رواية وبها متيم أنا(السادس والعشرون إلى الثلاثون) بقلم أمل نصر | New Romance Episode

الفصل السادس والعشرون

بعشق تملكها حتى تغلغل في الأعماق وصار يجري في عروقها كمجرى الدم، تحيا به؛ وقد أضحى النفس الذي تتنفسه، عبير الروح التي ارتقت بعشقه، لتصبح امرأة أخرى تليق برجل مثله، يُبهجها ولو ابتسامة صغيرة تعلو ثغره، ويحزنها ألا تكون هي السبب بها.
ما أصعب هذا العشق حينما يعجز المُحب عن إسعاد المحبوب بما يستحق ويتمنى.

هذا ما كانت تشعر به نور في وقفتها الاَن بوسط الدرج، تراقب زوجها المنشغل دائمًا على حاسوبه حتى في وقت استراحته بالمنزل، لكم الأعمال التي لا تنتهي معه، في جلسته بوسط البهو الكبير على اَريكته الاَثيرة وأبناء شقيقه يلعبن من حول بألعابهم، ويشاكسنه بالعبث بأشياءه كعلاقة المفاتيح والهاتف، وهو بكل ود وروية يجيب عن أسئلتهم التي لا تنتهي، رغم انشغاله، وكأنه يعوض الأطفال ولو قليلًا عن غياب أبيهم عنهم

– هتجيبلي عربية اسوقها لوحدي زي عربيتك يا عمو؟
– حاضر من عيوني يا إياد، تكبر انت بس ويشتد عضمك وانا ليك عليا اجيبلك أحسن عربية.
– طب وانا يا عمو هتجيبلي واحدة كمان؟
قالها الطفل الاَخر والذي كان منشغلًا باللعب على الهاتف، وكان رد مصطفى بحزم لا يخلو من اللطف:
– هجيبلك اللي انت عايزه بس لما تخف من اللعب شوية ع التليفون، انت قولت شوية صغيرين واحنا دلوقتي عدينا النص ساعة.
بتذمر وسخط اعتلت الملامح الصغيرة، هتف زياد:
– ما انا اعمل ايه بس يا أنكل؟ ماما مانعة عننا العاب البلاي ستيشن بقالها كام يوم، وشايلة مننا التليفونات بتاعتنا، بصراحة بقى زهقت.
– شايلة عنكم التليفونات ليه؟
سأله مصطفى بانتباه وقد ترك ما يعمل عليه، فجاء الرد من الطفل الأكبر:
– أنا اقولك يا عمو، اصلها كذا مرة تنبه علينا نبطل نتصل ببابا ، بس زياد ما بيسمعش الكلام، بيتصل بيه وبيبلغه كل حاجة حصلت معاه في اليوم بتاعه…..
قاطعه مصطفى بسؤاله الاَخر وقد اعتلى الغضب ملامحه:
– طب وانت يا إياد ما بتتصلش انت كمان ولا هو واخد العقاب لوحده؟
– لا يا أنكل انا كبير على اني اتصل بيه كل شوية، زياد واخد العقاب لوحده بس انا ماما مضيقة عليا وبتديني الفون لما بطلبه منها بس وتعرف انا عايزه في ايه!
الكلمات العفوية من الطفل جعلت مصطفى يتناسى ما كان يعمل عليه، ليزداد تجهمه بحالة من الشرود في هذا الأمر البغيض بغياب شقيقه عن ابناءه وزوجته، والتي من الواضح أن البرود الذي تدعيه أمامهم، جعله يغفل عن الشعور الحقيقي لامرأة يهجرها زوجها وهو بنفس المدينة معها، حتى لو كانت هذه المرأة هي ميسون، العرق التركي المتأصل بعنجهية متوارثة، تجعلها تتعالى حتى عن إظهار ما يعتمل بصدرها.
– زياد.
صدرت بقوة جعلته ينتفض مجفلًا ليرى انفجار ميسون هذه المرة على الطبيعة، وقد تخلت عن الواجهة الباردة لتخطو نحوهم بغضب، وتختطف الهاتف من يد ابنها قائلة بتوبيخ متعمد:
– انا مش منبهة إن مفيش لعب في الفون غير بمواعيد منظمة مني انا شخصيًا، ولا انت قاصد تكسر تعليمات مامتك؟
ألقت الهاتف بعنف على الاَريكة التي كان جالس عليها مصطفى لتحدجه باتهام مقصود، مما اضطره للرد:
– في إيه يا ميسون؟ دول يدوب عشر دقايق اخدهم الولد بس في اللعب، ما انت منعاه بقالك أيام ومحدش اعترض.
مقارعته لها باعتراض واضح أمام أبناءها، ارتد بأثره عليها، لتكفهر تعابيرها ويعلو صوتها ولأول مرة بوجهه وبغضب مكبوت:
– عشان محدش له حق فيهم قدي، أنا امهم واخاف عليهم من تأثير الحاجات دي، ولا انت متعرفش بخطورة الأجهزة دي على الأطفال ع اللي في سنهم، ولا صحيح انت هتعرف منين؟
قالت الاَخيرة بقصد وضح تأثيره جليًا على وجه مصطفى الذي وجم صامتًا ولجم لسانه عن الرد عليها، فلم تتحمل نور التي كانت تتابع من جهتها، لتجفلها بصيحتها الغاضبة:
– مفيش داعي للكلام ده يا ست ميسون، ولادك اهم قدامك، جوزي مقربش منهم، دا هما اللي بيتلزقوا فيه عشان بيحبوه، وهما اللي بيمسكوا حاجته بإرادتهم، ولا يعني عشان هو مبيكسفهومش…….
– خلاص يا نور .
هدر بها بمقاطعة هو الاَخر لينهي الجدال من أوله، ثم نهض فجأة ململمًا أشياءه في يده، ليغادر المنزل، منسحبًا في هدوء، وتحركت ميسون بدورها ممسكة بولديها نحو مخدع جدتهم؛ المساندة لها على الدوام، فتبقت نور وحدها لتسقط بانهيار جالسة على درجة السلم التي كانت تقف عليها، فهي الأعلم الاَن بجرح حبيبها، وما يعانيه في هذه اللحظة بالذات.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *