رواية لمن القرار (الفصل الثالث والثلاثون إلى السادس والثلاثون )بقلم سهام صادق | New Episode – Read Online

الفصل الثالث والثلاثون(2)
*************

طالت وقفتها أمام المرآة، تنظر إلى هيئتها وتفاصيل ملامحها الصغيرة، ارتفعت يديها نحو جانبيها وببطء كانت تسير بهما فوق قماش المنامة الحريرية الرائعة، نعم لقد اختارت ثوب يُناسبها والقت بالثوب الذي اختاره مكانه.. لم تخضع لقراره ولو للحظة كانت تفكر من منهم خضع لقرار الأخر لوجدت إنها هي من أختارت هذا القرار بل وتخضع دون أن تشعر .
تنهيدة طويلة خرجت من بين شفتيها وهي تلتف حولها لعلها تجده قد عاد إليها لينال حقه ثم يتركها ؛ فهي عاشت تلك الحياة مع حسن ولا بأس أن تعيشها ثانية.. ف العام سيمر كما مر ويمر كل شئ “وهكذا كانت تقنع حالها “.
ضجرت من وقفتها هذه فالوقت يطول وقلبها يزداد دقاته، تحركت من أمام المرآة تجلس على الفراش الواسع تزفر أنفاسها دفعات متتالية ثم تتحسس جبهتها وقد اشتدت حرارة جسدها

– مالك يا فتون مش ده كان قرارك أنتِ، أعتبري حياتك معاه زي ما كانت مع حسن

واغمضت عينيها تتذكر صفعات حسن وذلك العنف الذي كان يمارسه معها؛ فترفع ذراعيها تتحسس جسدها وسرعان ما كانت صورة حسن تتلاشى من ذاكرتها ليحتل هو مكانه وليلة أمس تقتحم عقلها.
لمساته، همساته، تلك الحرارة التي كانت تشعر بها بين ذراعيه ولكن أين تلك الليلة التي دمر فيها كل شئ؟
تلك الليلة التي جعلها تركض في الظلام حافية هاربة من بطشه.
ارتجف جسدها فالذكريات المرسخة داخل عقلها لا تُرحم ولقد رسخ الزمن كل شئ وحدث ما حدث.
شعرت بخطواته داخل الغرفة واقترابه منها ولكنها لم تفتح عينيها، تضم كفوفها بطريقة جعلته يقف محدقًا في فعلتها.. همس اسمها بخفوت

– فتون، أفتحي عينك وبلاش تسيبي نفسك للذكريات
ولكنها لم تستجيب لنداءَهُ، تنهد وهو يتذكر حديثه مع جنات هذا الصباح

” فتون بعد كل اللى حصل ليها مردتش تروح لدكتور نفسي.. أهلها شافوا إنها كده هتكون مجنونه، فتون ضحية ظروف ونشأة غلط، فتون افتكرت إنها لما وصلت لحلمها ودخلت الجامعه إنها تجاوزت كل حاجة لكن للأسف فتون زي ما هي”

” ساعدها لو بتحبها.. أنا كان نفسي أقدر اساعدها لكن إظاهر حتى أنا محتاجه اللى يساعدني ”

استمعت لصوت أنفاسه فادركت أنه حان اللقاء الذي سيجمعهما، أجساد ستتعانق و رغبة ستتحرك والأمر يمضي بسهولة.
اوصدت جفنيها بقوة تشعر بكفه فوق خدها ثم ينحدر ببطء فوق عنقها ، كانت على أهب إستعداد للمنح وهو يدرك ذلك تمامًا

– حلوة البيجامة يا فتون.. بس مش ده اللى اختارته عشان تلبسي

فتحت عينيها تُطالعه فهل للتو تذكر أمر الثوب، وقبل أن تخبره أن أمر الثوب لا يعنيه مدام سيحصل عليها في النهاية.. كان يباغتها بسؤاله

– مدام سحر مديرية الجميعة دكتورة نفسية ليه مكنتيش بتتكلمي معاها عن كل اللى مريتي بي.

“الجمعية، والسيدة سحر” تردد الاسمين في عقلها ولكن سرعان ما كانت تمنحه الإجابة

– أنا مش مريضة نفسية، أنا قدرت أقف وأقوم من تاني ووصلت لكل حلم كان نفسي فيه

وانتفضت من جواره وقد عبست ملامحها

– وفهمت إن مافيش بطل غير في الحكايات يا سليم بيه

ابتسم وهو يرمقها كيف تحاول الثبات أمامه

– فعلا مافيش بطل غير في الحكايات يا فتون..

ونهض مقتربًا يحك أنفه بسبابته متسائلا
– مين كان مفهمك إن في إنسان بطل
امتقعت ملامحها وهي تراه بتلك البرودة، فاعاد سؤاله ينتظر جوابها ولكنها صمتت
امتدت يديه تفك عقدة شعرها فانسدلت خصلاتها إلى أسفل ظهرها، تراجعت للخلف تنظر إليه بترقب.. فهوت بجسدها فوق الفراش

– أنت هتعمل إيه؟
– هنفذ بنود العقد يا فتون

توقفت عن تراجعها فها هو يثبت لها ظنها ودناءته، قبضت فوق غطاء الفراش تحدق به، فمال نحوها يستنشق رائحة خصلاتها ولثم جبينها متمتما

– شوفتي تنفيذ العقد سهل إزاي

وانصرف تاركًا لها الغرفة يوصد الباب خلفه يزفر أنفاسه بتنهيدة طويلة يستجمع فيها حاله..
اتسعت حدقتاها ذهولًا تنظر نحو الباب الذي أغلقه..فما الذي حدث للتو؟
………

ساعة وراء ساعة أخذت تمر إلى أن اصبح الوقت بعد منتصف الليل. أسرعت في غلق عينيها عندما شعرت بوجوده بالغرفة فازداد قربها نحو طرف الفراش.
تعلقت عينيه بفعلتها فابتسم وهو يحل أزرار قميصه، اتجه نحو المرحاض وبعد دقائق كان يعود لينضم جانبها فوق الفراش، اغمض عينيه بعد أن عدل من وسادته أسفل رأسه ولكن تلك الطرقات الخافته لصغيرته وهتافها باسمه جعلته ينهض مذعورًا يفتح إليها الباب وينحني صوبها يحملها

– مالك يا حبيبتي
– بابي، ديدا حلمت حلم وحش..

بكت الصغيرة تصف له حلمها الطفولي الذي ارعبها فضمها إليه يمسح فوق خصلاتها
– الحلم خلاص راح يا ديدا وأنتِ دلوقتي في حضن بابي..صح

أماءت الصغيرة له برأسها تدفن وجهها في عنقه، وضعها فوق الفراش فالتفت بعينيها نحو فتون

– هو أنت حكيت حدوته لفتون عشان تنام يا بابي وتاكل رز مع الملايكة

ورغما عنه كانت شفتيه تنفرج في ضحكة صاخبة وفتون لم تكن حالها مختلف وحتى لا يفتضح أمرها وضعت يدها فوق شفتيها.
جلس جوار صغيرته وما زال يضحك على دعابتها الطفولية يلثم خديها ثم يضمها إليه وهو يطالع جسد فتون الذي إهتز من أثر الضحك

– يلا نامي أنتِ كمان وخليكي شاطرة زي فتون
– بابي هي فتون هتكون زي مامي

تنهد وهو يضمها نحوه أكثر

– حببتي فتون هتحبك زي مامي وهتكونوا صحاب لكن مامي مافيش حد زيها

تثاوبت الصغيرة تضم كفوفها نحو بعضها

– مامي ليه سابتني وراحت تعيش مع خالو حامد، خالو حامد وحش مش بيحبني
– مامي مسبتكيش يا ديدا هي عارفه اد إيه أنتِ بتحبي بابي

وتنهد متعبً يخشى ذلك المستقبل لصغيرته

– لما تكبري هتفهمي بس خليكي عارفه إن محدش هيحبك زيها

ابتسمت الصغيرة هاتفه

– هي بتحبني اد البحر زيك كده..

ولم يمهل صغيرته بأن تتحدث فاخذ يدغدغها وعاد يضمها إليه وعينيه عالقة بجسد فتون المنكمش

– طبعا يا حببتي

غفت الصغيرة كما غفا هو.. ولكن النوم أبي أن يمس جفنيها، علقت عينيها بهما بعدما التفت بجسدها نحوهما ولم تبقى نظراتها صوبهما ساكنه بل رويدًا رويدًا كانت عينيها تلمع وابتسامتها تتسع تمدَّ يدها نحو الغطاء الخفيف ترفعه نحوهما.
……….

ابتلعت لقمتها بمرارة باتت تلازمها تشعر وكأن الطعام يدخل جوفها كالحجر ومع مرور الأيام اكتشفت سبب تلك المرارة؛ وهل يغفل عقلها وقلبها معًا عن الجواب.. لقد استغلت الفرصة كما يستغلها الكثير استغلتها لتعيد أرض والدها المسلوبة من ابن عمه، استغلت ثقة فتون بها ورحبت بعرض
“سليم النجار” كما جعلت والدها يرحب بزيجتها،
والحاج عبدالحميد كما ضعف في الماضي أمام “حسن”
ضعف أمام إغراءات ” سليم النجار ” وتمتع بالرفاهية ونسي أمر ابنته حتى حقها في الزفاف الذي وعده به
“سليم النجار” وطلب يدها كما يحدث في العرف والتقاليد في منزلها ولكن كل الوعود تبخرت وقد سُلب الحق من فتون بأن تعيش مراحل حياتها كأقرانها.
والذنب رغمًا عنها يقتلها فقد كانت الأكثر قربً لفتون وتدرك شخصيتها، فتون مازالت ضائعة في حياتها، لا أم تعطي لها نصائحها ولا أب يجيد الدور.
انتبهت على تلك الطرقات التي حطت فوق باب شقتها، فنهضت على أمل أن تكون “فتون” قد أتت إليها حتى تأخذ باقية كتبها ولكن عيناها علقت بالواقف أمامها وتعرفه عن كثب
” كاظم النعماني” الابن الأكبر لجودة النعماني
رمقها الواقف بنظرة فاحصة طويلة ثم تخطاها للداخل ينظر للمكان بعينيه

– أنت إزاي تدخل كده؟
– كام؟

هتف سؤاله بغلظة وعاد يركز عينيه نحوها ينتظر جوابها وبتحدي سافر أجاب وهو يُطالعها

– مليون كويس
– أنت بتتكلم عن إيه يا أستاذ أنت

أرتفع حاجبه، والتوت شفتيه ساخراً وأعاد دفتر المال داخل سترته

– إظاهر إننا هنطول في اللعب حوالين بعض، بس أنا بحب اللعب وللأسف أختارتي الشخص الغلط

اردف عبارته الأخيرة وهو يمدَّ بكفه نحوها، فدفعت جنات يده عنها مبتعده

– أيدك لأقطعهالك

وضحكة صاخبة كانت تتجلجل بين الجدران، فيميل نحوها يهمس بوعيد

– هحاول أعمل نفسي مسمعتش حاجة من كلامك ده.. وآه عشان تعرفي إن صلة الدم موجوده

رمقته جنات متهكمه فهم لم يتذكروها يومًا لا هي ولا والدها

– ومدام في صلة دم جاي بتساومني على حق والدي اللي سرقه أبوك زمان

تجمدت عينين كاظم وهو يراها تناطحه

– ابوكِ ملهوش حق عندنا.. الأرض ديه ملك ليا وأحمدي ربنا إني كريم معاكِ لو كان جودة باشا بصحته مكنتيش طولتي حاجة وأنتِ عارفه ده كويس

– أبوك اللي أعماله الخيرية مسمعه البلد كلها.. سرق حق أبويا، إستغل ثقته لما عماله التوكيل.. ابن عمه لا هيسرقه ولا يضحك عليه لكن في النهاية اخد حقه وانت جاي دلوقتي تقولي احمدي ربنا إني كريم معاكِ

– أنتِ اه قولتي بنفسك عماله توكيل.. فارضي بالفلوس وبلاش لعب معايا وبلاش تدخلي سليم النجار في الحكاية

ومنذ وقت طويل لم تضحك هكذا.. تعالت ضحكتها تطرقع كفيها بعضهما

– خايف على المشروع اللي أنتوا شركاء فيه.. لا مش معقول كاظم بيه خايف
امتقع وجه كاظم وهو يراها كيف انبسطت ملامحها بل ولم تعد مذعورة منه

– اتنين مليون كويس

نظرت إليه طويلا بملامح ساكنه فارتخت ملامحه وهو يخرج دفتره حتى يدون لها المبلغ ولكن يده علقت داخل سترته وهو يسمع عبارتها

– ولا فلوس الدنيا كلها تخليني أفرط في حقي من تاني .. برة

تجمدت عينين كاظم نحوها وغادر بخطوات عاصفة، التقطت أنفاسها واقتربت من باب الشقة تغلقه خلفه ولكن وقفت في مكانها تنظر نحو أحمس الذي تقدم منها وقد أستمع لكل شئ

– أنتِ مش أد الناس ديه يا جنات، وعمر سليم النجار ما هيخسر شريكة عشانك واه سهلتي عليه الطريق لفتون وهتطلعي أنتِ الخسرانة.
………

وكما أخبره الطبيب أن الأمر لن يطيل ولكنه لا يستطيع تحديد الوقت وها هي جيهان تفيق من غيبوبتها بعد أسبوع من حادثتهم..
همست اسمه فاقترب منها يتأكد مما تراه عينيه، تنفس الصعداء وهو يراها تفتح عينيها.
خرج من غرفتها يبحث عن إحدى الممرضات المتابعة لحالتها، فاسرعت نحوه إحداهن وسرعان ما كنت تدلف معه غرفتها تُُعاين مؤشراتها الحيوية ثم غادرت حتى تستدعي الطبيب الخاص بحالتها

– لا المدام بقيت تمام.. بس هي هتفضل فترة مشوشة والصداع ملازمها غير كسر دراعها

طمأنه الطبيب وانسحب مشيرًا له بأن يتبعه

– جسار بيه المدام محتاجة راحه نفسيه متنساش حالتها

عاد جسار إليها فوجدها تحاول الإعتدال من رقدتها فاسرع نحوها

– أنتِ بتعملي إية؟
تسألت بتشوش وهي تتحسس جبهتها

– هو أنا بقالي أد إيه هنا

هتف عبارته وهو يلتقط هاتفه يُغلق رنينه

– أسبوع

طالعت نظرات عينيه نحوها وتلك الكلمات المقتضبة التي يحادثها بها، وعادت تفاصيل الحادثة وما قبلها يقتحم عقلها

– أنت هطلقني مش كده يا جسار؟

اغمض عينيه ثم عاد يفتحهما ويزفر أنفاسه

– مش وقته الكلام ده يا جيهان.. أنتِ محتاجة راحة فحاولي ترتاحي

عدل لها من وضع وسادتها بيده السليمة، وها هو يوم أخر يمر لها بالمشفى وهو يأتي لها فور أن ينتهي من أعماله المتراكمة.

– الدكتور كتبلك على خروج.. هحضرلك الشنطة وهيعاين حالتك ونمشي

فهتفت متسائلة وهي تبلل شفتيها بلسانها ثم تبتلع لعابها

– هنرجع شقتنا مش كدة؟

عاونها على النهوض وسرعان ما دفعت ذراعه عنها صارخة

– رد يا جسار هنرجع شقتنا ولا هتسبني
– جيهان إحنا من قبل الحادثه متفقين كل واحد هيروح لحاله.. والطفل اللي كان ممكن يربطنا مبقاش موجود ولا حياتنا هتنفع ترجع تاني

تهاوت بجسدها فوق الفراش تحدق به، إسترد أنفاسه وعاد يطالعها بهدوء

– الشقة ملكك يا جيهان أنا كتبتها ليكِ وحقك هتاخديه كامل.. لكن طرقنا أفترقت خلاص

همست بضعف تخاطبه

– بس أنت بتحبني ياجسار

تنهد بزفزات طويلة فلم يعد يعرف هل أحبها بالفعل أم كان يضحك على حاله ويشبع رجولته؛
امرأة حسناء تعطيه ما يرغب بسهوله، تشعره وكأنه لا مثيل له تقدم له ما يرغب دون أن يطلب، وقد اجادت التعامل معه ومع طباعه فجعلته يُريد المزيد منها.. وهو حقا قد أرتوى ولكن هل بالفعل نرتوي من الحب؟
أم نظل كالظمأ !
وعندما استنتجت من صمته إنه بالفعل تخطاها ولم تجعله مدمن بها… صرخت بل ونهضت من فوق الفراش تدفعه فوق صدره.
ارتكزت عينين عليهما وقد التقط هو تلك العينين ولكن صاحبتهم كانت جائعة متعطشه بأن تكسب أول حدث لها في مهنتها في إحدى المجلات الداعمة للنساء.
التقطت صورتهما ومن بضعة كلمات كانت جيهان تتحدث بهما أثناء صراخها لم يحتاج الأمر لفهم المزيد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *