أخرى، يدعي إجابة بدون تركيز: - عادي يا ماما، بتسأل على حاجة كدة، هبقى اقولك عليها بعدين. ردت مجيدة بلهجة يملأها الإصرار: - وبعدين ليه بقى؟ ما تقول دلوقت. حاصرته بقولها، وهو لا يريد الرد لأنه لا يضمن فعلها، ولكن وفي رحلة بحثه عن رد مناسب تدخل حسن قائلًا: - يعني سبب التأخير في الخروج م الأوضة عشان انت بتتكلم في التليفون مع لينا؟ استغل أمين ليبعد تركيز والدته عنه فصاح بمبالغة: - وما اتكلم يا سيدي زي ما انا عايز اتكلم، ما انت بتحب طول الليل في التليفون مع خطيبتك، جات على العبد الغلبان يعني، انا قايم وسايبهالكم، دا انتوا بقيتوا غلسين اوي. وصل الى الباب الخارجي ليلقي بعبارته الأخيرة، قبل أن يغادر نهائيًا ويتركهما: - عالم غريبة والله. ردد حسن باستهجان وهو يطالع اثر الباب الذي صفقه شقيقه: - دا بيقول علينا احنا عالم غريبة يا ماما، هو الواد ده ماله؟ تبسمت مجيدة بمكر تجيبه: - معلش يا حبيبي، هو فاكر انه كدة هرب من سؤالي، ولكن حياتك عندي يا غالي، لاعرف منه هو نفسه كل حاجة، استنى عليا بس لما يرجع. ❈-❈-❈ بأعين متوسعة على وجه شاحب كشحوب الموتي، بتخيلها لما كان سيحدث بها وما حيك حولها من خطة غريبة للإيقاع بها، تسبقها شواهد هي وحدها من كانت تعاني منها ولا يشعر بها أحد. - انا كان هيتعمل فيا كدة؟ ومن مين؟ من حامد اللي بيشتغل عندي كمأن؟ صرخت بها بعدم استيعاب ليضيف على قولها كارم بحدة، وبدون تصديق نحو محمد الذي كان يسرد على عجالة: - ازاي يعني؟ دا راجلي اللي شغال تحت إيدي بقالوا سنين، يجي دلوقتي ويخوني بالطريقة الدنيئة دي؟ وانت..... وانت اللي تقدر على بغل زيه وتنقذ اختك؟ ايه الفيلم الهندي ده؟ تدخلت كاميليا بدفاعية عن شقيقها برد حازم وموجز: - والله الأسئلة دي انت اللي تحاول تلاقي اجابتها من نفسك، ولو تروح القسم اللي بلغنا فيه وتتأكد، واهو وبالمرة تعرف لنا مين الست اللي كانت معاه، أكيد ليها علاقة بيك يا كارم . قولها الاَخير اثار بقلبه الضغينة ليهدر بها والشرر يتطاير من عينيه: - انتي تخرسي خالص ومدخليش نفسك في الموضوع ده احسنلك. - إحترم نفسك يا أخ انت، انا مش هسمحلك تعلي صوتك على مراتي. قيلت بقوة قاطعة من طارق الذي كان واقفًا بتأهب لأي رد فعل منه، ليزيد على حنق الاَخر، يحدجه ببغض، قبل أن يرد له: - وانا إيش ضمني ان الموضوع ده ما يبقاش لعبة منك ولا من مراتك، بعد ما فشلت كل محاولات الصلح معانا أنا ومراتي. بحالة من الذهول الغير عادي رددت كاميليا بعدم استيعاب: - إنت مجنون؟ يعني انت بعد كل اللي قولناه ده عقلك برضوا بيفكر بنظام المؤامرة، وان كل اللي حصل دا لعبة مننا، انت مصدق نفسك؟ - أه مصدق نفسي. قالها بتحدي يثير التعجب، ليأتيه الرد المفاجئ من رباب نفسها: - بس انا مصدقة يا كارم، عشان كنت شاكة فيه بقالي فترة ونبهت عليك تغيره. تقلصت تعابيره بارتباك ملحوظ لقولها المباغت له أمام اعدائه، فخرج رده بدفاعية: - انتي قولتي انك عايزة تغيري السواق والحارس عشان مش عاجبينك، ما وضحتيش سبب منطقي عشان انفذ طلبك. - عشان مكانش معايا دليل. صرخت بها بأعين باكية وبقهر تتابع: - دايما كانت بتجيني رسايل مريبة من معجب مجهول، في الأول كنت بطنش، لكن لما زادت عن حدها اشتكيت لمروان اخويا، بس قالي متخديش في بالك، لكن الرسايل دي زادت حدتها لما بقى المجهول يوصف اللي لابساها ويحدد الأماكن اللي بروحها بالتفصيل عشان يجنني، كل ده كان بيخليني اشك في الاتنين حامد والسواق. مع قولها الصادم وهذه الحقيقية التي رمتها بوجهه وسط هذا الظرف وامام هولاء، اربد وجهه بظلام دامس، براكين الغضب في عينيه تقدح شررًا، عروقه اصبحت بارزة، يضغط على قبضته حتى ابيضت مفاصله، فخرج سؤاله من قعر الجحيم، يجاهد بكل قوته حتى لا يفتك بها أمامهم: - ولما انتي بيحصل معاكي دا كله، مقولتليش ليه؟ ردت بصيحة غير مبالية، وقد سقطت الأقنعة ولم يعد لديها ادنى طاقة للمواربة: - عشان كنت خايفة منك، لأن كنت متأكدة أن عمرك ما هتصدقني، السنين اللي عيشتها معاك خلتني عرفتك كويس، إنسان ظالم، والنية السيئة بتسبق عندك في أي شيء، كنت هتحط اللوم عليا، ومش بيعيد تق\تلني من غير بينة. - أنا كنت هعمل كدة؟ تفوه بها، يعتبرها إهانة في حقه، رغم زحام الأفكار التي كانت تدور كالرحا برأسه الاَن في هذه اللحظة، وبموقف القوة التي لا يتخلى عنها، تابع ينهي النقاش رافعًا سبابته أمامها بتهديد : - انا خارج دلوقتي حالا اتأكد من صحة الكلام ده، وسواء كان طلع صح ولا غلط، الحساب ما بينا وع الكلام اللي اتقال دلوقتي مش هيعدي بالساهل يا رباب. تحرك بعضبه وقبل أن يصل لنصف المسافة استدار مؤكدًا: - وحطيها قاعدة في دماغك. قالها متوجها لفتح باب الغرفة والذي تفاجأ باندفاعه للداخل فجأة، ليلج منه جاسر الريان وخلفه مدير امنه الشخصي إمام، تواجهت الأعين بحديث سريع ومقتضب، قبل ان يبادر جاسر بإلقاء التحية: - مساء الخير يا جماعة، عامل ايه يا كارم؟ أخرج كتلة من الهواء ليبدوا متماسكًا ومسيطرًا كعادته في الرد بلهجة تبدوا عادية: - أنا تمام وفل الفل يا باشا، بس مضطر اَسفًا إني أسيبك دلوقتي، عشان عندي مشوار ضروري لازم اعمله، عن أذنكم. ❈-❈-❈ ترجلت صبا من حافلة العمل الخاصة بموظفي الفندق وكانت في طريقها نحو وجهتها تتبع رئيسها الذي كان بالصدفة يمر أمامها، ولكنه لم ينتبه عليها خلفه، همت لتناديه حتى يقف وينتظرها لترافقه إلى القسم ولكن رنين الهاتف منعها، توقفت لتنظر من المتصل، فتقلصت تعابير وجهها بالضيق وهي ترى الرقم المميز على شاشة الهاتف أمامها، لتستجيب مضطرة للرد على صاحبه وقد تذكرت كلماته بالأمس عن وضع مودة: - الوو السلام عليكم. - السلام عليكم يا صبا، عاملة ايه بقى؟ سألها بنبرته الهادئة والتي دائمًا ما تثير عصبيتها، تمالكت لترد بجديتها المعهودة: - تمام والحمد لله يا فندم، كنت عايزة أسألك بقى عن مودة. - كدة ع التليفون يا صبا. قالها ليصدر صوت طقطقة بفمه قبل أن يتابع: - أنا منتظرك تجيني عشان افهمك الوضع كويس. اومأت برأسها ترد سريعًا: - تمام تمام يا فندم، يعني انا دلوقتي لو جيت المكتب هدخل على طول . - لأ. قالها لترد بعدم فهم: - لأ ليه؟ ردد يؤكد لها: - بقولك لأ يا صبا، عشان انا مش موجود في الفندق النهاردة، انا عندي اعمال تانية بتابعها، لكن عشان خاطرك مخصوص اضطريت اوقف النهاردة ساعة وانتظرك في المطعم. باستنكار احتلط بعدم التصديق رددت خلفه: - مطعم ايه اللي عايزيني اجيلك فيه؟ اجابها محافظًا على هدوئه المستفز، - المطعم اللي جتيه المرة اللي فاتت يا صبا في عيد الميلاد ولا انتي مش فاكرة؟ افتر فمها وهمت أن تجيب برد غبي وليحدث ما يحدث بعدها، ولكن صوت الحكمة بداخلها لجم لسانها في اَخر لحظة، ليخرج صوتها وبصعوبة شديدة تجاهد لكبح انفعالها: - يا فندم مينفعش انا المرة اللي فاتت روحت على عزومة كلها بنات، لكن دلوقتي بقى اروح ليه على مطعم غريب مع راجل غريب، مع احترامي طبعًا لحفظ الألقاب مع حضرتك، بس دا مينفعش معايا، دا...... - صبا انا مش تحت أمرك انتي وصاحبتك. قالها بحزم وقد تخلى عن بروده ليردف: - عارف ان تقاليدك تمنعك بس انا مش طالبك في شقة خصوصي، دا مكان عام وانتي جاية بصفتك موظفة عند رئيسك صاحب العمل بخصوص مشكلة تخص زميلتك في العمل. توقف برهة يصله صوت أنفاسها، ليتابع بصرامة: - قدامك ساعة تحصليني فيها قبل ما امشي واسيب المطعم، دا لو عايزة حل لصاحبتك، لكن لو مش عايزة انتي حرة ، أنا مش راجل فاسد ولا سيء السمعة عشان تخافي مني، عن أذنك يا صبا. قالها وأنهى المكالمة، ليتركها في تخبطها وقد فاز في هذه الجولة بتكبيلها ونزع الخيارات عنها ، لتوافق مجبرة، فلا مناص من التهرب او التراجع لقد بدأت طريق ومن الواجب أن تنهيه، ضربت بقدمها على الأرض لتستدير مغادرة نحو المطعم البائس، مغمغمة بالكلمات الحانقة عليه وعلى اليوم الذي رأت فيه مودة واليوم الذي طلبت فيه من شادي مرافقة هذه الفتاة للعمل معها هنا في الفندق. ❈-❈-❈ - وايه تاني كمان؟ كملي. قالها ابراهيم في جلسته مع أمنية على إحدى الكافيهات الشعبية والمنتشرة على كورنيش النيل بكثرة، لتتابع له الأخرى بأسلوب يقارب الولولة، وهو يستمع بانتباه شديد دون كلل أو ملل: - أكمل ايه تاني؟ بقولك جايبلها هدايا ياما وكلهم حاجة فاخر من الاَخر زي ما بيقولوا، دا انا صورت الطقم الفوشيا بس وسألت على تمنه في جروب ع الفيس، عرفت انه غالي نار، عارف يعني ايه غالي نار؟ يعني الطقمة اللي اشتريتهم كلفوا العريس مبلغ وقدره وهو لسة حتى مكتبش كتابه، ولا حتى لبس دبل، واخد بالك بقى من الكلام ده يا براهيم؟ نثر بطرف سبابته الرماد المحترق من السيجارة التي يدخنها ليسألها بهدوء مريب: - قصدك إيه يا أمنية؟ مش فاهمك ضربت بكفتيها على فخذيها مرددة بغباء أعماها عن هيبته الغير مطمئنة: - لأ انت فاهم يا ابراهيم، يعني متعملهمش عليا، دا انت يدوب لبستني الشبكة وكأنها خلصت على كدة، مفيش مرة جيبلتي فيها شنطة ولا جزمة ولا بوك حتى، مش هدووم بالكوووم، كدة مرة واحدة. بابتسامة جانبية جافة رمقها وهو يدخن من سيجارته بنهم، لينفث الدخان في الهواء، قبل أن يفاجئها بقوله: - عينك زاغت ع البشمهندس ابن الناس يا أمنية، ومبقتش انا مالي عينك صح؟ بوجه انسحبت منه الدماء، وقد وعت لنفسها بعد هذا الإسهاب الأحمق منها، لتردد نافية على الفور برعب، تخشى رد فعله العنيف: - لا والله يا ابراهيم، أنا عمري ما اقصد الكلام ده، دا انا بس بقول ع الهدايا، ااا أصلها عجبتني بصراحة، وبنفس الوقت اضايقت، عشان انا الصغيرة، يبقى انا الأول بالدلع ده كله، مش هي. على نفس الوتيرة أردف بلغة النصح ليزيد على جزعها: - يا بت خالتي انا مش غريب عنك، انتي عرفاني وعارفة حالي م الأول، أينعم ابويا مقتدر، بس انا اخري باخد اجرتي زي أي عامل عنده في الدكان، يعني هاجي اي بقى جمب البشمهندس خطيب اختك ولا اخوه الظابط، ولا والدته اللي عاملة فيها الست المتواضعة، وهي راشقة في عيلة تسد عين الشمس بالبهوات رجال الأعمال ولا الرتب العالية فيها. - إنت جيبت المعلومات دي منين؟ سألته وقد اعتراها اندهاش شديد من كم المعلومات التي يلقيها عليها مرة واحدة وبدون تمهيد، فجاء رده بنبرة تقارب الإقناع: - طبعًا سألت عشان اعرف أصلهم وفصلهم، ولا انتي فاكراني هعديها كدة؛ ان واحد غريب يدخل على خالتي وبنات خالتي، من غير ما اعرف هو مين ولا عيلته ايه؟ كالعادة وبدون تفكير أو تدقيق، صدقت حجته لتردف بغليلها: - عشان كدة بقى، شايفة نفسها وبتقول يا أرض انهدي ما عليكي قدي، طبعًا من حقها، فضلت تستعبط وتقول انا مش عايزة اتجوز، وهي بتنمر ع الجوكر اللي يقش، ااه. خرجت الأخيرة منها بحرقة تعض على قبضتها المضمومة من الغيظ، عقب على هيئتها بابتسامة ماكرة: - محروقة منها أوي انتي يا أمنية. ردت موافقة بتحسر: - أوي يا ابراهيم أوي، اصلك متعرفش هي اتغيرت وبقت ازاي؟ دي بقت مهتمة أوي بنفسها، بتحط كريمات ومكياج، وتلبس الجديد، لو شوفتها النهاردة وهي نازلة الشغل هتصدق كلامي . - شوفتها. دمدم بها بداخله وبذهنه يعيد الصورة الجديدة لها، أو بمعنى أصح، تستعيد أمجادها القديمة، في الجمال والأناقة التي كانت تتميز بها، دونًا عن كل فتيات المنطقة، الحلم الذي كان يؤرق لياليه طويلاً. - سرحت في إيه يا براهيم؟ قالتها أمنية لينتبه لها، فنظر لها بمكر قائلًا: - في حالكم طبعا يا أمنية، اصلي يعني جوازة عليوي زي دي، أكيد لازمها جهاز عليوي من اختك، ودا طبعا هيكلف أضعاف. رددت بسخط وقد تلون وجهها بالغضب: - يكلف أضعاف، ودي هتجيب منين ان شاءالله؟ ولا هي فالحة بس تعملهم عليا وتقول ان مفيش فلوس لجهازي؟ مط بشفتيه يردف بفحيح: - يبقى لازم تخلي بالك يا أمنية وتبقي عينك على كل قرش داخل أو خارج، دي ممكن تشتري عمارة وانتوا بهبلكم مش حاسين. وقع قلبها تحت قدميها لتصيح بعدم احتمال تخيل الفكرة نفسها: - يا نهار اسود، يعني ممكن تعملها صح؟ طب انا هعرف ازاي يا ابراهيم؟ أخرج من فمه دخان كثيف بانتشاء وقد وصل إلى مبتغاه ليردف: - انا هقولك يا أمنية هتعملي إيه؟ ❈-❈-❈ وصلت إلى الطابق الثاني من المطعم، بعد سؤالها عنه في الأسفل فور ولوجها بداخله، لتجد إحدى النادلات تسحبها من يدها بعد أن عرفت عن هويتها، ثم تأتي بها إلى هنا ، في هذه القاعة الفاخرة، والمحاطة بالزجاج الشفاف من كل الجهات، بإضاءة طبيعية، نتيجة الشمس التي تحدها من جميع النواحي، ومع برودة المكيف المركزي، لتجعل جوًا مميزًا من الرقي والرفاهية المبالغ فيها، وصاحب المطعم جالسًا على طاولة مستديرة وحده، ارتصت أمامه العديد من الأصناف الخاصة بالمطعم، يتابعها بعينيه وهي تقترب بخطوات مترددة، وشعور بعدم الراحة يطبق على أنفاسها مع هذا الهدوء المريب وخلاء المطعم من الرواد. - السلام عليكم. القت التحية فور أن وصلت إليه، لتجده انتفض واقفًا بزوق أجفلها، لتمتد كفه إليها بغرض المصافحة قائلًا: - وعليكم السلام، إزيك يا صبا؟ بفعل طبيعي اضطرت لمبادلته المصافحة، مع إحساس بعدم الجدوي لذلك، الا تكفي التحية الشفهية: - اهلا يا فندم. قالتها باقتضاب وقد تمكنت من سحب كفها سريعًا، أدهشه فعلها فابتسم ليجلس ويدعوها: - اقعدي يا صبا. خرج ردها سريعًا بانفعال: - اقعد فين يا فندم؟ المطعم فاضي. زاد اتساع ابتسامته وهو يستريح بجلسته على المقعد قائلًا بتسلية: - فاضي فين يا صبا؟ امال انا قاعد هنا بعمل إيه؟ ولا الجرسونات اللي واقفين ورايا دول، شفافين أوي لدرجادي يعني عشان متشوفيهمش؟ نظرت صبا نحو ما يقصد لعدد من الندلاء فتيات وفتيان واقفين بتأهب، لخدمة السلطان المعظم، والذي كان يستفزها بعنجهيته وهذا التعالي المبالغ فيه، رغم تكرار دعوته بلطف: - يا صبا اقعدي، هو انتي هتفضلي واقفة؟ أخرجت كتلة من الهواء محتجزة داخل صدرها ، لتجلس وتنهي هذا المشوار الثقيل. انتشى بداخله ليبادره بقوله: - اتفضلي بقى افطري معايا؟ باستنكار اعتلى ملامحها ردت بالرفض محتجة: - لا طبعا مينفعش افطر حضرتك، افطر انت بألف هنا وشفا. قابل رفضها بمناكفة قائلًا: - ومالك بتقوليها وانت متعصبة كدة، دا فطار يعني حاجة بسيطة، ثم انا كمان محبش اكل لوحدي. بدت الشراسة تتراقص على صفحة وجهها بشكل زاد من تسليته لترد بانفعال يقارب الفظاظة: - يا فندم بقولك مينفعش، دي عادة واتعودت عليها، أخري كباية شاي بلبن وفيها بسكوتة، أكتر من كدة مقدرش. - طب ما هي دي عادة غلط على فكرة يا صبا، لازم الفطار يبقى متكامل عشان صحة الفرد. قالها ببرود كاد أن يصيبها بجلطة دماغية، بعدم قدرة على التحمل تنحت بوجهها عنه، حتى لا يزلف فمها بحماقة قد تضرها، ثم ما لبثت أن تعود بابتسامة صفراء تجيبه: - ماشي يا فندم، لو قدرت اغير العادة الزفت دي، هغيرها ان شاء الله، المهم دلوقتي انا عايزة اسألك عن موضوع مودة، انا سايبة شغلي ولسة ممضتش حضور. كان بوده المماطلة أكثر من ذلك ولكنها حاصرته بقولها المباشر فلم يجد أمام سوى الرد، تاركًا طعامه، ليركز كل حواسه معها: - ماشي يا صبا هجاوبك عشان متتأخريش، ما انا برضوا مرضاش بأذيتك.... ركزت اهتمامها بشكل كامل معه، ليتابع بحرص حتى لا يتوه ببحر عينيها التي انعكس الضياء عليها، ليزيدها بهاءًا وروعة: - شوفي يا ستي أنا كلمت مدام ناهد صاحبة الخاتم ، هي في الأول كانت معترضة، بس انا لما ضغطت وافقت اخيرا بس بشرط: - شرط إيه؟ - الشرط هو انها تمضي على وصل أمانة بتمن الخاتم، لضمان رجوعه. دمدمت بعدم استيعاب: - إيه؟ وصل أمانة، يا نهار اسود، وافترض ملقتهوش هيحصل إيه؟ رد يمط شفتيه بعدم اكتراث: - دا كلام الست وحقها على فكرة، انها تملك ضمان في إيديها، ولا انتي مش ضامنة صاحبتك ترجعه؟ ردت عن قناعة أدهشته: - انا لو مش واثقة فيها رغم كل عيوبها مكنتش هتدخل لها، ولا كنت هتجرأ واكلمك عشانها. عاد بجسده للخلف بتفكير عميق وعينيه لا تحيد عن تفاصيلها على الإطلاق، ليردف بعرض آخر: - خلاص يا صبا مدام انت واثقة فيها اوي كدة، ما تضمنيها انتي عند الست، انا شايف انك شكلك ثقة، ولو اتدخلت انا بتقلي كمان ممكن اخليها توافق على كدة. ❈-❈-❈ جيرمين! ضرب الأسم برأسها كصاعق كهربائي دفعها بعنف عليًا فجأة قبل أن يوقعها مغروزة لسابع طبقة في الأرض، على الفور اكتنفها دوار جعلها تميل للخلف برأسها، مغمضة عينيها بتعب، انتبهت عليها كاميليا لتتلقفها سائلة بخوف: - ايه مالك يا رباب؟ حاسة بتعب ولا حاجة؟ تطلع الجميع لها بانتباه، ف استدركت كي لا تزيد أمرها سوءًا مرددة بلهجة مطمئنة: - اطمنوا يا جماعة مفيش حاجة، انا بس استغربت من الأسم، دي جوزها يبقى ابن عم كارم، راجل كبير ومحترم......و... هو انتوا متأكدين من الكلام ده. - أيوة طبعًا متأكدين. قالها حامد ليتابع شارحًا: - كاميرات العمارة والشارع، جايبة الست بطولها من ساعة ما دخلت الشقة اياها ولحد ما خرجت بتجري تركب عربيتها، إحنا مجيبناس حاجة من عندنا. اضافت على قوله كاميليا بظن رأسها لما تعلمه قديمًا بوجود علاقة وثيقة لهذه المرأة مع كارم: - الست دي بتنتقم من جوزك فيكي، أنا عارفة من الأول إن في علاقة تجمعها بيه. اومأت لها بهز رأسها وقد جف ريقها لهذه المصيبة الغير متوقعة على الإطلاق، ماذا تقول؟ والحقيقة المخزية لفعلتها في تصوير المرأة في علاقتها مع زوجها، هي المسبب الرئيسي لكل ما حدث. وصلها صوت طارق بحنو يطمئنها: - متقلقيش من حاجة يا رباب، ولا تشيلي هم جوزك المجنون ده، احنا كلنا حواليكي بقلبنا، ندافع عليكي بروحنا. اضاف جاسر على قوله: - دا غير ان اللي عملوا كدة هيتجابوا من قفاهم، البوليس شغال واحنا كمان شغالين ومش هنهدى غير لما يتحاسبوا وياخدوا جزاءهم. إمام هو الاَخر خرج قوله بتفاخر وأعين مشبعة بأعجاب نحو محمد: - وراكي رجالة يا ست رباب، واديكي شوفتي بنفسك اصغر فرد في العيلة حلها لوحده من غير بوليس ولا مساعدة، بطل على حق. تبسم الجميع ردًا على قوله، كما ضحك محمد مرددًا له: - واحنا نيجي فيك ايه بس يا عم تايسون. اطلق إمام ضحكة عالية قبل أن يرد بجدية هذه المرة: - حلوة تايسون دي، بس عشان منبقاش اللي بنهيل بزيادة للبطل قبل ما يتغر ويقع على راسه، انت غلطت يا محمد. بصدمة وتحول مفاجئ من الفرح إلى شعور بعدم الفم سأله مندهشًا: - أنا غلطت طب في إيه؟ جاءه الرد من جاسر هو الاَخر: - مكانش لازم تدخل شقة غريبة وتتواجه مع واحد بالحجم ده، دا ممكن كان ق\تلك ساعتها، او كان عمل فيك حاجة بشعة لا قدر عشان يكتم نفسك. رد محمد بدفاعية مبررًا: - ما انا مكنتش فاهم حاجة والله، كل اللي كان في دماغي هو إني اطمن عليها، تفكيري ساعتها مكنش موصل انها عملية خطف نهائي. رد إمام بابتسامة مشاكسة غامزًا: - دا عشان كان حظك حلو، بالك انت لو كبير شوية كنت أكيد هتفكر قبل ما تخطي خطوة وتعمل حسابك كمان، بس برضوا دا كان كرم من ربنا، خطوتك الغير محسوبة دي عجلت بإنقاذ اختك قبل ما يحصل فيها حاجة على ما يجي البوليس. - الحمد لله. تمتم بها الجميع بارتياح، مترافقة مع دمعات ساخنة سقطت على وجنتي صاحبة الأمر، وقد أثرت فيها الكلمات التي عنت لها الكثير الاَن. توقفت على طرق على باب الغرفة، قبل أن يلج لداخل الغرفة رجل غريب موجهًا حديثه للجميع : - هي دي غرفة مدام رباب؟ أنا الظابط المكلف بالتحقيق معها في قضيتها ❈-❈-❈ بداخل قسم الشرطة وعلى الكرسي المقابل لحضرة الضابط المتابع لق\ضية زوجته، كان يتناول منها الصور التي انطبعت من كاميرات التسجيل في المبني والشارع ، يشرح له بإيجاز عما تم التوصل إليه: - زي ما انت شايف حضرتك، دي صورة الراجل اللي اتعرف عليه اخو المدام وقال ان اسمه حامد من كلام حارس العمارة وبنته، واللي قالوا كمان، انه صاحبنا ده كان مأجر الشقة من شهور بس، فكان بيتردد عليها لوحده والست دي اللي ظهرت معاه امبارح، كانت اول مرة تزور الشقة، دخلت بنسخة من المفتاح وفضلت مستنياه على ما وصل بالمدام ، زي انت شايف كدة يا فندم، وهو شايلها متخدرة بمادة قوية مستوردة من الخارج، على حسب كلام الطبيب اللي اسعفها. بدم يغلي كسيل الأسيد الحارق في أوردته، كان يتأمل الصورة وهذا الحيوان الذي يضع يده على زوجته ويحملها حتى يفعل بها ما يشاء، وبمشاركة من جيرمين، عشيقته السابقة والتي تركته من نفسها، بعد مدة قصيرة من زواجه، الكلب الخائن والعشيقة الفاسدة، ترى ما الذي جمع بينهما، ليتفقا عليه؟ وينتقما منه في زوجته؟ إجابة السؤال سيعرفها قريبًا بعد أن يأتي بهم كالبهائم ، ليذيقهما من الوان العذاب شهورا وايام، حتى يكتفي، قبل أن يتخلص منهما. - كارم باشا. هتف بها الضابط حينما طال تأمله في بعض الصور، رفع رأسه بتماسك يحسد عليه، ناظرًا إليه بتساؤل، فتابع له: - كنت عايزة اسألك يعني لو تعرف الست دي ، زي ما اتعرفت على حامد الحارس بتاع المدام بصفحة ثلجية شملت ملامحه، رسم الجمود يجيب بإنكار محكم: - طبعا اعرفها، دي تبقى مرات ابن عمي اللوا نجيب، بس انا اللي اعرفه انه راجل محترم، متخيلتش ابدًا أن مراته تطلع بالأخلاق دي .... الفصل الثلاثون . منكفئة على بعض الحسابات والأوراق الهامة التي تعمل عليها؛ كانت تجاهد وبصعوبة في التركيز لأنهائهم، فنظراته المصوبة نحوها بهذا القرب، وقد كان جالسًا مقابلًا لها على الطرف الآخر من المكتب، مستندًا بمرفقه يطالعها برأس مائل يشاكسها بتلاعب حاحبيه حتى لم تعد قادرة على كبت الضحك أكثر من ذلك لتهتف به محتجة: - ما كفاية بقى يا عم، هو انت حد مسلطك عليا؟ بنظرة البريء المتهم بالظلم اشار بسبابته على صدره قائلًا: - أنااا، أنا يا شهد متسلط عليكي؟ طب ليه؟ دا انا حتى قاعد بريء ومؤدب. - أووي قالتها ساخرة لتتابع مرددة بضحك مكشوف: - مؤدب اوي بصراحة يعني، أموت واعرف، هي لو مكنتش أبلة مجيدة شديدة وصعبة في تربيتك على حسب كلامك، ساعتها كانت اخلاقك هتبقى ازاي يا حسن؟ رد مضيقًا عينيه يقارعها بمناكفة: - يعني انتي شايفاني مش متربي؟ ليه يا شهد واخدة عني الفكرة الوحشة دي؟ ايه اللي أوحالك بكدة؟ ضربت بكفيها ضاحكة بملأ فمها مرددة خلفه بسخرية: - إيه اللي أوحالي؟ انت كمان بتسأل وعايز إجابة؟ يا حسن اعقل عايزة اخلص الحسبة المنيلة دي، بقالي ساعة بعيد وازيد على نفس البند من أفعالك. - تاني برضوا هتقولي أفعالك؟ دمدم بها ليباغتها فجأة بخطف المستند قائلًا بعملية: - طب هاتي بقى وخلينا نشوف الحسبة دي، حتى عشان نروح بقى كفاية. ردت معترضة بعند محبب: - طيب ما تروح انت يا سيدي حد ماسكك؟ رد غامزًا بعينيه: - الهوى هو اللي ماسكني ومثبتني، اعمل ايه بقى في قلبي؟ - سلامة قلبك. قالتها بدلال الأنثى، وقد ابهجتها كلماته ومزاحه اللطيف الذي ينزل على قلبها كنسمة رقيقة مرطبة في عز حر الصيف القاسي، أو كغيث يسقط على الأرض القاحلة، لتُزهر وتخضر بالوان مخلتفة للورود. وجاء رده بزوق لا يخلو من المداعبة: - شالله يسلمك يارب ويحفظك، وينولك اللي في بالك، وتتجوزيني. - وايه؟ تفوهت بها لتنطلق بموجة أخرى من الضحك المتواصل، حتى تخضب وجهها بالحمرة التي كانت تجعلها شهية في عينيه كقطعة فروالة طازجة، لتعلق اخيرًا: - إنت مشكلة يا حسن، أقسم بالله ملكش حل. - لا والله في حل، اتجوزيني وانا اقولك الحل فين. قالها متابعًا لمزاحه الذي لا ينتهي، وقبل أن تتمكن شهد من الرد عليه، تفاجأت بالصوت القبيح: - بسم الله ما شاء، منورييين. توقفت عن الضحك والتفت رأسها نحوه لتفاجأ به ساحبًا معه همها الثقيل شقيقتها، والتي القت تحيتها بابتسامة ماكرة: - مساء الخير عليكم يا جماعة؟ ردد حسن خلفها التحية، ولكن شهد انتفضت تسألها بقلق: - خير يا أمنية في حاجة؟ تولى ابراهيم الرد وهو يقترب مصافحًا حسن بمودة كاذبة: - هيكون في إيه بس يا شهد؟ عامل ايه يا بشمهندس؟ كويس؟ بادله حسن المصافحة بابتسامة صفراء: - كويس ولله الحمد، أزيك انت؟ - وانا كمان اشطة قالها ليتجه نحو شهد التي كانت تطالعهم بتوجس، وشعور بعدم الارتياح يكتنفها بمجيئهم، فقالت امنية مخاطبة لها: - احنا كنا بنتفسح قريب من هنا، طأت في دماغي اجي اشوف مكتب ابويا الله يرحمه، انتي بتشتغلي فيه لوحدك يا شهد؟ قالتها بنظرة خاطفة نحو حسن أيضًا لتثير حفيظتها، فهمت شهد على خبث تلميحها المبطن، وحدجتها بنظرة محذرة تقول مشددة على أحرف الكلمات: - احنا في مكتب شغل، يعني الباب مفتوح لأي حد يدخل، زي ما دخلتي كدة انتي وخطيبك، من غير احم ولا دستور حتى، هو انتوا كنتوا فين بالظبط؟ رد ابراهيم وعينيه تتجول في انحاء المكتب ، لتقف على الصورة المؤطرة الكبيرة على أحد الحوائط لوالد شهد: - ما قالتلك كنا قريبين من هنا يا شهد، الله يرحمك يا عمي ويبشبش الطوبة اللي تحت راسك، كنت طيب وأمير، وبتموت فيا. قال الأخيرة موجهًا أنظاره نحو حسن الذي ردد خلفه هو الاَخر: - كان بيموت فيك! ...... طب كويس. قالها بعدم اكتراث ليزيد من احتقان الاَخر، وعلقت شهد وهي تنهض لتلملم الملفات والأوراق الهامة من فوق سطح المكتب: - معلش هنقطع عليك حبل ذكرياتك مع الوالد الله يرحمه ويحسن إليه، عشان يدوب عشان ميعاد المرواح أزف. تدخلت أمنية قائلة: - كدة على طول ماشين، هو احنا لحقنا نقعد عشان تمشوا وتسيبونا؟ صاحت بها شهد وقد كانت على حافة الإنفجار: - تقعدوا فين، احنا هنمشي كلنا، بقولك ميعاد المرواح أزف. قالتها وهي تضع الملفات في أحد ادراح المكتب، لتغلقها جيدًا بالقفل، قبل أن ترفع رأسها على قول الأخرى: - ربنا يعينك يا أختي، بكرة بقى لما اساعدك، هشيل عنك كتير اوي. - نعم؟ تفوهت بها شهد كسؤال، وقد ظنت أنها سمعت خطأ، لتردف لها بتأكيد: - بقولك هساعدك يا حبيبتي، يعني تتشطري كدة وتجبيلي مكتب في الأوضة الصغيرة اللي جوا دي، أو حتى جمبك هنا، عشان امسكلك الحسابات، واشيل عنك بقى. افتر فاهها في محاولة لاستيعاب ما تقوهت به، وحركت رأسها باستنكار يقارب السخرية لتردد: - نعم يا ختي؟ سمعيني تاني؟ ❈-❈-❈ - باباااا هتف بها الأطفال بلسان واحد وهم يركضون نحو مدخل باب القصر الذي ولج منه بغتةً، ليرفعهم إليه ويقبلهم. ميسون التي تفاجأت بحضوره تسمرت على أريكتها باضطراب افقدها توزانها، فبرغم غضبها والقهر الذي يشق قلبها منه، إلا أنها لا تنكر هذا الصخب الدائر بصدرها الاَن، لوعة الإشتياق التي فاقت ألم الفراق، تجاهد لضبط انفاسها المتلاحقة حتى لا تفضحها، وهو يقترب منها بحضوره الطاغي والأطفال، حتى بلغ منها الإرتباك أن تشعر ببرودة طفيفة بأطرافها ترقبًا لتحيته، أو ربما عودته، أو ربما مصالحتها. - هاي ميسون . قالها بإماءة خفيفة برأسه نحوها، أصابتها بخيبة أمل بدلت بها كل المشاعر التي داعبت خيالها منذ قليل، انه حتى لم يكلف نفسه عناء مصافحتها، أن تعانق كفه كفها، أن تشعر ولو لثواني قليلة بدفء قربه الذي حرمها منه منذ شهور، جلس أمامها على أحد المقاعد وهو ما زال يحتضن طفلها الأصغر، واليد الأخرى تناكف الاَخر بالتمرير على شعر رأسه الكستنائي القصير، يتجاهلها عن عمد وكأنها جماد كالأريكة التي تجلس عليها، جاف وقاسي معها، ومع ذلك يمارس دور الأب الحنون مستغلًا عدم نضج الأطفال في السؤال عن بعده. ابتلعت غصتها وقد تصلب جسدها، لترتدي هذا القناع الصقيعي في ادعاء عدم الأكتراث ردًا لكرامتها المهدرة، لتهتف بتجهم: - إياد ، زياد، روحوا انتوا الاتنين على اوضكم وكفاية لعب بدا على وجه الأول الاعتراض ولكن الأصغر كان أكثر جرأة في التعبير عن احتجاجه: - انا عايز أفضل مع بابي، مش عاور اروح اوضتي. زادت بحدة وشراسة يحركها العند: - أنا قولت روحوا دلوقتي...... عايزة اكلم بابا في موضوع مهم. سمع الاَخير لينزل بطفله على الأرض، يهادنه ويطالب الاَخر لاتباع الأمر: - اطلعوا دلوقتي على أؤضكم واجهزوا، عشان نص ساعة كدة وهنخرج نتفسح. هلل الإثنين بكلمات المرح، قبل أن يركضا سريعًا لتبديل ملابسهم في انتظاره، وحين خلى المكان عليهما سألها: - نعم يا ميسون عايزة إيه؟ اردف بسهولة زادت من سخطها لترد بانفعال متخلية عن واجهة القوة التي تتصنعها: - عايزة اعرف ايه أخرتها؟ اخرة الهجران دا إيه يا عدي؟ مط بشفتيه يضع قدمًا فوق الأخرى ليجيبها ببرود: - السؤال ده تجاوبي عليه انتي يا ميسون. سألته بخفوت وقد توجست من إجابة تُحزنها: - يعني إيه؟ وضح أكتر. بلهجة المسيطر الواثق نهض فجأة عن مقعده يصعقها بقوله: - لا انتي فاهمة كويس يا ميسون، حددي انتي عايزة ايه وانا تحت أمرك في كل اللي تطلبيه، عن أذنك بقى اروح اشوف والدتي في جناحها. بصق كلماته وتحرك ذاهبًا نحو مقصده، غير عابئًا بأثر القرار عليها، وقد توقف النفس بصدرها، أو هو مفعول الصدمة التي أصابت قلبها فنسي أن يعمل. بهذه السهولة يخيرها على الفراق! بهذه السهولة يلفظها من حياته، وكأن ما بينهم لم يكن شيء ذا قيمة يستدعي المحاولة لإصلاحه، وان كان هو كذلك فكيف سيكون وضع الأطفال؟ ❈-❈-❈ وفي داخل مقر عمله بقسم الشرطة، وبعد أن عاد من مأمورية سريعة لم تستغرق منه وقتًا كبيرًا أو جهد مضاعف، في القبض على أحد المجرمين المبلغ عنهم في أحدى المدن الساحلية، وكأن مزاجه الرائق بهت أيضًا على حظه اليوم حتى في العمل، جلس بأريحية على مكتبه ليتناول الهاتف لإجراء المكالمة التي يؤجلها منذ الصباح،، فجاء الرد بعد فترة وليس على الفور كالمرة السابقة: - ألوو مين معايا؟ - ألوو أنا أمين يا لينا، عاملة ايه بقى؟ صمتت لبرهة قبل أن يصله ردها: - اَه.... هو انت اتصلت بيا قبل كدة من الرقم ده، عشان حاسة ان الأرقام دي مش غريبة عني. أبعد الهاتف عنه قليلًا، ليغمغم بصوت خفيض لم يصل إليها: - من مرة واحدة وحفظتي الأرقام، دا انتي اروبة وحقنة كمان. - ألوو يا حضرة الظابط، روحت فين؟ هتفت بها من الناحية الأخرى حينما طال صمته، ورد يجيبها على الفور: - أيوة يا لينا أنا معاكي،، ااه انا كنت بتصل بخصوص السلسلة اللي قولتي عليها. ردت بلهفة: - أيه ده بجد؟ لقيتها يا أمين. تبسم بمكر يجيبها: - انا لقيت واحدة، بس انتي لازم تقولي عن المواصفات عشان اتأكد. - مواصفات ايه؟ هي لدرجادي العربية عندك سداح مداح، ولا هما كتير أوي كدة. فهم مقصدها فتابع بخبث دون أن يصحح لها الخطأ: - الله يا لينا، كتير ولا قليلين بقى، مش تقولي عن مواصفات سلستلك عشان لو مش مطابقة ادور بقى على صاحبة النصيب. زفرت بصوت عالي كاد أن يثقب أذنه، لتردف بحنق: - السلسلة دهب واحد وعشرين، وو.... - خلاص يا لينا انا واثق فيكي، خلي بقية المواصفات لما اقابلك وتشوفيها بنفسك. - تقابلني فين؟ - هبلغلك ع المكان بس قوليلي انتي بتخرجي امتى من الشغل؟ ❈-❈-❈ -- جيتي لوحدك يعني المرة دي يا نور، دا حتى قبل ميعاد الجلسة. تفوهت بها الطبيبة التي كانت جالسة أمامها، تطالعها بتمعن، وقلمها الذي تدون به الملاحظات داخل دفترها تتلاعب به، شاعرة بأن بها شيئًا ما متغير. لترد الأخرى بعد أن ارتفعت أنظارها إليها، بنبرة خاوية: - يمكن عشان اختصر واخلص بقى، بدال ما احنا بندور في دايرة مفرغة كدة، مفيهاش أي نتيجة. تبسمت المرأة ترد عن قناعة: - انتي بتقولي مفيش، بس انا متأكدة ان في نتيجة بدليل قعدتك قدامي دلوقت. بسخط لم تقوى على كبته وشراسة المضطر لفعل شيئًا ما مرغمًا، هتفت بها: - عشان انا اللي قررت اتكلم بعد ما تعبت وفاض بيا، هتكلم عشان تعرفي اني على حق. حافظت الطبيبة على هدوئها وزادت في اللطف كي تمتص غضب الأخرى: - طيب براحة على نفسك، لو انتي حاسة إن الكلام هيتعبك، بلاها منه. صاحت بها معترضة: - لأ مش بلاها، ومتكررهاش تاني عشان ممكن اخرج دلوقتي وساعتها مفيش رجوع عن قراري. بكل سهولة قارعتها الطبيبة: - براحتك يا نور للمرة الألف بقوهالك، أنتي حرة . - لأ مش حرة. قالتها لتصمت برهة تبتلع الغصة التي تشق حلقها من الألم ، ثم أردفت رافعة راية الاستسلام، مسبلة أهدابها بتوتر جعل ارتعاش طفيفًا يغلف صوتها: ‐ أنا عمري ما كنت حرة، ولا عمري كنت الشخصية اللي انا عايزاها، أنا واحدة بائسة ابتدت حياتها بحلم جميل كنت عايزة أحققه، لكن للأسف تمن تحقيق الحلم دا كان غالي غالي أوي، تمنه كان اللعنة اللي هتفضل مرافقاني وتمنع عني أجمل أمنية تتمناها واحدة، وهي إنجاب طفل.... توقفت وكأن الكلمات اختنقت بجوفها، شعرت بمعاناتها الطبيبة، ولكنها ظلت صامتة تعطيها المجال كاملا دون تشوش لتخرج ما في صدرها، فخرج صوتها بعد فترة من الشرود جعلتها تبدوا وكأنها داخل الذكرى: - أنا هحكي من البداية. ❈-❈-❈ بداخل السيارة التي كان يقودها حسن، تجاوره شهد على المقعد الأمامي، وقد احتلت شقيقتها وخطيبها ابراهيم المقعد الخلفي، بعد أن تطوع حسن بدعوتهم ليُقلهم للمنزل، وياليته ما فعل. - عارفة يا شهد، ابراهيم النهاردة خدني على أحلى كازينو ع الكورنيش، دا غير الهدية الغالية اللي جبهالي، بوكس كبيرة مليان بكل حاجة بحبها. هتفت بها أمنية في رغبة لإظهار نفسها، وبثرثرة لم تكف عنها من وقت دلوفها السيارة بصحبة المذكور والذي انتفش ريشه يوزع الأنظار بين من يحتلان الكرسين الأماميين، ليضيف بزهو لا يليق به: - تعيشي وتدلعي احبيبتي، انتي اؤمري بس وكل اللي تشاوري عليه يا نونتي يُجاب. رددت شهد خلفه بعدم استثاغة لدلاله السمج. - نونتي؟ بانتشاء مستفز ردت أمنية: - اه نونتو، ما انا صغيرة ومن حقي ادلع ولا انت ايه رأيك يا بشمهندس؟ تفاجأ حسن بخطابها له في شيء خاص كهذا ، فقال بحرج: - اه طبعًا من حقكم، ربنا يهنيكم ببعض. قالها ليزفر بسأم، يشعر بانسحاب الهواء من السيارة، فهذه الفتاة تملك موهبة غير عادية في السماجة وثقل الدم، بالإضافة لخطيبها صاحب سابقة الشجار معه قبل ذلك يشعر أن به شيء غريب لا يعلمه، وقد تدخل سائلًا له: - طب وانت يا بشمهندس، بتدلع خطيبتك ولا هي اللي بتدلعك؟ هم أن يجيبه ولكنه انتبه على رفض شهد الصامت، وهي تحذره بعينيها، بشكل اثار استغرابه، فرد ينهي بذكائه: - والله يا استاذ ابراهيم، دي حاجة بيني وما بين خطيبتي، تقدر تعتبرها كدة اسرار، محبش يطلع عليها غيرنا. رده كان قاطعًا لدرجة اجفلت أمنية التي تبادلت نظرة ساخطة مع خطيبها الذي افحمه الرد وزاد من ظلام قلبه وعينيه تتابع الجهة الظاهرة من وجه شهد، ونظرات الوله في أعين هذا الأحمق خطيبها المزعوم، وتلاعب كف يده الخبيثة في الأمام، والتي تحط على كفها كلما حانت الفرصة. - وقف هنا خلاص. هتفت بها شهد تفيقه من شروده، لتتابع موجهة الحديث نحوه: - ابراهيم هينزل هنا عشان بيتهم اخر الشارع . أجفلته بفعلتها ليضطر مجبرًا للترجل فور توقف السيارة، تدخلت امنية بإصرار على حرق دمها: - وينزل ليه؟ طب ما يجي يتغدى معانا، واهو بالمرة البشمهندس يدوق أكلنا. قالت الأخيرة بمكر اشعل رأسها، همت أن تنفعل عليها ، ولكن حسن كان الأسبق بحكمته: - الفرص جاية كتير ان شاءالله، بس احنا نكتب الكتاب الأول. قال الأخيرة ليقفز ابراهيم على الفور بعدم تحمل، مودعًا بقوله: - عن اذنكم . نظرت في أثره امنية بقهر، تود القفز من خلفه لتلحق به، وظلت تحدج شقيقتها بنظرات نارية من مراَة السيارة، حتى أذا توقف حسن بالقرب من بنايتهم، ترجلت على الفور بعد أن اردفت بجلافة: - حمد لله وصلنا، سلام يا بشمهندس. طالعت شهد مرورها وهي تخرج زفيرًا من العمق بقنوط، مما جعل حسن المنتبه على تبدل حالها أن يسألها: - مالك يا شهد؟ تطلعت إليه بحيرة المغلوب على أمره، تريد البوح عما يقلقها، وبنفس الوقت تخشى القادم، ابراهيم وما أدراك ما ابراهيم، شقيقتها المجنونة وما اغبى منها ان تحدثت هي عن حقيقة خطيبها المتلون ورغبته الدفينة بها وفي أذيتها ، تعلم انها لن ترحمها، ان لم تسبب لها فضيحة من الهواء، فكيف السبيل للخلاص مع عقلية كهذه؟ والنجاة ممن يتربص بها؟ - يا شهد اتكلمي، مالك يا ماما؟ عاد حسن يسألها بإلحاح على المعرفة، فتبسمت برقة تنكر بدلال تأثيرها عليه: - مفيش يا سيدي، مفيش يا سي سون سون. ❈-❈-❈ حينما خرج وقد كان في طريقه للمغادرة، وقعت عينيه على ابن عمه رجل الأعمال الهمام زوج البلوجر الشهيرة، التي رفضته قبل ذلك ولم تبالي بمشاعره نحوها. وقد كان كارم يسبقه في الخروج نحو سيارته والحرس الخصوصي، الرجال الأشداء الذين تلقفوه كشخصية هامة ومؤثرة في المجتمع، ولكنه كان خارجًا من القسم، ترى ما الذي أتي به إلى هنا؟ أهي زيارة ودية لأحد الأقرباء من العائلة الكريمة؟ أم هي زيارة بغرض مصلحة ما يبتغيها؟ يرجح الاَخيرة ولكن الفضول بداخله، يدفعه للتأكد، توقف فجأة ينتوي العودة للداخل، حتى يبحث ويسأل، ولكنه تفاجأ من ناحية أخرى بوجه مؤلوف، هذه الجميلة ابنة الرجل الصعيدي التي كانت حاضرة خطبة أخيه وشهد، تقف من مسافة ليست بالبعيدة، بجوار امرأة يعرفها من كثرة التردد على القسم بصفتها..... محامية حقوقية في قضايا النساء. بدون أي تردد أو تفكير في أسئلة تحرك باتجاههما ليرى ما المشكلة. ❈-❈-❈ كانت تقف بجوار سيارة المرأة التي عثرت على عنوانها من إحدى الجروبات وناقشتها بالأمس عن موضوع مودة وظرفها المادي الضعيف عن توكيل ما يدافع عنها، تفهمت المرأة الوضع وتطوعت للدفاع عنها، الفرصة التي تلقفتها صبا بكل ترحاب، رغم يأسها من نتيجة تذكر بعد هذه الشروط التي وضعتها المرأة على لسان عدي عزام. كانت في هذا الوقت تتناقش معها عن بعض النقاط قبل دخول القسم: - يا مدام انا فاهمة اني وضعها صعب، لكن مع ذلك لجألتلك يمكن تلاقي حل، بصراحة انا احترت واحتار دليلي وصعبان عليا يضيع مستقبلها. جاء رد المرأة يسبقه تنهيدة بقنوط: - والله يا صبا انا متطوعة عشان خاطرك وداخلة ادافع بضميري المهني رغم صعوبة الق\ضية بعد حالة التلبس، لكن احنا بنعمل اللي علينا وربنا عليه التوفيق. - السلام عليكم. قالها لتلتف نحوه صبا فتوسعت أعينها بجزع، لظهوره المفاجئ لها، تمتمت ترد التحية بارتباك ملحوظ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اهلا يا سعادة الظابط. إنتبه أمين على حالة الإجفال التي انتابتها، مع انسحاب الدماء من وجهها بزعر يتفهمه، فقال ملطفًا بلهجة بدت عادية، وقد امتدت يده لتصافحها: - جايبة في إيدك مدام صفاء، أكيد جاية تدافع عن ق\ضية نسائية كعادتها. ضحكت المرأة معقبة وهي تبادله المصافحة: - ومالها القضايا النسائية يا باشا، دا حتى هي اللي مشغلة القسم. ضحك أمين بملأ فمه مع المرأة ليذهب عن صبا بعض التوتر، فتابع بمزاحه: - لا بصراحة عندك حق، دا حتى المثل بيقول ابحث عن المرأة. قالها بمناكفة للمرأة التي ردت رافعة حاجبها بتحفز: - اشعر ان خلف جملتك الاخيرة بعض التلميح المبطن، والغير مريح يا سعادة الباشا تابع بضحكه للمرأة حتى لمح طيف ابتسامة على وجه صبا جعلته يتشجع ليسألهما: - يعني الموضوع فيه واحدة ست، طب قولولي بقى يمكن اساعد. تراقصت مقلتي صبا تتنقل بين الأثنين بتردد وقد تلجم لسانها من الحرج، رغم رغبتها القوية لتقبل مساعدته، فهي في أشد الحاجة إليها، لكن جرأة المرأة قصرت عليها الطريق: - بصراحة هي فعلا ق\ضية نسائية، بس دي حالة انسانية واحنا داخلين فيها بقلبنا تطوع، على أمل اننا نلاقي حل. ظهر الإهتمام على وجهه ليتوجه بخطابه نحو الاثنتين قائلًا بجدية: - خلاص مدام كدة، تعالوا معايا المكتب جوا عشان اعرف منكم بالتفصيل. ❈-❈-❈ بعد قليل وباهتمام غير عادي كان يطالع الأوراق التي في الملف، وبنفس يستمع إلى حديث مودة وتعقيب المرأة الحقوقية، مع تذكره لملاحظات الضابط الملكف بالق\ضية، زميله عصام، حتى تكمتل الصورة برأسه، ليردف بسؤال سبقه العديد من الأسئلة الأخرى: - يعني انتي متأكدة انك لقتيها على الأرض، مش انتي اللي فتشتشي ولا سرقتيه؟ ردت مودة بدفاعية جعلت صوتها يخرج ببحة مختنفة: - والله ما كنت قاصدة اسرق، دا انا كنت قابضة مبلغ حلو وعايزة اشبرق نفسي، طلعت مع ميرنا اللي دخلتني ع المول وسهلت عليا اشتري حاجات كتير بعلاقتها مع اصحاب المحلات، وانا كنت هطير من الفرحة والله لحد اما شوفت الفستان دا اللي لابساه دلوقتي في فترينة العرض، راحت مدخلاني ع الست النحس دي....... قطعت لتستطرد ببكاء حارق: - انا عارفة اني غلطت لما حطيته في جيبي، بس وحياة ربنا ما كنت اعرف ان قيمته غالية اوي بالشكل ده. تحمحمت صبا التي كانت جالسة بالقرب منها أمام أمين لتقول بحرج مدافعة رغم كل شيء: - انا آسفة في اللي هقوله، بس دي خصلة في مودة، ممكن نقول عليها زي المرض كدة، هي بتاخد الحاجات الخفيفة، ودا لظروفها المادية الصعبة والحرمان اللي عاشت فيه، أنا مش ببرر، لكن هي عمرها ما خدت حاجة غالية، لأنها ما تقدرش. علقت المرأة بلمحة من الفراسة: - بس انت مش واخد بالك يا فندم، ان خاتم بالقيمة دي ويكون مرمي ع الأرض، إنها حاجة غريبة ومش مفهومة، يعني فرضنا وقع من صاحبته؟ محستش بيه؟ اهتزت رأسه بإماءة خفيفة معبرة عن اقتناعه، ليضيف عليها: - لا دا كمان الهانم مكتشفتش السرقة غير بعد ساعات! خيم الصمت على ثلاثتهن بتفكير جاد في جملته، فتابع بسؤاله لصبا: - إنتي قولتي من شوية إن الست عايزة ضمان من مودة عشان تتنازل وتخليها تخرج تدور عليه، هو انتي اتفاوضتي معاها؟ هذه المرة جاء ردها مباشر دون تردد وقد توسمت فيه الخير: - مش انا اللي بتفاوض، دا انا كلمت مدير الفندق بتاعنا، اصلي عرفت انه يبقى صاحب المول من كلام مودة. قاطعتها ميرنا تتدخل في قولها: - دي ميرنا هي اللي قالتلي، انا مكنتش اعرف إن يملكه. - ميرنا دي هي نفس البنت اللي دخلت معاكي المحل. قالها بتركيز شديد، لتضيف على قوله مودة: - ايوة، ما هي اللي قالتلي اخلي صبا تكلم عدي باشا يضغط ع الست. - عدي مين؟ - عدي عزام. - عدام عزام يدخل لك انتي؟ قالها بريبة وصلت في البداية كامتهان لها، فتابع يصحح قوله الغير مقصود: - انا مش قصدي اقل منك انا بس مستغرب. بزفرة مشبعة بالأحباط قالت صبا توضح: - ما احنا شغالين موظفين عنده في نفس الفندق، انا بصراحة رغم ان الطلب كان تقيل على قلبي، اضطريت افاتحه وهو حر بقى لو مش عايز يوافق، لقيته بيقولي ان الست عايزة مودة تمضي على وصل بتمن الخاتم، يا اضمنها أنا . - نعم! - والله زي ما بقولك كدة. - طب وانتي إيه دخلك؟ قالها باستهجان ورأسه تدور بالأفكار المتناطحة بحيرة من هذا الأمر، وردت صبا بعدم معرفة: - بصراحة مش عارفة ايه وجهة نظرها في انها تورطني معاها، دي صاحبتي وانا عايزة اساعدها، ايه المشكلة في كدة؟ - وانت كان رأيك ايه يا صبا؟ سألها مباشرة أمام مودة التي احتجت بعفويتها المعتادة: - لا طبعا، مينفعش صبا تتحمل المسؤلية معايا، انا ممكن امضي على الوصل عشان اخرج، وان شاء الله هقلب البيت لحد اما الاقيه، ما هو بالعقل كدة هيكون راح فين يعني؟ - ربنا يستر وتلاقيه، لتزيد عليكي مصيبة الوصل كمان. عقبت بها المحامية المدافعة، فجاء رده بحزم: - لا هي هتمضي ولا صبا هتضمنها، انا هلاقيلها صرفة . - صرفة ايه؟ خرجت بلهفة على ألسنة الثلاثة في نفس الوقت، فرد يذهلهن بعرضه: - انا هخرجها واروح معاها البيت على مسؤوليتي، مع فرد أمن تبعي يدور معاها كمان، عشان نشوف الخاتم ده اللي قالب الدنيا يا ست مودة. ابتسامة سعيدة ارتسمت على وجوه الثلاثة، وقد استطاع بحنكته رفع الهم الذي أثقل ظهورهن، وهللت مودة ببهجة الشعور بقرب الفرج: - ربنا يخليك يا سعادة الباشا، اللهي يارب ما يوقعك في ضيقة ابدًا، ويرزقك بكل اللي بتتمناه. ❈-❈-❈ - أنا كنت بنت وحيدة لوالدتي، مكانتش امي مثالية وبرضوا مكنتش وحشة، ربتني لوحدها ودا لأنها كانت زوجة تانية، لراجل ميعرفش واجباته غير في الصرف على البيت وتأدية حقه الشرعي معاها وكأنه واجب مفروض عليه، يعني حاجة تجرح كرامة أي ست، مهما كانت قوية وادعت الا مبلاة بتكسرها، لذلك انا كنت بغفر لها كل قسوتها معايا ومهما عملت كنت بديها عذرها، لكن عمري ما سامحت والدي رغم انه مكانش مأثر معايا نهائي كأب. كنت بتقهر لما اشوف نظرة الحب في عيونه لمراته التانية ، وشه اللي بينور مع كل كلمة تقولها، يسمع منها ويشاركها الرد بحماس، عكس امي اللي كان بيستخسر فيها حتى النظرة العادية، او بالأصح ما بيطقش يقعد ولا يسمع لها، لدرجة انه لما كان يقعد معانا ع السفرة، بُقه مكانش بيتحرك غير للأكل، ونادر أوي ما تطلع منه كلمة. ذنبها الوحيد هو انها كانت بنت عمته اللي فرضوها عليه بحكم انها اتربت في بيتهم، شعور الفرض والغصب بيجعلك تكره الشيء حتى لو كنت بتحبه، الشعور ده أنا فهمته كويس أوي لما عيشت التجربة. لما اتجوزت جوزي الأول، كمال عز الدين، منتج الأفلام المعروف واللي شافني وسط مجموعة من الوجوه الجديدة اللي كان بيختبرها المخرج، انا كنت ساعتها متخرجة جديد من المعهد وكلي أمل أحقق طموحي في التمثيل، لو حد بس اداني فرصة، كل اللي كنت محتاجاه كان فرصة، والفرصة مع واحدة في حالتي عمرها ما كانت بتيجي غير بدفع التمن، او واسطة معروفة تزوقك في المجال، مكنتش املك الواسطة ولا الحظ النادر في ان الاقي اللي يقتنع بيا، يعني مكانش قدامي غير دفع التمن، يا إما من كرامتي وشرفي ودي حاجة كنت افضل اموت ولا انها تحصل، لا إما بزوجة تانية من المنتج اللي عمره كان وقتها خمسين وانا يدوب تلاتة وعشرين، على أمل الفرصة وافقت ان اكرر دور أمي كزوجة تانية بعد البيبان ما اتقفلت في وشي من كل ناحية. اجبرت نفسي على واحد مكنتش شايفة فيه أي قبول، احساس اتطور بعد الجواز لكره وبغض شديد لما اكتشفت عيوبه، انسان مقرف لا يعرف انسانية ولا أي رحمة في التعامل مع واحدة ست من وجهة نظره هي اداة للمتعة اشتراها بفلوسه...... توقفت فجأة لتبكي لأول مرة بتذكرها للجحيم الذي عايشته مع هذا الرجل، ظلت الطبيبة صامتة تتابع نهنهاتها الموجعة بتأثر تخفيه بجمودها حتى تمكنت من إخراج الكلمات بصورة صحيحة مخاطبة الطبيبة: - عارفة يعني أيه تكرهي انسان مغصوبة عليه وع العشرة معاه؟...... يعني تكرهي السرير اللي بيشاركك فيه، تكرهي الطبق اللي أكل منه، تكرهي هدومه تختلط بهدومك، تكرهي نفسك وتتمني الموت بعد ما يتقفل قدامك كل طريق للخلاص. حتى الفرصة اللي كنت بحلم بيها اكتشفت انها كانت الخدعة عشان اقع في المصيدة، الدور اللي اخدته في الفيلم اللي دفعت تمن فرصته من عمري كان دور واحدة تافهة، فرحانة بجمالها ولبسها، يعني حاجة كدة تعدي قدام الناس من غير ما يحسوا بيها، التمثيل الحقيقي كان مني انا قدام المخرج وجمع الممثلين، اضحك وانا بتحرق جويا من القهر. صبرت على أمل ان الاقي الحل بس اثناء الصبر ده حصل اللي مكنتش اتمناه ابدًا: التفت فجأة برأسها نحو الطبيبة قائلة - تعرفي بقى اني حملت وسقطت نفسي من كمال تلت مرات. - تلت مرات يا نور؟ قالتها الطبيبة كاستفسار لتجيبها الأخرى بإماءة من رأسها ودموع أصبحت تنهمر كالسيل دون توقف وهي تردف بحرقة: - مكانش ينفع احتفظ بطفل يربطني في العذاب مع بني ادم زي ده ويدفع معايا تمن غلطتي، انا جربت احساس الكره بين ابويا وامي، يعني عارفة كويس بالماَساة اللي كان هيعشها ابني أو بنتي، طفل يجي بالغصب من جوازة بالغصب، دا لا يمكن يبقى سوي....... سألتها الطبيبة لاستفسار أكثر: - وكنتي بتسقطي الجنين بعلمه؟ حركت برأسها نافية وقد تقلصت تعابيرها لتردف بصوت مبحوح: - لأ ، أو كنت أظن.... مش عارفة، لكن اللي كنت متأكدة منه، هو انه مكانش بيهتم غير بالعلاقة اللي برضوا كان بيجبرني عليها، بس........ قطعت وصوت أنفاسها ازدادت حدتها، مع الصعود والهبوط بصدرها بتسارع مريب جعل الطيبة تعاود بسؤالها: - بس إيه يا نور كملي. التفت رأسها فجأة بحدة تقول: - ممكن أكمل في وقت تاني عشان مش قادرة. ❈-❈-❈ في مخزن القصر الذي جعله مقر له بصحبة رجال حراسته، الذي زاد بعددهم لمواكبة الظرف الجديد في البحث وتأديب من تجرأ على أسرته، وقد كان في هذا الوقت يتحدث على هاتفه بانفعال: - يعني ايه مش لاقينه؟ يعني إيه مش لاقينه؟....... مش عايز اعذار، الواد ده يتجاب زي البهيمة ولو من تحت طقاطيق الأرض......... وزع رجالتك، شوية في البحث في الأماكن اللي كان بيروحها، وشوية تراقب سكنه وسكن اهله، متسيبش خرم ابرة من غير ما تدور، تقب وتغطس تجيبه....... مش عايز رغي تاني واقفل بقى؟ انهى ليتخصر زافرًا أنفاسه بخشونة، قبل أن يستدير بجسده نحو الرجل المقيد على كرسيه، وهو يكاد أن يموت من الرعب، ورجال بأجسام مخيفة تحيطه من كل جهة، تقدم نحوه ليضع قدمه على الكرسي المقابل له يتابع التحقيق معه: - كمل بقى وقولي يا عم كريم، ايه كان بيحصل وانتوا بتوصلوا الهانم؟ بجسد يرتجف وصوت يخرج بارتعاش ردد الرجل برجاء يقارب البكاء: - والله يا باشا انا ما كنت فاهم ايه اللي بيحصل، انا كنت بلاقيها فجأة توقفنا وتزعق من غير سبب ان في حد بيراقبها، ينزل الزفت حامد يدور ويرجع يقول مفيش، انما ايه اللي بيحصل والله ما اعرف. قرب رأسه بأعين صقرية زادت من جزع الرجل ليسأله بهدوء مريب: - يعني انت مشوفتش أي تصرف من اللي اسمه حامد ده وخلاك تشك فيه؟ اهتزت رأس الرجل بتشنج ينفي: - لا والله، او يمكن مكنتش فاهم، واحد متولي حراسة الهانم بنفسها، أنا هشك فيه ازاي بس؟ وانت الباشا اللي مأمنه على حياتها وحياة البيه الصغير . ارتدت رأسه للخلف بإجفال، فكلمات السائق البسيط على قدر عفويتها، على قد ما اصابت الهدف بداخله، هو من أخطأ، وعليه الاَن تصويب الخطأ. - كارم باشا. هتفت بها أحد الرجال من خلفه قبل أن يقترب منه هامسًا: - الهانم مرديتش تروح معانا. هدر به معنفًا بغضب: - يعني إيه مرديتش تروح معاكم؟ ما اديتهاش ليه التليفون اللي باعته معاك؟ انت نفسك متصلتش بيا ليه تبلغني؟ - يا باشا ما هي مرديتش تاخد التليفون، كنت هاوقفها ازاي بس وامنعها؟ زمجر بوحشية يدفع الرجل من أمامه، ليخرج ذاهبًا بخطواته السريعة مغمغمًا: - بتتحداني وتتحامى في اختها وجوز اختها، على أساس اني هسمح ولا اديها فرصة للبعد أصلًا! ❈-❈-❈ - نورتي اوضتك يا رورو . قالتها كاميليا وهي تضغط على قابس المصباح الكهربائي، ليُضيء الغرفة بأكملها، دلفت بداخلها رباب لتفاجأ بكم الصور الكثيرة لها بأحجام مختلفة تزين الحوائط، مع العديد من متعقاتها القديمة كالدمى، والهديا العديدة لها، اقتربت من إحدى الزوايا، تتناول دمية قماشية كانت الهدية الأولي من شقيقتها بعد اول راتب تحصلت عليه من عملها، ضمتها بتأثر لتنقل بنظرها نحو كاميليا قائلة: - هو انتي كنتي عارفة اني راجعالك؟ ردت شقيقتها التي كانت متكتفة بذراعيها، بابتسامة واثقة: - وكنت متأكدة كمان، ولا انتي فاكرة يعني ان الأوضة دي جهزتها للذكريات وبس. - طب ازاي؟ إذا كنت نفسي...... توقفت فجأة بأعين غائمة تناظرها باضطراب وتردد، فتابعت كاميليا تكمل لها: - انتي نفسك مكنتش مقررة ولا عاملة حسابك على ده، اننا نرجع تاني لبعض. اكتنفها شعور بالخزي حتى لم تقوى على مواجهتها حتى بالنظر، لتطرق برأسها نحو الدمية، أشفقت كاميليا لتلطف الحديث بحكمتها: - هوني على نفسك يا قلبي، أنا قولتلك ان مهمها حصل ما بينا ، عمر الدم ما هيبقى مية ، ومهما انتي بعدتي ولا سافرتي، برضوا مكانك هيفضل وسطنا، والأوضة دي هتفضل على حالها مستنياكي . تعلم أنها صادقة في محبتها ولن تحنث بوعد حتى لو غير منطوق، وهذا ما يزيد عليها، ويجعلها ساخطة على كل السنوات التي مرت عليها وهي منبوذة باختيارها، وحيدة، حمقاء، دمية كالتي تحملها الان. شعرت بها كاميليا فلم تنتظر الإذن لتقترب منها وتضمها إليها، تلقفت الأخرى الدعوة لتضغط بذراعيها حولها، تذرف الدموع بلوعة اشتياق كانت تنكره؛ خلف كبرياء زائف ، الحاجة المؤلمة للدفء وحنان الأشقاء، وقد افتقدته كثيرًا، كثيرًا جدًا. قبلتها كاميليا على جبهتها قبل أن تتنبه معها على طرق باب الغرفة والخادمة تقول بلهاث:: - طارق باشا بيتخانق مع واحد تحت بيقول انه جوز الهانم . ❈-❈-❈ حينما عادت صبا إلى منزلهم وقد غمر قلبها بعض الارتياح، بعد تأكيد الضابط أمين على اخراج مودة والذهاب بها الى منزلها، للبحث عن الخاتم، رافعًا من ظهرها هم لا قبل له، كانت شاردة لدرجة جعلتها لم تشعر بهدوء المنزل سوى بعد فترة من الوقت، هتفت بصوتها تنادي علّ أحدا يجيبها: - يا أهل الدار، انتوا فين يا جماعة؟ خرج إليها صوت زبيدة والدتها من غرفة النوم: - تعالي هنا يا بت انا جاعدة دلفت إليها على الفور، لتفاجأ بها جالسة على ركبتيها فوق الفراش، تحاول غلق سحاب حقيبة السفر المفتوحة، بعد أن حشرتها بالملابس الكثيرة. - بتكومي في شنطة سفر ابوي ليه ياما؟ قالتها من قبل حتى القاء التحية، مما جعل زبيدة ترد بغيظ: - طب ارمي سلام ربنا الأول، معلموكيش خالص في المدارس؟ ضحكت لها معقبة بمزاح: - لا يا ست زبيدة معلمونيش، المهم بس جاوبني، هو ابويا عنده سفر ولا ايه؟ ردت والدتها وهي تهبط بقدميها عن السرير، لتبحث في ادرجة الكمود عن جوارب القدم لزوجها: - أبو جوز عمتك فوزية اتوفى، ابوكي مسافر يحضر العزا وبالمرة يطل على اخواتك. رددت صبا خلفها بعدم استيعاب: - ابو جوز عمتي! يا لهوي ياما الراجل اللي عنده مية سنة ده، ما متش غير النهاردة؟ - يخرب مطنك. تفوهت بها زبيدة باستهجان لتردف بتوبيخ: - عيب عليكي يا بت، دا عند ربنا دلوك، اترحمي عليه تاخدي صواب. بابتسامة لم تقوى على كتمها: - ماشي يا ست الكل، الله يرحمه، المهم بجى، حضرتي الغدا ولا لسة؟ تقلص وجهها بيضيق تجيبها: - حضرته يا جلعانة، روحي غيري هدومك على ما خلصت اللي في يدي يكون ابوكي جه، وناكل احنا التلاتة مع بعض. بتفكير سريع استدارت عنها لتقول بعجالة: - طب مدام كدة، يبجى اروح اطمن انا على رحمة اصلها كانت تعبانة امبارح . قالتها وتحركت على الفور لتغادر نحو الشقة المقابلة، ضغطت على جرس المنزل بخفة، وانتظرت قليلًا قبل أن ينفتح الباب أمامها، تخيلت أن تجده، ولكنها تفاجأت بامرأة غريبة تقف أمامها تسألها، وكأنها من أهل المنزل: - نعم مين حضرتك؟ ردت بسؤال إندفع بريبة منها: - انا صبا، انتي اللي مين؟ وقبل أن تجيبها المرأة اتى صوت شادي من الداخل يهتف سائلًا: - مين اللي ع الباب يا سامية؟ .... بقلم أمل نصر.